Date: Jan 8, 2015
Source: جريدة النهار اللبنانية
مجزرة "شارلي إيبدو" تصدُم فرنسا وأوروبا وهولاند: لا شيء يُمكن أن يجعلنا ننحني
وسط القلق الذي يسود في السنوات الاخيرة دولاً اوروبية من احتمال شن مقاتلين جهاديين عائدين من سوريا والعراق هجمات على اهداف في هذه الدول، تعرضت فرنسا امس لاعتداء هو الاكثر دموية تشهده البلاد منذ نحو نصف قرن. إذ هاجم مسلحون ملثمون بدا انهم تلقوا تدريباً عالياً مقر صحيفة "شارلي ايبدو" الاسبوعية الساخرة في باريس وأسفر الهجوم عن سقوط 12 قتيلا و11 جريحاً، ثم لاذوا بالفرار. وقد رفعت السلطات مستوى الانذار في اماكن العبادة والمحال التجارية الكبرى ومحطات النقل في العاصمة وضواحيها، الى الحد الاقصى، كما رفعت اجهزة الامن درجة التأهب في اكثر من عاصمة اوروبية.
 
وفي ظل استنكار مختلف زعماء العالم، يوحي الهجوم بانه ارتكب بدافع الانتقام من الصحيفة التي توعد الاسلاميون المتطرفون بمعاقبتها اثر نشرها عام 2006 رسوما اعتبرت مسيئة الى النبي محمد. ووصف الرئيس الفرنسي هذه "المجزرة" بأنها "وحشية بصورة استثنائية"، داعيا الفرنسيين الى "الوقوف صفا واحدا". وأكد في مؤتمر صحافي امام مكاتب الصحيفة: "سيلاحق الفاعلون الى ان يوقفوا وسيحالون على القضاء ويدانون"، مشيراً الى ان هذا الهجوم يشكل "صدمة" بالنسبة الى فرنسا. ولاحقاً، دعا هولاند في كلمة قصيرة الى الامة نقلتها شبكات التلفزيون الى وحدة المجتمع، وأعلن اليوم "يوم حداد وطنياً" في فرنسا. وقال: "سلاحنا الافضل هو وحدتنا. لا شيء يمكن ان يقسمنا ولا شيء يجب ان يفرقنا"، موضحا ان الاعلام ستنكس مدة ثلاثة ايام. وأضاف ان "الحرية ستكون دوماً اقوى من الهمجية... ولا شيء يمكن ان يجعلنا ننحني"، داعيا الى "الاتحاد بكل شكل من اشكاله".

وتجمع أكثر من مئة الف شخص في باريس وعدد من من المدن الفرنسية الاخرى مساء امس تنديدا بالاعتداء. ودعا الحزب الاشتراكي وعدد من الاحزاب اليسارية الاخرى الى "مسيرة جمهورية" بعد ظهر السبت في باريس، كما دعا رئيس الوزراء مانويل فالز الرئيس اليميني السابق نيكولا ساركوزي مع حزبه الاتحاد من اجل حركة شعبية للمشاركة فيها ايضا. كذلك نظمت تجمعات تضامنية مع "شارلي ايبدو" في عواصم أوروبية عدة.

وفاجأ المهاجمون اسرة تحرير "شارلي ايبدو" خلال اجتماعها وتمكنوا من القضاء على معظمهم. وقال مسؤول في نقابة الشرطة إن الهجوم لم يستغرق سوى خمس دقائق وقتل خلاله المسلحون ضابط شرطة داخل المكتب إلى ثمانية صحافيين. وبين الضحايا ثلاثة من رسامي الكاريكاتور اشتهروا باسمائهم المستعارة وهي كابو وولينسكي وشارب الذي كان يتولى منصب رئيس تحرير المطبوعة. وكان برنار ماريس، وهو كاتب عمود متخصص في شؤون البيئةـ واحدا من زائرين اثنين للمكتب قتلا، الى شرطيين احدهما باطلاق النار عليه من مسافة قريبة.

