Date: Nov 4, 2014
Source: جريدة النهار اللبنانية
لبنان: "القوات" تُمهّد للتمديد بالمبادرة الأخيرة ونصـراللـه يمدّ يد الحوار إلى "المستقبل"
ماذا في دلالات كلام نصر الله عشية التمديد؟
بدا المشهد السياسي الداخلي عشية جلسة مجلس النواب التي ستبت مصير التمديد للمجلس غداً، كأنه اخضع لجرعات منشطة سريعة من شأنها ان تحيي حيوية استثنائية من خلال مواقف متعاقبة من الصنف الثقيل على غرار المفاجأة التي برزت في خطاب الامين العام لـ"حزب الله " السيد حسن نصرالله في الليلة الاخيرة من عاشوراء مساء امس وما يمكن ان يعلنه رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع في مؤتمره الصحافي ظهر اليوم.

ذلك انه وسط العد العكسي لجلسة التمديد التي ستتخذ اطارها النهائي المفترض في الساعات المقبلة لجهة حسم الكتل المسيحية الثلاث الاساسية (التكتل العوني و"القوات" والكتائب) مواقفها النهائية حضوراً واقتراعاً ايجابياً او سلبياً حملت الاطلالة العلنية للسيد نصرالله امام الحشود في "مجمع سيد الشهداء" في الرويس مفاجأة سياسية ايجابية من حيث اعترافه عبر موقف نادر بـ"الدور الأبرز لتيار المستقبل وقيادته في احتضان الجيش وانقاذ لبنان مما كان يدبر له في طرابلس والشمال". اتخذ هذا الموقف بعداً مهماً بالنسبة الى ما رأى فيه مراقبون ملاقاة للمبادرة التي اطلقها الرئيس سعد الحريري غداة انتهاء أحداث طرابلس الاخيرة، بدليل ان نصرالله الذي لفت الى "اننا نختلف في كثير من المواقف وقد نصل الى مرحلة العداء"، استدرك بالقول "لكن أخلاقنا تقول إنه عندما يكون هناك موقف صحيح وشريف يجب ان نشكره ونقدّره بمعزل عن كل الخلافات بيننا". كما أضاف مرحباً بدعوة "المستقبل" الى الحوار قائلاً: "نحن جاهزون للحوار وهناك مصلحة وطنية فيه".

أما في الملف الرئاسي، فان موقف نصرالله تميّز بأنه سمّى العماد ميشال عون للمرة الأولى علناً مرشحاً للحزب وحلفائه. واذ دعا الى "العمل على استعادة هذا الملف من القوى الاقليمية" قال: "نحن ندعم ترشيحاً معيناً ومحدداً يتمتع بافضل تمثيل مسيحي ويجب ان يكون الحوار الاساسي معه ونحن جاهزون لنكون جزءاً من الحوار مع مرشحنا والحرف الاول من اسمه العماد عون". وفي موضوع التمديد للمجلس قال إن "لا مانع لدى الحزب في التمديد كما انه جاهز للانتخابات"، لكنه شدد على "اننا لسنا جاهزين أبداً لذهاب البلد الى الفراغ".

في المقابل، يعقد جعجع مؤتمراً صحافيا ظهر اليوم في معراب يعرض فيه "مبادرة الساعة الاخيرة" لتفادي التمديد. واذ تكتمت مصادر الحزب على مضمون هذه المبادرة، رجح سياسيون قريبون من "القوات" ان يركز جعجع على انتخاب رئيس الجمهورية نقطة بداية لمعالجة الازمات الداخلية وابداء الاستعداد لتقديم كل التضحيات في سبيل انتخاب رئيس. لكن هؤلاء اعربوا عن اعتقادهم ان كتلة "القوات" ستمضي الى التصويت مع التمديد للمجلس في جلسة الاربعاء متخطية ما وصفوه بدائرة المزايدات في هذا المجال.

