جنيف - موسى عاصي - نيويورك - علي بردى تنتهي اليوم أعمال "منتدى موسكو" للحوار السوري - السوري وحظوظ نجاحه توازي امكانات الفشل، فالكلام الروسي الذي جاء على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف يوحي بأن لدى الروس خريطة طريق لتفاهم الحد الادنى بين الجانب النظامي ومجموعة المعارضين الثلاثين وخصوصاً في الملف الانساني يمنح المبادرة الروسية فرص الحياة من جهة والفريق المعارض شرعية التفاوض من جهة اخرى. لكن المعلومات التي حصلت عليها "النهار" عن ورقة قدمها الروس الى الطرفين خلال الجلسات المغلقة والتي اطلق عليها "ورقة مبادئ موسكو" توحي بأن المنتدى الروسي لا يزال بعيدا من تحقيق النتائج المرجوة، وتضمنت الورقة ثمانية بنود تتمحور على الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها، ومكافحة الارهاب، وتسوية الأزمة السورية بالوسائل السياسية وعلى اساس وثيقة جنيف، وتقرير مستقبل سوريا على اساس التعبير الحر والديموقراطي، ورفض أي تدخل خارجي في الشؤون السورية، والحفاظ على الجيش السوري رمزاً للوحدة الوطنية، وسيادة مبدأ القانون والمواطنة، وعدم قبول أي وجود مسلح أجنبي على الأراضي السورية من دون موافقة الحكومة السورية.
وعلم أن الفريق المعارض رفض الورقة مباشرة، معتبراً أنها تتجاهل الاسباب الداخلية للأزمة وتركز على الجوانب الخارجية. وقال مصدر معارض مشارك في الحوار أن هذه الورقة "هي من صنع النظام"، بيد ان رئيس الوفد النظامي بشار الجعفري نفى ذلك "لكننا موافقون عليها".
وكان الطرفان عقدا جلستي حوار في مقر الضيافة التابع لوزارة الخارجية الروسية، وفي الجلسة الافتتاحية حدد لافروف موقف بلاده من الحوار وأهدافه، موضحاً أن ما يجري في موسكو "هو خطوة في اتجاه مفاوضات موسعة في رعاية الأمم المتحدة وعلى أساس وثيقة جنيف". وهنا ظهر تعارض في وجهات النظر مع الكلمة الافتتاحية للجعفري الذي قال أن "أي حوار خارجي هو مقدمة لحوار سوري - سوري في دمشق".
وقد ظهر تعارض آخر بين موسكو ودمشق حيال الأولويات، اذ كان موقف لافروف أقرب الى موقف المجموعة المعارضة من حيث منح المسألة الانسانية الاولوية، في حين جدد الجعفري التركيز على أولوية مكافحة الارهاب. لكن الجعفري بدا في مستهل الجلسة المشتركة مرتاحا قائلا أن "المعارضة السورية الوطنية شريك لنا"، ورأى ان لقاء موسكو "ينبغي ألا يكون حدثا دعائيا بل يجب أن يكون منبرا جادا يعكس هدف هذا اللقاء". مجلس الأمن وفي نيويورك، أبدى أعضاء مجلس الأمن "قلقهم البالغ" من استمرار الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وخصوصاً الهجمات المتواصلة على المدنيين في سوريا، ومن استمرار زيادة عدد اللاجئين في دول الجوار. وتلا رئيس مجلس الأمن للشهر الجاري المندوب التشيلياني الدائم لدى الأمم المتحدة كريستيان باروس ميليت عناصر بيان للصحافة جاء فيها أن أعضاء المجلس "قلقون للغاية من تصاعد عدد اللاجئين والنازحين بسبب النزاع في سوريا". وإذ شجعوا المنظمات الإنسانية على مواصلة مساعداتها، شكروا للدول المجاورة جهودها لتنفيذ القرارات الخاصة بهذا الشأن. وعبروا عن "قلقهم من الأثر الإنساني للعاصفة الشتوية على السكان السوريين، وخصوصاً اللاجئين والنازحين" في المنطقة. وأكدوا أن التمويل لا يزال قاصراً عن المطلوب بمبلغ 40 مليون دولار.
"منتدى موسكو"
بعد أول لقاء لوفد النظام السوري الى "منتدى موسكو" ومجموعة الـ30 المعارضة، يمكن التوقف عند بعض الاستنتاجات، أولها أن لموسكو خريطة طريق تعمل على تطبيقها من أجل اعطاء مبادرتها كل فرص النجاح. تنطلق الخريطة الروسية من اتفاق الحد الأدنى بين وفد النظام السوري ومجموعة المعارضين الثلاثين مدخله أولوية الجانب الانساني على أي بحث آخر وهدفه المباشر انتزاع بعض التنازلات من النظام السوري في هذا الملف وتحديداً في مسألة اطلاق معتقلين "غير متهمين بممارسة الارهاب" على حد تعبير وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. وفي حال نجاح الروس في تمرير هذه الخريطة، فإن الطريق ستُمهَد لجولات لاحقة تعقد في موسكو على الأرجح، أو في جنيف اذا نجحت الحلقة الاولى من الخريطة الروسية وقرر معارضون آخرون، كـ"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" المشاركة في هذه الجولات.