وأعلن النائب العام للجمهورية الفرنسية فرنسوا مولان ان المهاجمين كانوا يصيحون "الله اكبر" وانهم "اكدوا انهم اردوا الانتقام للنبي محمد"، في اشارة الى الرسوم التي نشرتها الصحيفة واعتبرت مسيئة الى النبي.

وأفادت مصادر في الشرطة الفرنسية ان طريقة تحرك المهاجمين وهدوئهم وتصميمهم الظاهر، انما تكشف كونهم تلقوا تدريبا عسكريا عاليا. وقال جان لوي بروغيير، وهو قاض كبير سابق في قضايا مكافحة الارهاب: "لم أندهش فقط من هدوء الملثمين بل أيضا من الاسلوب الاحترافي الذي نفذوا به هروبهم بعدما أخذوا وقتهم للاجهاز على شرطي مصاب".

وقال مسؤول في الشرطة ومصدر حكومي إن الشرطة تبحث عن شقيقين من منطقة باريس ورجل ثالث من مدينة ريمس بشمال شرق البلاد وكلهم فرنسيون في ما يتصل بالهجوم.
واوضح المصدر الحكومي لـ"رويترز" أن الثلاثة بينهم شقيقان (32 سنة و 34 سنة) إلى شاب (18 سنة).

وأعلن المسؤول في الشرطة أن أحد الشقيقين حوكم سابقاً في اتهامات بالإرهاب.
وتحدثت معلومات أن منفذي الهجوم هما الشقيقان سعيد وشريف كواشي من أصول جزائرية والثالث يدعى حميد مراد.

واستنكر مجلس الأمن في بيان رئاسي "الهجوم الإرهابي الهمجي الجبان" ، داعيا إلى إحالة مرتكبيه على العدالة. وقال: "إن أعضاء مجلس الأمن دانوا بشدة هذا العمل الإرهابي الذي لا يمكن التسامح معه والذي يستهدف صحافيين وصحيفة".

واغتنمت حركة "بيغيدا" الالمانية المناهضة للهجرة في صفحتها بموقع "فايسبوك" للتواصل الاجتماعي الفرصة لتقول إن "الإسلاميين الذين تحذر منهم بيغيدا طوال الأسابيع الاثني عشر الأخيرة أظهروا في فرنسا اليوم أنهم ليسوا قادرين على (ممارسة) الديموقراطية بل يرون أن العنف والقتل هما الحل".
واجتمعت اجهزة مكافحة الارهاب الايطالية والاسبانية والبلجيكية امس للبحث في التهديدات بعد الهجوم على مكاتب "شارلي ايبدو".

وفي لندن، تلقى رئيس الوزراء ديفيد كاميرون تقريرا ملخصا من اجهزة الاستخبارات، لكن السلطات لا تعتزم في الوقت الحاضر رفع مستوى التأهب الذي يحذر حاليا من هجوم ارهابي يعتبر "مرجحا بدرجة عالية".

وفي مدريد، قال وزير الداخلية الاسباني خورخي فرنانديز دياز إن اسبانيا رفعت مستوى التهديد الأمني المحتمل.
وقال الاتحاد الأوروبي إن وزراء الخارجية للاتحاد سيبحثون في محاربة الإرهاب في اجتماعهم المقبل.

وفي روما اجتمع وزير الداخلية الايطالي انجيلينو الفانو مع لجنة التحليل الاستراتيجي لمكافحة الارهاب التي تضم خبراء الامن والاستخبارات "لدراسة التهديد الارهابي بعناية بعد الهجوم الخطير".

وبعد اجتماع مماثل في بروكسيل، قررت السلطات ابقاء مستوى التأهب عند الدرجة الثانية في سلم من أربع درجات. وقال مصدر مقرب من الحكومة انه عززت حماية "بعض الاهداف" التي لم يحددها. وأضاف: "لا ينبغي الاستسلام للهلع ولكن عززت اجراءات الحيطة وتعبئة كل اجهزة الامن".
وفي الدانمارك، عززت حماية مجلة "يولندس بوستن" التي نشرت الرسوم التي اعتبرت مسيئة الى الرسول.
 
