منال شعيا هي سابقة في القانون الدستوري ان يطول الفراغ في سدّة رئاسة الجمهورية هذه المدة ويكون مجلس النواب في حكم اللاانعقاد بعدما انتهى العقد العادي له. وعلى رغم ان الرئيس ميشال سليمان حاول ان يستبق هذه الازمة ويوقع مرسوم فتح دورة استثنائية قبل يوم من انتهاء ولايته، الا ان مدة هذا العقد انتهت حكما في تشرين الاول الماضي. هكذا، لا تزال البلاد تعيش اليوم نتاج الفراغ المتمدّد. في 27 أيار الماضي، تسلّمت الامانة العامة لمجلس النواب مرسوم فتح الدورة الاستثنائية الذي وقعه رئيس الجمهورية قبل انتهاء ولايته، الا ان المرسوم حدّد بناء على المادة 33 من الدستور، تاريخ الدورة من 2 حزيران 2014 الى 20 تشرين الاول 2014. أما برنامج الدورة فشمل في حينه مشاريع الموازنات العامة المحالة على المجلس والتي ستحال، مشاريع القوانين المحالة وبقية مشاريع القوانين والاقتراحات والنصوص التي يقرّر مكتب المجلس طرحها على المجلس.
هو الفراغ إذاً، ليس فقط على مستوى السلطة الاولى انما ايضا على صعيد السلطة التشريعية، ومعلوم ان ثمة قوانين ملحّة جداً تنتظر بتها، واهمها قانون سلامة الغذاء وملف سلسلة الرتب والرواتب وقانون الايجارات وقانون الانتخاب، فضلا عن جردة طويلة لا تحصى. وبالتالي حتى لو اجتمعت اللجان النيابية ولاحقاً اللجان المشتركة، فان سلّة القوانين ستصطدم بعجز المجلس عن الانعقاد والتشريع.
والسؤال الكبير هنا: هل تستطيع الحكومة ممارسة كل صلاحيات الرئاسة، في حال الفراغ الذي نعيشه، فيعمد مجلس الوزراء الى توقيع مرسوم فتح دورة استثنائية؟ ينطلق الدكتور في القانون الدستوري وسيم منصوري من الاطار العام الاستثنائي الذي تعيشه البلاد ليفسّر جملة قواعد دستورية. يقول لـ"النهار": "عادة تعود هذه الصلاحية لرئيس الجمهورية، اذ يعمد وفق الدستور الى توقيع المرسوم، مع رئيس مجلس الوزراء، ويتم تحديد المواضيع التي ستطرح. واذا انتقلنا الى المادة 62 من الدستور، فان القاعدة تقول انه في حال خلو سدّة الرئاسة، تناط الصلاحيات بمجلس الوزراء".
ويشرح منصوري انه وفق الدستور "ليس هناك ذكر لعبارة مجلس الوزراء مجتمعا، انما الحكومة هي التي قررت ان تجتمع وتأخذ القرارات مجتمعة، فتناط بها صلاحيات الرئيس في حال الفراغ".
اذاً، هل يجوز ممارسة كل الصلاحيات؟ في الاساس، الموضوع خاضع للعرف، وفق منصوري، ومنعا لشلّ البلاد، "قد يكون من الاسهل اتخاذ العقد الاستثنائي، عملا بالتشريع الضروري، ولئلا نقع في حالة فراغ واسعة، لا سيما اذا اتصل الامر بكل ما يتعلق بمالية الدولة او بعلاقات لبنان مع الآخرين، او بغيرها الكثير من الضروريات".
انطلاقا من هذا التفسير، هل يمكن القول ان الحكومة ستوقع المرسوم؟ يفضل منصوري ان ينطلق دائما من "الاطار العام الاستثنائي الذي نعيشه لتفسير الشروط التي يمكن تطبيقها"، ويعلّق: "حاليا لا رئيس، انما هذا الواقع لا يجوز ان يتحوّل قاعدة، وينبغي التشديد دوما على انه نتاج لفترة استثنائية تخضع بالتالي لشروط استثنائية، ومن ظاهر النصوص يتبين ان لا مانع دستورياً من فتح عقد استثنائي".
واذ يشدد على انه "لا يجوز تكريس هذا الواقع، لان البلاد لا يمكن ان تعيش دوما في فترة استثنائية"، يلفت الى انه "لا يمكن اللجوء الى تفسير ضيق للواقع، بل ينبغي ربطه دوما بالضروري".
بحسب المادة 32 من الدستور، فان مجلس النواب يخضع لعقدين عاديين، الاول يبدأ من الثلثاء الذي يلي 15 آذار وينتهي في آخر ايار، والثاني يبدأ من الثلثاء الذي يلي 15 تشرين الاول وينتهي آخر السنة.
عملياً، يعيش مجلس النواب اليوم في حالة فراغ، واذا كان في إمكان الحكومة ان توقع مرسوم فتح دورة استثنائية، فان عليها ان توقعه في المرحلة الآتية، وتحصر الجدول بالمواضيع الطارئة التي ينبغي وضعها على جدول الاعمال، لئلا يتمدّد الفراغ اكثر، ولئلا يصوّر على انها تحلّ مكان رئيس الجمهورية.
واذا كان الدستور قد حفظ الحد الادنى من الضروريات لاكمال مسيرة ما يسمّى الدولة، فان الخوف هو من تجدّد هذه الحالات الاستثنائية، فيكون الاستثناء قاعدة، وعندئذ تصبح المعادلة خاطئة مئة في المئة، والدولة في خبر كان!
|