وبالنسبة الى موقف حزب الكتائب الذي سيقرر اليوم ما اذا كان سيحضر الجلسة أم سيقاطعها باعتبار انه يرفض التمديد، قال وزير العمل سجعان قزي لـ"النهار" إنه من خلال الاتصالات مع المرجعيات الدولية "تبيّن لنا أن هذا المجتمع لا يحبّذ تمديدا لمجلس النواب لأكثر من سنة". وأضاف: "اذا كانت الذريعة للتمديد هي عدم حصول فراغ بغياب رئيس الجمهورية فلماذا التمديد سنتين وسبعة أشهر مما يبدو انه يستهدف ملء الشغور الرئاسي وليس مواجهة الفراغ النيابي نفسه؟".

الاتفاق السعودي – الفرنسي
وسط هذه الاجواء، تشهد الرياض اليوم تطوراً بارزاً يتمثل في الانطلاقة التنفيذية لترجمة هبة الثلاثة مليارات دولار السعودية لتسليح الجيش اللبناني من خلال التوقيع النهائي بين الجانبين السعودي والفرنسي لاتفاق التسليح. وقد وصل أمس الى المملكة العربية السعودية قائد الجيش العماد جان قهوجي لحضور توقيع الاتفاق بدعوة من المملكة وستتم مراسم التوقيع ظهر اليوم في الرياض. وأبلغ مصدر فرنسي "وكالة الصحافة الفرنسية" ان العقد الذي يتم التفاوض في شأنه منذ أشهر ويتناول قائمة العتاد الذي يطلبه لبنان سيطبق بشكل سريع.

وعلمت "النهار" ان مصادر سعودية أبلغت عدداً من المسؤولين عشية توقيع اتفاق هبة الثلاثة مليارات دولار للجيش اليوم في المملكة "ان هذا الحدث يدحض الشائعات التي راجت سابقا عن موت الهبة". وبررت التأخير الذي طرأ على إنجاز تقديم الهبة بأسباب "تقنية وفنية وليست لاعتبارات أشيعت في لبنان وفرنسا".
من جهة أخرى، من المقرر ان يعرض وزير الدفاع سمير مقبل على مجلس الوزراء بعد غد الخميس تقريراً عن محادثاته الاخيرة في طهران والمتعلقة بالهبة العسكرية التي عرضت إيران تقديمها للجيش اللبناني.

المخطوفون
الى ذلك، علمت "النهار" ان الاجواء الحكومية المحيطة بملف العسكريين المخطوفين في ضوء الشروط التي أعلنتها "جبهة النصرة" هي سلبية عموماً. لكن الامر سيتضح غداً في إجتماع خلية الازمة، علماً ان الملف سيكون امام مجلس الوزراء الخميس.

موفد فاتيكاني
في غضون ذلك، علمت "النهار" ان موفداً فاتيكانياً سيصل الخميس الى بيروت حيث سيمضي ثلاثة أيام يجري خلالها إتصالات فهم انها ليست بالضرورة متعلّقة بالقضايا السياسية في لبنان.

تخوّف في طرابلس بعد طلب توقيف الشهال ودقماق 
مصطفى العويك
شكّلت المعارك الاخيرة التي شهدتها مدينة طرابلس، سواء في اسواقها القديمة او في منطقة التبانة، خطوات متقدمة في طريق استكمال تطبيق الخطة الامنية التي اقرتها الحكومة الحالية منذ نحو 7 اشهر، (والتي يجب ان تنفذ على مستوى كل لبنان)، بحيث أزيلت المربعات الامنية الى اجل يراه السياسيون بعيدا، وانتهت المظاهر المسلحة بما يعيد الى المدينة امنها واستقرارها المفقودين منذ ايار 2008.

بعد تواري رؤساء المجموعات المسلحة، بدأ الجيش سلسلة من عمليات الدهم في كل الشمال، كان أبرزها دهم مخزني أسلحة، الاول بالقرب من مسجد حربا في التبانة، و الذي تركت مصادرته انطباعات سلبية لدى فاعليات المنطقة، باعتبار ان هذا السلاح مرتبط بالاشكال التاريخي بين جبل محسن والتبانة ولم يستخدم يوما ولن يستخدم ضد الجيش اللبناني، اما الثاني فكان في منزل والد بلال دقماق في منطقة ابي سمراء، ويعود الى الشيخ داعي الاسلام الشهال الذي صرّح في حديث خاص لـ"النهار" بانه وضعه عند الدقماق "بعد اجتهاد من شخصيات عدة بهدف منع حصول اي اشتباك بين حرسي الخاص وجهات أخرى من الذين قد تعلم هوياتهم أو لا تعلم".

