موناليزا فريحة كثيرة هي الأسباب التي يمكن أن "تفسّر" سقوط شباب عرب ومسلمين في شباك الجاذبية القاتلة لـ"الدولة الاسلامية". تزايد الاستقطاب الاجتماعي والتوترات الطائفية خصوصاً، حوّل اليافعين المستائين لألف سبب وسبب، ضحايا سهلة لتنظيم ماكر يتلاعب بالمشاعر الطائفية بحذاقة. ولكن ما الذي يدفع أولئك الشباب الذين يعيشون في بلدان أوروبية بعيداً من الانقسامات الطائفية والتشجنات المذهبية، الى ترك كل شيء ورمي أنفسهم في أتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟
أحياناً، تدخل سيفرين غرفة ابنتها، تستلقي على السرير وتغمض عينيها لحظات، محاولة أن تجد جواباً عن سؤالها المزدوج: لماذا بقيت ابنتها كينزا (15 سنة) معها، بينما تخلت سارة عنها؟
لم تبق أشياء كثيرة لسارة في الغرفة. أرنبها الثمين ونسخة مترجمة للمصحف ودليل عن الطرق الصحيحة لوضوء المسلمات، اضافة الى طلاء للأظافر لم تستخدمه منذ سنتين. فمذ بلغت الخامسة عشرة اعتنقت سارة الاسلام وتخلت عن كل مستحضرات التجميل.
في 11 آذار الماضي، غادرت ابنة السابعة عشرة فرنسا للانضمام الى الجهاديين في سوريا. وحتى الآن لا تعرف عائلتها مكانها تحديداً، ولا بأية جماعة التحقت. في ذلك اليوم أوصلها والدها، بحسب الرواية التي تنقلها مجلة "در شبيغل" الى المحطة في ناربون، كما كان يفعل كل يوم، لتأخذ القطار الى مدرستها في كاركاسون في جنوب غرب فرنسا. وفي صورتها الاخيرة على الاراضي الفرنسية والتي التقطت بكاميرا المراقبة، كانت سارة في مطار مرسيليا حيث ركبت رحلة الى اسطنبول، ومنها واصلت سفرها الى انطاكيا على الحدود السورية - التركية. وبعد ذلك بيومين، تلقت العائلة اتصالاً من سارة التي أرادت ابلاغها أنها بخير، وأنها في سوريا وتزوجت من فريد، وهو مقاتل في الخامسة والعشرين، من تونس.
لا شيء يبرر فرار سارة من حياتها. ومع ذلك، أمضت فترة طويلة تحضر لهروبها وتتجه نحو التطرف. تبدلت طريقة حياتها وملبسها، وباتت تمتنع عن مرافقة اصدقائها الى السينما. ومع ذلك، لم يخطر ببال أهلها أنها تخطط لامر ما. وعندما اعتنقت الاسلام، اعتقد والداها أنها اختارت دين ابيها المسلم المولود في فرنسا من أم فرنسية وأب جزائري، علما أنه لا يذهب الى الجامع ولا يصوم في رمضان، وانه ربى أولاده الثلاثة خارج الدين. بالنسبة الى سيفرين التي تعتبر نفسها ملحدة "كانت الوحدة أهم بالنسبة الينا من الايمان".
نوع جديد من الارهاب سارة، مثلها مثل ماكسيم وايلين ودافيد ومايكل وفرنسيين آخرين كثر في نهاية سن المراهقة، اعتنقوا الاسلام وتحولوا الى التطرف الراديكالي، فأثاروا صدمة في مجتمعاتهم وعائلاتهم. 15000 متطوع أجنبي وربما أكثر، ينتمون الى أكثر من 80 بلداً، انضموا الى صفوف الجماعات الجهادية التي تقاتل في سوريا، استنادًا الى تقرير أخير للأمم المتحدة. غالبية هؤلاء تأتي من دول عربية مجاورة، منها لبنان، لكن أكثر من ألفين منهم وصلوا من دول أوروبية، بينهم الف شاب من فرنسا انضموا الى المتطرفين في سوريا والعراق.
ليست هذه الظاهرة حديثة العهد، الا أنها اكتسبت في الاونة الاخيرة زخماً لا سابق له. فالجهاد في أفغانستان أو البوسنة أو الشيشان أو مالي لم يستقطب هذا العدد من المتطوعين الذي جذبه القتال في سوريا. وقد سجل وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف زيادة بنسبة 82 في المئة سنة 2014 لاعداد الفرنسيين الذين انضموا الى الجهاديين.
مع هذه الظاهرة، يبدو العالم أمام نوع جديد من الارهاب يتمتع بوصول حر الى العالم الرقمي الذي يضطلع بدور المجنِّد، مع مجموعات منظمة على الانترنت تستهدف شباباً مستعدين للانخراط في مغامرات ارهابية.
