تستمر المعارك محتدمة امس في محيط مدينة عين العرب (كوباني) الكردية السورية الحدودية مع تركيا والتي يدافع عنها مقاتلون سوريون اكراد لمنع تنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش) من اقتحامها، وقت وعدت تركيا ببذل "ما في وسعها" لمنع سقوط ثالثة كبرى المدن الكردية في سوريا وذلك غداة اعطاء مجلس النواب التركي الضوء الاخضر للجيش لتنفيذ عمليات عسكرية ضد مقاتلي التنظيم المتطرف في سوريا والعراق.
وردا على الموقف التركي، سارعت دمشق الى اعتبار "النهج المعلن للحكومة التركية... انتهاكا لميثاق الامم المتحدة الذي ينص على احترام السيادة الوطنية للدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية"، و"عدوانا موصوفا على دولة هي عضو مؤسس في منظمة الامم المتحدة. وعلى رغم تقدم المسلحين المتطرفين خلال الساعات الاخيرة، لم يشن الائتلاف الدولي الذي تقوده واشنطن أي غارات على مواقع "الدولة الاسلامية" في محيط كوباني. بل تحدث بيان للقيادة العسكرية الاميركية عن شن ست غارات الخميس والجمعة استهدفت مواقع للمسلحين المتطرفين في جنوب محافظة الحسكة بشمال شرق سوريا وجنوب شرق دير الزور في الشرق وشمال الرقة في الشمال حيث اصيب معسكر تدريب ومصفاتان للنفط تشكلان مصدر تمويل للتنظيم، الى هدف في محافظة حلب.
وطالب المسؤول الكردي المحلي ادريس نحسان بمساعدة دولية "في هذه المعركة ضد الارهاب" وباسلحة وذخائر. وقال: "نحن ندافع عن كوباني. نحن وحدنا". وتعهد بيان صادر عن "قوات حماية الشعب" وهي الجماعة المسلحة الكردية الرئيسية مقاومة "لا تنتهي أبدا" ضد "الدولة الاسلامية" في تقدمها نحو كوباني. واضاف ان كل شارع وكل منزل سيكون مقبرة لهم. وقال: "دعوتنا الى الشبان والشابات في كردستان ... هي ان يتقدموا ليصبحوا جزءا من هذه المقاومة". وأوضح قائد القوات الكردية التي تتولى الدفاع عن كوباني عصمت الشيخ إن المسافة التي تفصل مقاتليه عن مقاتلي "داعش" باتت أقل من كيلومتر واحد.
في غضون ذلك، أحرز الجيش السوري النظامي تقدما جديدا على الارض في منطقة حلب، الامر الذي يهدد مقاتلي المعارضة في الاحياء الشرقية للمدينة بحصار كامل. وأورد الاعلام الرسمي السوري ان القوات السورية سيطرت على تلال استراتيجية شمال العاصمة الاقتصادية سابقا لسوريا. وتشرف هذه التلال على طريق الامداد الرئيسي لمقاتلي المعارضة من تركيا.
وأصدر "المرصد السوري لحقوق الانسان" الذي يتخذ لندن مقرا له بيانا جاء فيه: "تستمر الاشتباكات العنيفة في منطقة مخيم حندرات وتلة حندرات بين الكتائب المقاتلة ومنها جبهة النصرة (تنظيم القاعدة في بلاد الشام)... من جهة، وقوات النظام مدعومة بقوات الدفاع الوطني ولواء القدس الفلسطيني وعناصر من حزب الله اللبناني من جهة أخرى". وأضاف ان "قوات النظام تحاول تثبيت سيطرتها على التلة الاستراتيجية، محاولة بذلك فرض حصار على الأحياء الشرقية التي يسيطر عليها المقاتلون في مدينة حلب، وذلك بعد سيطرتها على قرية حندرات".