"تدريب عال"
وأفادت مصادر في الشرطة الفرنسية أن طريقة تحرك المسلحين وهدوءهم وتصميمهم الظاهر، تكشف اشخاصاً تلقوا تدريباً عسكرياً عالياً.
ويبدو المسلحون في الصور التي التقطها اشخاص كانوا في المكان وهم يتصرفون باحتراف عالي ويشنون هجوماً خطط له.
وقال أحد الشرطيين: "يبدو احرافهم ظاهراً من طريقة الامساك باسلحتهم وتحركهم الهادئ غير المتسرع. من المؤكد انهم تلقوا تدريباً عسكرياً. هؤلاء ليسوا أشخاصاً عاديين خطر ببالهم فجأة القيام بعمل كهذا"، موضحاً انهم يمسكون برشاشات الكلاشنيكوف ملتصقة باجسادهم، ويطلقون الرصاص طلقة طلقة متجنبين الرشقات، مما يكشف أيضاً انهم تدربوا تماماً على استخدامها.

اما الشرطي الثاني الذي عمل سابقا في الشرطة القضائية فقال: "ما يسترعي الانتباه هو رباطة جأشهم. من المرجح ان يكونوا تدربوا في سوريا او العراق أو أي مكان آخر وربما في فرنسا، الا ان الاكيد انهم تابعوا تدريباً عالياً".

والدليل على تصرفهم بدم بارد انهم اخطأوا في البداية بالعنوان، وتوقفت سيارتهم امام الرقم 6 في الشارع، في حين ان مكاتب الصحيفة هي في الرقم 10، لكنهم "لم يرتبكوا، ولم يطلقوا النار بل توجهوا بهدوء الى مكاتب تحرير الصحيفة".
وتحوّل الشارع الذي تقع فيه مكاتب "شارلي ايبدو" "بحيرات من الدماء"، معيداً باريس الى الاجواء الحالكة لاعتداءات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

ففي الحي الواقع شرق باريس والذي تحاصره قوى الامن، غصت الشوارع بسيارات الاسعاف والاطفاء والشرطة، فيما تولى رجال الاطفاء مساعدة الكثير من الاشخاص الذين اصيبوا بالهلع والصدمة.

وروت موظفة بريد: "كنت في المبنى، في طرف الممر المؤدي الى مكاتب الاسبوعية عندما دخل عدد من الاشخاص يبحثون عنه قبل ان يطلقوا النار لارهابنا".
داخل مكاتب الصحيفة ظهرت اثار هذه المجزرة الاكثر دموية التي تشهدها فرنسا منذ عقود.
ووضعت كل مكاتب وسائل الاعلام والمتاجر الكبرى التي تشهد اقبالاً كبيراً مع بدء موسم التنزيلات الشتوية واماكن العبادة والمدارس ووسائل النقل تحت "الحماية المعززة".

وقال الرئيس فرنسوا هولاند الذي زار مكاتب الصحيفة: "سيلاحق الفاعلون الى ان يوقفوا وسيحالون على القضاء ويدانون"، مؤكداً ان هذا الهجوم يشكل "صدمة" لفرنسا. واضاف: "في مثل هذه الأوقات، علينا ان نقف صفاً واحداً، وان نبرهن اننا بلد موحد".
 
"المنجم ويلبيك"
ومن غير ان يعرف ما اذا كان الامر على علاقة بالهجوم، صدر العدد الاخير من "شارلي ايبدو" أمس تحت عنوان "توقعات المنجم ويلبيك: في سنة 2015 أفقد اسناني... وفي 2022 أصوم شهر رمضان!" تزامناً مع صدور رواية الكاتب ميشال ويلبيك المثيرة للجدل "سوميسيون" (الاستسلام) الخيالية التي يتحدث فيها عن اسلمة المجتمع الفرنسي.

وتبدأ قصة "الاستسلام" سنة 2022 مع انتهاء الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الاشتراكي هولاند في فرنسا التي يصفها الكاتب بانها مشرذمة ومنقسمة على نفسها، بفوز محمد بن عباس زعيم حزب "الاخوية الاسلامية" (من ابتكار المؤلف) على زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبن في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بعد حصوله على دعم أحزاب يسارية ويمينية على السواء.