وعن هذه الظاهرة، يقول ديفيد تومسون، الصحافي في "إذاعة فرنسا الدولية" ومؤلف كتاب "الجهاديون الفرنسيون" إن تجنيد مقاتلين هو هدف أساسي للتنظيمات الاصولية، وخصوصاً "الدولة الاسلامية" التي لا تتوانى عن تعبئة عائلات بكاملها يخرج منها جهاديو المستقبل، ويجنّدون أيضاً أشخاصاً لبناء دولة. وليست مصادفة أن تختار "الدولة الإسلامية" ظهور مقاتلين أجانب في أشرطة ذبح رهائن. فهي تدرك تماماً أن وجود جهادي فرنسي مثلاً يمارس تأثيراً إعلامياً ونفسياً مضاعَفاً في فرنسا، ويضطر المسؤولين الى التعليق على مقاطع الفيديو. وهذا ما يحصل فعلاً. والامر نفسه ينطبق على المملكة المتحدة. والسبب الثاني هو جعل المجنّدين المحتملين يتماهون مع هؤلاء الأشخاص.
من هم؟ ولكن من هم هؤلاء المجنّدون الجدد الذين استطاع التنظيم تخريب عقولهم، وإلاَم يسعون؟ لا يمثل ماكسيم وايلين ودافيد والاخرون الذين ظهروا عبر أشرطة فيديو التنظيم أو عرفوا من خلال روايات أهلهم، عينة تمثيلية لآلاف الفرنسيين أو الاجانب الذي ذهبوا للقتال في سوريا والعراق، الا أن الخبراء بدأوا يرصدون قواسم مشتركة بينهم. عموماً، هم يتحدرون من عائلات ملحدة أو كاثوليكية، وقد تحولوا الى الاسلام في سن مبكرة نسبيا (13 سنة لدافيد دروجون، و15 سنة لايلين التي تكافح والدتها من أجل اعادتها الى صوابها ومنعها من مغادرة فرنسا، و17 سنة لماكسيم هوشار).
وتلاحظ مديرة مركز الوقاية من التجاوزات الطاائفية المتعلقة بالاسلام دنيا بوزار أنه في الماضي كان الخطاب الراديكالي يؤثر خصوصاً في الشباب المهمشين على المستوى الاجتماعي والعائلي، ولكن من أصل 160 عائلة اتصلت بالمركز للابلاغ عن ذهاب ابنائها الى سوريا، قالت 80 في المئة منها إنها ملحدة، وإنها تنتمي الى طبقات متوسطة. وتلفت أيضاً الى أن الفئات العمرية بين 15 سنة و21 سنة هي الاكثر استهدافاً (63 في المئة)، فيما تعتبر الانترنت وسيلة التلقين المعتمدة في 91 في المئة من الحالات.
خمسة أساطير لم تعد المساجد المنبر الرئيسي للتعبئة. وجد الارهابيون في الانترنت منبراً أوسع أفقاً وأكثر حرية. في الواقع، لم يسبق لتنظيم جهادي أن استخدم الدعاية والتواصل بقدر ما تفعل "الدولة الإسلامية". ومن أبرز أسلحته مقاطع الفيديو التي يبثها، اضافة الى كونه يتفنن في استخدام الانترنت.
ويفيد تقرير لمركز الوقاية إن "الخطابات الارهابية الجديدة صقلت تقنياتها للتعبئة من خلال اتقانها استخدام الانترنت، الى درجة أنها تصل الى اقتراح عرض فردي يمكن أن يخاطب شباباً مختلفين".
وقد استخدمت هذه الخطابات "خمس اساطير" مؤثرة، وهي نموذج "الفارس البطل" الذي يفتن عقول الشباب، والتزام مهمة "باسم قضية انسانية" الذي يجذب فتيات قاصرات، و"السقاؤون"، وهم أشخاص يبحثون عن زعيم، والاستعانة بالفيلم الحربي" نداء الواجب" للشباب المتحمسين للمشاركة في المعارك، وأيضاً السعي من أجل السلطة المطلقة الذي يجذب الاشخاص "الذين لا أفق لهم".
وفي رأي مارك بيريني، الباحث الزائر في معهد "كارنيغي - أوروبا" أن ثمة عاملاً آخر يشرح الحجم المتزايد للتعبئة، وخصوصاً لمصلحة "الدولة الاسلامية"، هو سيرة التنظيم التي تستند الى أسس دينية ضحلة، ذلك أن اللغة المعتمدة غامضة ولكن مؤثرة ما يكفي لجذب الشباب الذين يتمتعون بثقافة دينية محدودة أو أولئك الذين يفتقرون اليها، كما أولئك الذين لا يتمتعون بمعرفة عميقة لتاريخ الشرق الاوسط.
كذلك يرى، المتخصص في العالم العربي والاسلامية جان - بيار فيليو أن هذه التحولات الى الاسلام تزدهر على جهل الدين، وأن المتحولين الشباب مهمتهم تجنيد آخرين. هم يجندون في محيطهم، بحيث أن لا صورة نمطية للجهادي، وإنما تجاور لفئات مختلفة من عائلات ملحدة وكاثوليكية ومسلمة، موحدة أو مفككة. |