Date: Jan 15, 2015
Source: جريدة الحياة
تحقيق: حركة «النهضة» التونسية... من الهيمنة إلى المعايشة
خالد عمر بن ققه  
بفوز الباجي قايد السبسي في الانتخابات الرئاسية، تدخل تونس مرحلة جديدة من تاريخها، ربما أهم ما يميزها تراجع «حركة النهضة» بقيادة راشد الغنوشي، غير أن هذا التراجع لا يعني انتهاءها أو خروجها بالشكل الذي انتهى إليه «الإخوان المسلمون» في مصر سواء بإبعادهم شعبياً ومؤسساتياً من الحكم، أو بتصنيفهم جماعة إرهابية ليس في مصر وحدها، وإنما في بعض الدول الخليجية أيضاً.

وهنا يطرح السؤال التالي: هل ستكتفي حركة «النهضة» بدور المعارضة المشروعة عبر البرلمان مع توسيع لمساحة الدور الاجتماعي، تحضيراً لمستقبل تتغير فيه المعطيات لصالح جماعات الإسلام السياسي في الدول العربية؟

بداية علينا الإقرار بأن تراجع «النهضة» في الانتخابات التشريعية التونسية من الهيمنة إلى المعايشة، لم يتحقق فقط من تقدم حزب «نداء تونس» ولا الأحزاب الأخرى المعارضة للإسلاميين ولا حتى من النشاط المتراكم من قوى المجتمع المدني والحركة النسوية، وإنما يعود إلى أربعة أسباب:

أولها، تغيير «النهضة» مسارها السياسي باختيارها، وبوعي منها، وظهر ذلك في حوار راشد الغنوشي مع جريدة «الخبر» الجزائرية، المنشور بتاريخ 24 كانون الأول (ديسمبر) 2014 حين قال: «أنا ليس لي مشكل في أن انتقل من السلطة إلى المعارضة، لكن لا أحب أن انتقل من السلطة إلى السجن، أو من السلطة للمهجر، هذا لا يسمى انتقالاً، نحن اعتبرنا أننا بصدد تنفيذ الخطة السياسية لحركة النهضة، والتي تتضمن نقطتين مكتوبتين: الأولى، إنجاح المسار الديموقراطي، والهدف الثاني هو إنجاح حركة النهضة».

ثانيها، انفتاح النهضة على المعارضة، فقد جاء في حوار الغنوشي السابق، قوله: «لقاء باريس ولقاءات الجزائر ساهمت في شكل معتبر في نجاح المسار الديموقراطي، وأقدر أن لقاء الجزائر، والرئيس بوتفليقة الذي اجتمع بنا فرادى، ساهم في إعطاء رسالة التوافق ووضع تطمينات متبادلة بين حركة النهضة ونداء تونس».

ثالثها، نصائح قيادات دول الجوار، لزعيم النهضة راشد الغنوشي، بأن يتخذ مسلكاً غير ذلك الذي اتخذته جماعة الإخوان المسلمين في مصر بعد وصولها إلى الحكم، من أجلها أولاً، ومن أجل تونس ثانياً بحيث لا يستمر الصدام المحتمل مع مختلف القوى السياسية الرافضة لانفراد النهضة بالسلطة أو تغولها.

رابعها، يتعلق بدول الجوار، خصوصاً الجزائر، التي ترى إشراك الإسلاميين المعتدلين في السلطة، مدخلاً لمواجهة الجماعات الإرهابية المحلية، وقطع الطريق أمام التنظيمات الإرهابية الخارجية، ذات البعد العالمي.

إن تراجع النهضة على مستوى التمثيل النيابي أولاً، وعدم ترشح ممثل عنها في الانتخابات الرئاسية ثانياً، ثم التزامها الحياد أثناء الحملة الانتخابية بين المنصف المرزوقي وقايد السبسي ثالثاً، يضاف إليه عدم تأييدها بعض التصريحات النارية التي كان يطلقها حليف الأمس القريب الرئيس السابق المنصف المرزوقي. كل هذا يمثل موقفاً سياسياً مقصوداً لم يتم الركون فيه إلى القواعد الحزبية لتحقيق نتائج أفضل في الانتخابات التشريعية، وهي بذلك تعيد درس «حمس»؛ حركة مجتمع السلم الجزائرية التي شاركت في الحكومة بعد حصولها على المرتبة الثالثة في الانتخابات البرلمانية الجزائرية، مع حزب جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديموقراطي، ووقفت إلى جانب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عندما ترشح لولاية ثانية ثم ثالثة، ولم تصبح معارضة له إلا في الانتخابات الأخيرة حين ترشح للمرة الرابعة.

هكذا إذاً، ستكون حركة «النهضة» شريكاً فاعلاً في الحكم من خلال البرلمان، وقد تحصّل على بعض الحقائب الوزارية، ولكنها لن تتحمل أعباء المرحلة كونها حزباً معارضاً وليس حاكماً، وستعيد ما قامت به «حمس»، شقيقتها في الجزائر، وستنتهي إلى القول، مثلها، في حال فشل الحكومة الجديدة: لقد كنت شريكة في السلطة ولم أكن شريكة في الحكم ولا في القرارات المصيرية، وفي حال النجاح ستجني ثماره بالقول: لقد كنت شريكاً فاعلاً، وفي الحالتين ستكون النهضة من خلال رؤيتها الجديدة طرفاً أساسياً في الحكم والمعارضة، وذاك خيار أفضل لها بكثير من دورها السياسي السابق، حين تراجعت شعبيتها على خلفية العجز الواضح عن تحقيق مطالب الشعب التونسي.

بناء عليه، يُتوقع أن تكون علاقتها بالرئيس الباجي قايد السبسي سويّة وفاعلة، وغير متناقضة مع المصالح العليا للدولة التونسية، بل ستكون داعمة له، على أمل أن تتغير الظروف ليس في تونس وحدها، ولكن في الدول العربية الأخرى المُعارضة أو المُقصية لدور إخواني في الحكم، مما قد يساعد على عودتها إلى السلطة من دون تحملها سياسياً لأعباء مرحلة التغيير، الأمر الذي ستقوم عليه مسيرتها في المستقبل المنظور.

وإلى أن يتم ذلك ستواصل حركة «النهضة» نشاطها الاجتماعي، فالرهان بالنسبة إليها هو المجتمع وليس السلطة، لأن الخروج من هذه الأخيرة أو الإقصاء منها أو الفشل فيها، لا يمثل لها مأزقاً مساوياً لرفضها من المجتمع، وباختصار فهي مستمرة في مسيرتها، وعيناها تراقبان ما يحدث في الدول العربية، مع تركيز خاص على مصر حيث الخروج السياسي والشعبي لجماعة الإخوان المسلمين وتحولها إلى جامعة إرهابية، وعلى «حمس» في الجزائر حيث كانت في السلطة، وهي اليوم في المعارضة
 

* كاتب وصحافي جزائري