قطع رأس رهينة بريطانية من جهة أخرى، ظهر في شريط فيديو على الانترنت شخص من "الدولة الاسلامية" وهو يقطع رأس الرهينة البريطانية آلن هيننغ (47 سنة). وانتهى الشريط بمقاتل يوجه تهديداً الى رجل عرفوا عنه بأنه أميركي. وقال ناشط ملثم: "أوباما، لقد بدأت قصفاً جوياً للشام (سوريا)، ومع استمرارك في قصف شعبنا، سنضرب شعبك". وكان شريط الفيديو الذي استمر دقيقة واحدة و11 ثانية يحمل عنوان "رسالة أخرى إلى أميركا وحلفائها".
وقال موقع "سايت" الاميركي الذي يرصد المواقع الجهادية على الانترنت إن عامل الإغاثة البريطاني ظهر في الفيديو وهو يقدم نفسه. ويقول هيننغ في الفيديو: "بسبب قرار برلماننا مهاجمة الدولة الاسلامية سأدفع أنا بصفتي أحد أفراد الشعب البريطاني ثمن ذلك القرار".
وتجدر الاشارة الى أن هيننغ الملقب "غادجت" انضم الى قافلة اغاثة، وتعرض للأسر في 26 كانون الأول من العام الماضي بعيد اجتيازه الحدود بين تركيا وسوريا.
وهذا الشريط الرابع توزعه "الدولة الاسلامية" عن قطعها رؤوس رهائن. لكن عملية قطع الرأس تماماً لم تظهر في الأشرطة الموزعة، ويبدو أن المتطرف الطويل القامة ذا اللكنة الانكليزية، قطع رؤوس الصحافيين الاميركيين جيمس فولي وستيفن سوتلوف وعامل الاغاثة البريطاني ديفيد هاينز في الأسابيع الأخيرة.
ومعلوم أن بريطانيا انضمت في وقت سابق من هذا الاسبوع الى الائتلاف الدولي لمحاربة "داعش". وأغارت مقاتلاتها على مواقع للتنظيم المتطرف في العراق. وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إن قتل هيننغ يبين "الى أي مدى يتسم هؤلاء الارهلبيون بالوحشية والقبح".
كوباني احتدمت المعارك أمس في محيط مدينة كوباني المعروفة أيضاً بعين العرب السورية الحدودية مع تركيا والتي يدافع عنها مقاتلون سوريون اكراد امام محاولة لاقتحامها من تنظيم "الدولة الاسلامية"، ووعدت أنقرة ببذل "ما في وسعها" لمنع سقوط المدينة في ايدي التنظيم، بينما اعتبرت دمشق أي تدخل تركي في سوريا "عدوانا موصوفا".
بعد موافقة مجلس النواب التركي على السماح للحكومة بالتدخل عسكريا ضد تنظيم "الدولة الاسلامية" في سوريا، قال رئيس الوزراء أحمد داود اوغلو في مقابلة بثتها شبكة "هابر-اي تي في" في وقت متقدم مساء الخميس: "أننا لا نريد سقوط كوباني... مددنا يدنا الى اشقائنا في كوباني... سنبذل كل ما في وسعنا حتى لا تسقط كوباني". ومع ذلك، لم تكشف الحكومة التركية نياتها وخصوصا من حيث مشاركة محتملة في العمليات العسكرية.
وقال داود اوغلو: "لم يتخذ اي قرار في شأن عمل عسكري محتمل في الاجتماع الامني" الذي انعقد مساء الخميس، ولكن لا يمكن تركيا ان تكتفي بـ"مقاربة سلبية... لا يمكننا ان نترك مصير شعبي العراق وسوريا بين ايدي ائتلاف لا نشارك فيه". وأضاف: "لا يملك اي بلد آخر (غير تركيا) تأثير انقرة على الاحداث الجارية في سوريا والعراق. كما انه ما من بلد سيتأثر بهذه الاحداث مثلنا". لكنه قلل شأن التوقعات لتوغل عسكري، قائلا إن مثل هذه الخطوة قد تجر أنقرة إلى صراع أوسع على طول حدودها الممتدة على مسافة 900 كيلومتر.