بعد ذلك أصدر القضاء اللبناني مذكرتي توقيف في حق الشيخ داعي الاسلام الشهال الموجود خارج لبنان، وبلال دقماق الموجود في تركيا، مما ترك قلقا في مدينة طرابلس من امكان عودة التوترات الامنية من باب الاعتراض على المذكرتين، فيما تؤكد مصادر اسلامية من "هيئة علماء المسلمين" ان "المذكرتين تركتا انزعاجا كبيرا داخل الهيئة"، لأن "المقصود بهما شيخ له مكانته وقيمته بين الاسلاميين (داعي الاسلام) ولا يمكن الاستمرار في التعامل على قاعدة صيف وشتاء تحت سقف واحد".

من جهة أخرى، علمت "النهار" أن عدداً كبيراً من مشايخ طرابلس من غير السلفيين ينقل عنهم تخوفهم من "فخاخ تنصب لاهل السنة"، وقولهم ان "اهل السنة لا يسعون الى تفجير منطقتهم، ولكن امثال الشهال ودقماق يستثيرهم مريدو التفجير، فيثورون ويغضبون، الامر الذي يساعد المفجر الحقيقي على التفجير، اما المذكرات فهي انتقامية اكثر منها امنية، فهؤلاء لم يشاركوا في المعارك، وبالتالي ليس منطقياً اصدار مثلها".

وكان الشهال الموجود خارج لبنان والذي سطر القضاء اللبناني مذكرة توقيف بحقه علق على ذلك لـ"النهار" بالقول: "ما يتخذ في لبنان من تدابير وقرارات، لحزب الله التأثير الاكبر في فرضه وتوجيه المسارات". وان المذكرة، ان دلت على شيء، فعلى المستوى المتدني الذي وصلت اليه المؤسسات في لبنان والتعامل باستنساب والكيل بمكاييل وليس بمكيالين، وهذا التدبير يصب في مصلحة المشروع الصفوي، وهو اجراء مبني على الكيد والمقصود منه ان نخضع ونركع للقيمين على حكومة الولي الفقيه، وهذا لن يكون. وان المذكرة تشكل استهانة بالطائفة السنية".

ونفى الشهال ان يكون دعا الى محاربة الجيش والصدام معه، قائلا: "حذرنا مرارا من انجرار الشباب للتصادم مع الجيش، ولو كان لدينا اقتناع بذلك لنزلنا الى الشارع مع انصارنا وكانت "خربة الدني" في كل المناطق".
وعن تداعيات المذكرة على الساحتين الاسلامية والطرابلسية قال: لا يمكن ان اسكت عن هذا الظلم، وسيكون لها مفاعيل، وهذا التعامل السلبي المبني على الغرضية لن أقبل به".
وهل يعود الى لبنان قريباً، أجاب: سأعود الى لبنان مرفوع الرأس وعالي الجبين، عزيزاً بديني ومواقفي، واتشرف بما قمت به، وهو امر مشرف لكل انسان يبتغي الحق والفضيلة".

وبرر وجود كميات كبيرة من الاسلحة لديه بالقول: "لديّ أعداء بالجملة من جيوش خلفها جيوش، ولديّ حرس يفوق عددهم 18 شخصا بدوامات متعددة، وفي حال تعرضنا لهجوم او خلل امني والجيش لم يتحرك وقد شهدنا ذلك في جبل محسن وعبرا التي خاض فيها حزب الله المعركة ضد الشيخ احمد الاسير، وكذلك يوم اجتاح حزب الله بيروت في السابع من ايار عام 2008، ففي حال تعرضنا لهجوم ولم يتدخل الجيش فمن الطبيعي ان ندافع عن أنفسنا".

ماذا في دلالات كلام نصر الله عشية التمديد؟

سابين عويس

مواقف كثيرة خرقت جمود المشهد السياسي عشية جلسة التمديد للمجلس النيابي، بدت وكأنها تصب في سياق تأمين جو من الليونة او المرونة لتمرير التمديد بأقل الأضرار الممكنة.