وعلم أن الروس قدموا ورقة اطلقوا عليها "ورقة مبادئ موسكو" وسلموها الى الفريقين للبحث فيها، تتضمن مقدمة عامة وثمانية بنود تتلخص بالآتي:
1 - الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها. 2 - مكافحة الارهاب. 3 - تسوية الأزمة السورية بالوسائل السياسية وعلى أساس وثيقة جنيف وبشكل توافقي. 4 - تقرير مستقبل سوريا على أساس التعبير الحر والديموقراطي. 5 - رفض أي تدخل خارجي في الشؤون السورية. 6 - الحفاظ على الجيش السوري كرمز للوحدة الوطنية. 7 - سيادة مبدأ القانون والمواطنة. 8 - عدم قبول أي وجود مسلح أجنبي على الأراضي السورية من دون موافقة الحكومة السورية. وفيما لم يعرف موقف وفد النظام من هذه الورقة، أشارت المعلومات الى رفض المعارضة السورية اياها مباشرة اذ اعتبرت أنها تتجاهل الأسباب الداخلية للأزمة وتركز على العامل الخارجي. وقائع الجلسة وأبرزت وقائع الجلسة المشتركة امس خلافات في وجهات النظر بين موسكو التي ترى في "المنتدى الروسي" خطوة في اتجاه مفاوضات موسعة في رعاية الأمم المتحدة وعلى أساس وثيقة جنيف، وهذا يعني أن مكان المفاوضات اللاحقة هو جنيف أو أي مدينة أخرى يوافق عليها المعارضون، أما الجانب السوري فيكرر الموقف ذاته منذ مفاوضات جنيف2 مطلع العام 2014 "فأي حوار خارجي هو مقدمة لحوار سوري-سوري في دمشق يؤكد على الثوابت الوطنية ".
لكن رئيس الوفد السوري السفير بشار الجعفري بدا في بداية الجلسة المشتركة مرتاحاً وأكد أن "المعارضة السورية الوطنية شريك لنا". وعكس مفاوضات جنيف مع الائتلاف المعارض، أظهر الجعفري اهتماماً بلقاء موسكو "الذي ينبغي ألا يكون حدثاً دعائياً بل يجب أن يكون منبراً جاداً يعكس هدف هذا اللقاء". وقد ظهر الخلاف الآخر بين موسكو ودمشق في تحديد الاولويات، وهنا لوحظ أن الموقف الروسي الذي عبر عنه لافروف كان أقرب الى مسودة مجموعة الثلاثين الذين أعطوا الأولوية للمسألة الإنسانية، في حين أعاد الجعفري التركيز على أولوية مكافحة الارهاب، إذ "لا يمكن تحسين الوضع الإنساني من دون إعطاء الأولوية لمعالجة الأسباب الرئيسية لنشوء الأزمة الانسانية وهي الإرهاب".
لكن كلام لافروف دخل في خانة الضغط على الجانب النظامي عندما ركز على ضرورة تقديم التنازلات المتبادلة "فمهمة الانتقال إلى الحوار وحل المسائل الملحة المدرجة في جدول الأعمال الوطني تتطلب جهوداً كبيرة واستعداداً لتقديم تنازلات متبادلة لا بد منها وإيجاد حلول وسط". وأشار الى أن المفاوضات "لن تكون بسيطة"، داعياً إلى الاتفاق على إجراءات محددة لتعزيز الثقة بين الحكومة السورية وقوى المعارضة السياسية والمجتمع المدني، والمضي في تجميد القتال في مناطق معينة، ورفع العوائق أمام وصول المساعدات الإنسانية، وتسوية أوضاع المقاتلين الذين ألقوا السلاح والإفراج عن المعتقلين غير المتورطين في جرائم الإرهاب.
ومن جهة المعارضين، يبدو أن الحوار في ما بينهم الذي دام يومين لم يجمعهم على موقف موحد، فقد انقسم هؤلاء في الجلسة المشتركة مع وفد النظام وتحولوا الى ثلاث مجموعات بثلاثة مواقف، الأولى ترى ضرورة التركيز فقط على المسألة الانسانية "من أجل تخفيف معاناة السوريين"، والثانية ترى ضرورة مقاربة موضوع الاصلاحات السياسية الى جانب المسألة الانسانية، والمجموعة الثالثة (الاكراد) ركزت على ملف مستقبل الاكراد وأثارت موضوع "الادارة الذاتية" لمناطقهم وطرحت منح "قوات حماية الشعب" الكردية صفة قانونية. لكن هذا الطرح اسقطه المعارضون أنفسهم الذين أصروا على "حصرية السلاح في أيدي المؤسسات الأمنية التابعة للدولة السورية". إلا أن المجموعات الثلاث لم تخرج عن الخط الذي رسمته لنفسها في مسودتها، فلم تأت في الجلسة المشتركة على ذكر مستقبل الرئيس السوري بشار الاسد أو هيئة الحكم الانتقالي. الائتلاف يتوقع الفشل وتوقع عضو الائتلاف السوري الذي وجهت اليه وزارة الخارجية الروسية دعوة للمشاركة في الحوار عبد الاحد اسطيفو الفشل لـ"منتدى موسكو"، كما توقع في حديث الى "النهار" أن تسوء العلاقات بين موسكو والنظام السوري مع "رفض تقديم أي تنازل كما طالبت روسيا من أجل حض أطراف المعارضة الآخرين على المشاركة في حوار موسكو".
|