كذلك، نقل عن وزير الدفاع التركي عصمت يلمظ إنه سيكون من الخطأ توقع القيام بعمل عسكري وشيك بعد التفويض النيابي.
ودارت معارك ضارية أمس عند ابواب مدينة عين العرب التي تعرض وسطها لقصف بمدافع الهاون من مسلحي تنظيم "الدولة الاسلامية"، وتصاعد دخان اسود كثيف فوق المدينة. وعلى رغم تقدم المسلحين الاسلاميين، لم ترد اية اشارة الى تكثيف غارات الائتلاف الدولي الذي تقوده واشنطن.
وأشار البيان الاخير للقيادة الاميركية الى شن اربع غارات الاربعاء والخميس، احداها قرب عين العرب بمساعدة الامارات. ومنذ أيام اقترب مقاتلو التنظيم من جنوب المدينة وشرقها وغربها. وأفاد مدير "المرصد السوري لحقوق الانسان" رامي عبد الرحمن الذي يتخذ لندن مقراً له ان "المعارك تواصلت طوال الليل وهذا الصباح" على جبهة القتال الواقعة ما بين كيلومترين واقل من كيلومتر من عين العرب. وقال ان "وحدات حماية الشعب دمرت هذا الصباح آليتين تابعتين لتنظيم الدولة الاسلامية على بعد اقل من كيلومترين جنوب شرق كوباني". وطالب المسؤول الكردي المحلي ادريس نحسان بمساعدة دولية "في هذه المعركة ضد الارهاب" وباسلحة وذخائر. وقال: "نحن ندافع عن كوباني (منذ 16 ايلول). نحن (نقاتل) وحدنا".
وكشف قائد القوات الكردية التي تتولى الدفاع عن كوباني عصمت الشيخ أن المسافة التي تفصل مقاتليه عن مقاتلي "الدولة الاسلامية" باتت أقل من كيلومتر واحد. وأبلغ "رويترز" "أننا في منطقة صغيرة محاصرة ولم تصلنا أية تعزيزات والحدود مغلقة... أتوقع أن يحدث قتل ومجازر ودمار... هناك قصف بالدبابات والمدافع والصواريخ وقذائف الهاون". وتتيح سيطرة التنظيم على عين العرب التحكم بشريط حدودي طويل وواسع محاذ لتركيا.
ومنذ بدء الهجوم، استولى التنظيم على نحو 70 قرية في محيط عين العرب مما ادى الى فرار نحو 160 الف كردي خوفاً من التعرض للقتل.
هيغل ولودريان وازاء التهديد المتعاظم على الحدود مع سوريا والعراق، اجاز مجلس النواب التركي للجيش القيام بعمليات ضد "الدولة الاسلامية" في هذين البلدين ضمن الائتلاف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وتشارك فيه بدرجات متفاوتة 50 دولة. وتتيح موافقة المجلس ايضا تمركز قوات اجنبية مشاركة قي الاراضي التركية. ورحب كل من وزيري الدفاع الاميركي تشاك هيغل والفرنسي جان - ايف لودريان خلال لقائهما في واشنطن بتصويت المجلس التركي.
الا ان الوزير الاميركي قال ان الحكومة الاميركية لا تفكر حاليا في اقامة منطقة عازلة في شمال سوريا، لكنها تبقى منفتحة على مناقشة "خيارات" متنوعة مع الحكومة التركية. واضاف: "نواصل الحديث مع الاتراك عن خيارات عدة ولكن لا خطط لهذا الخيار حاليا". وكان رئيس هيئة الاركان الاميركية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي أعلن ان منطقة آمنة كهذه ستتطلب دوريات بلا توقف للطائرات وقوة برية كبيرة لتعزيزها.
الى ذلك، قال هيغل إنه بحث مع نظيره الفرنسي في امكان مشاركة فرنسا في التدخل العسكري ضد الجهاديين في سوريا، غير ان الوزير الفرنسي لم يؤكد ولم ينف صرح هذه المسألة اثناء اللقاء.