فموقف الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله امس عشية عاشوراء وجه فيه أكثر من رسالة ايجابية وفي أكثر من اتجاه، من شأنه ان يعيد التأكيد على المضامين التي سبق وأعلنها، الى موقف آخر منتظر من رئيس "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع على شكل مبادرة "إنقاذية" أخيرة لموقع الرئاسة الأولى الشاغر منذ أكثر من ستة أشهر يرمي من خلالها ليس رفع اي مسؤولية يمكن تحميلها لحزبه حيال الخطوة التي ستخطوها القوات غداً في مجلس النواب عبر السير في التمديد للمجلس النيابي.

ويمكن إدراج المعطيات "المسهلة" لقرار التمديد غداً في الآتي:

- تنويه نصر الله بالجيش واعتبار المؤسسة العسكرية الضمانة الحقيقية لبقاء لبنان وتماسكه وسلمه الأهلي، مؤكدا ان لا بديل عنه لحفظ الأمن والاستقرار. وتزامن كلام نصر الله عن الجيش مع وجود قائد الجيش في المملكة العربية السعودية للمشاركة في حفل توقيع اتفاق الهبة بقيمة 3 مليارات دولار بين المملكة وفرنسا لمصلحة تسليح الجيش وتجهيزه. وهي خطوة تؤشر في توقيتها وبعد الالتباسات التي رافقت موضوع الهبة في ضوء ما تردد عن إلغائها، الى حرص سياسي على التأكيد على دعم المؤسسة العسكرية كواحدة من المؤسسات المعنية في حفظ الأمن والاستقرار في ظل التعثر الذي تواجهه المؤسسات الدستورية من مؤسسة رئاسة الجمهورية الغارقة في الشلل بفعل الشغور الى المجلس النيابي الذي سيفقد الكثير من صفته التمثيلية بعد تمديد ولايته للمرة الثانية بقرار من السلطة السياسية وليس من الشعب الذي يشكل مصدر السلطات.

- إعلان نصر الله لمرة الأولى في شكل علني عن ان العماد ميشال عون هو مرشح قوى 8 آذار و"حزب الله" تحديدا، يشكل عامل ضغط على الجنرال من اجل ملاقاة حليفه في مطلب التمديد للمجلس. وينتظر ان يكون لعون موقف في هذه المسأة يحدد فيه مدى تلقفه لمبادرة نصر الله الى تسميته.

- ان نصر الله وضع التمديد للمجلس في إطار تلافي الفراغ، وهو بذلك رد في شكل غير مباشر على هواجس البطريرك الماروني مار بشارة الراعي إزاء دفع البلاد نحو مؤتمر تأسيسي يؤسس للمثالثة.

- ان دعوة الحزب الى مد اليد الى تيار "المستقبل" لفتح قنوات الحوار والتواصل تؤشر الى تباين الأولويات بين القوى السياسية حيال عنوان مرحلة ما بعد التمديد. ففي حين تسعى القوى المسيحية الى تقدم اولوية رئاسة الجمهورية على ما عداها من أولويات، يبدو ان "حزب الله" الذي سمى عون للرئاسة مع إدراكه العميق بأن هذه التسمية تبقي الرئاسة في المربع الأول، يعطي الأولوية للحوار مع "المستقبل" ليس انطلاقا من هاجس الفتنة السنية الشيعية التي يسعى نصر الله الى التقليل من أهميتها، مخالفا بذلك انطباعات السنّة الذين يضعون كل ما يحصل في هذا الإطار وليس خارجه أبدا، بل يفعل ذلك انطلاقا مما يصفه بالحرب مع التكفيريين والصراع السياسي في المنطقة.

وما المدة التي حددها اقتراح قانون النائب نقولا فتوش لتمديد ولاية المجلس لسنتين و7 اشهر إلا المؤشر الى ان الأمن والعلاقات السنية الشيعية هما في اولوية الاهتمامات السياسية أما الرئاسة فتبقى في إطار هذه الحسابات تفصيلا يمكن إنجازه إذا إقتضت ظروف خارجية داهمة ذلك.