رفض سوري وتشكيك كردي ورداً على التصويت التركي، نقل التلفزيون السوري الرسمي عن وزارة الخارجية ان "النهج المعلن للحكومة التركية يشكل عدوانا موصوفا على دولة هي عضو مؤسس في منظمة الامم المتحدة".
وأبدى سياسيون أكراد شكوكاً في أن تتدخل تركيا لدعم المقاتلين الأكراد، ورأوا أن التفويض البرلماني يعني الرئيس السوري بشار الاسد و"حزب العمال الكردستاني" مثلما يستهدف الاسلاميين.
وقال ارتوغرول كوركجو، وهو مسؤول كبير في "الحزب الشعبي الديموقراطي" الموالي للاكراد: "لا يهدف مثل هذه التصريحات إلا الى اسعاد الشعب الكردي، لكنها لا تنطوي على أي دعم مادي. يركز هذا التفويض على الحكومة السورية والأسد وحزب العمال الكردستاني وليس الدولة الاسلامية". والتقى زعيم الحزب صلاح الدين دميرطاش داود أوغلو الأربعاء، وقال كوركجو إنه "لم تقدم خطة عمل ملموسة أو وعد بالمساعدة في حماية الأكراد. كانت مجرد عبارات مؤاساة".
وصرح دميرطاش لصحيفة "حريت" بأن "تصريح داود أوغلو هو أول تعبير عن تغير في موقف الحكومة. ولكن يجب أن يترجم إلى أفعال. وفي هذه اللحظة من المهم ارسال الدعم اللوجستي إلى كوباني".
ويصر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على أن الغارات الجوية وحدها لن تنجح في احتواء خطر "الدولة الاسلامية"، ويريد تحركاً متزامناً ضد حكومة الاسد يتضمن اقامة منطقة حظر طيران في الجانب السوري من الحدود.
وقال داود أوغلو: "هل تعلم ماذا سيحصل عندما لا تقام منطقة حظر طيران؟ ستقصف قواعد الدولة الاسلامية ثم سينتهز نظام الأسد الفرصة ويقصف حلب، بعدما ارتكب كل هذه المذابح وهو يظن أنه صار شرعيا الآن. تنسحب الدولة الاسلامية والجيش السوري الحر ضعيف، ويقصف النظام حلب بكل ما أوتي من قوة. سيبدأ ثلاثة ملايين شخص في الانتقال من حلب إلى تركيا".
حلب في غضون ذلك، روى سكان وناشطون ان الجيش السوري اشتبك مع مقاتلي المعارضة عند المشارف الشمالية لمدينة حلب، مما يهدد بانتزاع آخر طريق امداد رئيسي لهم ومحاصرة المقاتلين والمدنيين في الداخل. وعلى رغم وجود طرق أصغر تؤدي الى حلب، الا ان السيطرة على هذا الطريق سيقلص بشدة قدرة قوات المعارضة على الحصول على امدادات، كما سيسمح للجيش السوري بمحاصرة مناطق في المدينة سيطرت عليها المعارضة منذ سنتين.
وقال محمد بيدور (25 سنة) وهو ناشط مناهض للاسد: "الطريق أغلق تماما وأقام النظام المتاريس. رفاقنا كانوا هناك واضطروا الى أن يسلكوا طريقا آخر أطول بكثير ويستغرق ساعات". وأوضح أن الاشتباكات مستمرة في قريتي سيفات ودوير الزيتون على مسافة نحو ثمانية كيلومترات شمال مدينة حلب.
وقال "المرصد السوري لحقوق الانسان" الذي يتخذ لندن مقراً له ان الجيش لم يسيطر على الطريق الرئيسي بعد، لكن الاشتباكات التي تركزت حول حي حندارات في شمال حلب أدت الى سد الطريق. ولفت مدير المرصد رامي عبد الرحمن الى أنه اذا استطاع الجيش السوري السيطرة على حندارات، فسوف تصير حلب تحت الحصار. |