بغداد - غسان شربل لم يكن فؤاد معصوم، القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، يتوقع أن يكون رئيساً للعراق. وحين جاءت الفرصة- التسوية جاءت في ظرف صعب. إنه رئيس في زمن «داعش». ثم إن صلاحيات الرئيس العراقي محدودة بموجب الدستور. يضاف إلى ذلك أن التسوية قضت بتعيين ثلاثة نواب لرئيس الجمهورية. ثلاثة أقوياء من ينابيع مختلفة، هم نوري المالكي وأياد علاوي وأسامة النجيفي.
يرى معصوم أن المساعدتين الأميركية والإيرانية كانتا حاسمتين في تجنيب العراق أخطاراً أشد من التي يواجهها حالياً. ويشدد على ضرورة إعادة تأهيل الجيش، الذي تعرّض لعمليات إذلال طويلة.
قال معصوم إن «داعش» يحمل أفكاراً إسلامية متطرفة، إضافة إلى نكهة بعثية، نتيجة احتكاك أبو بكر البغدادي ببعثيين متطرفين خلال إقامته في سجن عراقي خلال الاحتلال الأميركي. سألتُ معصوم عن الحاضر وسألتُهُ عن أدواره في الماضي. وهنا نص الحلقة الأولى:
> أين كنت عندما ظهر أبو بكر البغدادي في الموصل؟
- كنت في لندن.
> برأيك هل يمكن حسم الصراع مع «داعش» في وقت قريب؟
- الصراع مع «داعش» والإرهابيين المشابهين في ظروف العراق ليس مسألة سهلة، فليست لهؤلاء قواعد أو منشآت أو مقرات خاصة بهم يمكن للطائرات قصفهم فيها كما قصف الأميركيون بغداد عام 2003، لذلك نحن نحتاج إلى جملة من الأمور، أهمها توحيد المجتمع العراقي وإنهاء الصراعات الموجودة اليوم، من خلال مشروع السلم الأهلي والمصالحة ونبذ الفرقة، فالصراعات والتقسيمات خطرة جداً على المستقبل، ويجب أن تتم مراجعة المسائل الدينية، فلا يمكن أن نتقاتل حول «سقيفة بني ساعدة»، لماذا نعيد المشهد نفسه اليوم؟
أعتقد أن علينا التركيز على موضوع التربية والتعليم، فيجب أن يحدد المفاهيم التربوية أناس ينتمون إلى هذا العصر، وليس إلى عصور سابقة، وكذلك علينا قطع الطريق على من يبث أفكاراً متطرفة.
> هل تعتقد أن التطرف يزداد في كردستان؟
- بدأ يتصاعد، لكن هناك رجال دين معتدلين يواجهون بشجاعة. نحن في حاجة إلى إعادة تأهيل الجيش، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، فتلك الأجهزة مازالت تعتمد مبدأ الاستخدام المفرط للقوة، وأحياناً يكون هناك ضحايا من الأبرياء بسبب هذا الاستخدام، ولا بد أن تكون لدينا أجهزة محترفة ومتطورة.
> ماذا عن الجيش العراقي؟
- الجيش العراقي تعرض للإذلال في مناسبات مختلفة، لذلك لا بد من إعادة الاعتبار إليه، من خلال الإعداد والتأهيل.
> كيف ترى العلاقة بين الإيرانيين والأميركيين في العراق؟ هل صحيح أن الطائرات الأميركية من فوق وقاسم سليماني على الأرض؟
- في عام 2002، عندما عقد مؤتمر المعارضة في لندن، كان واضحاً أن هناك تنسيقاً أميركياً- إيرانياً. إيران كان بإمكانها أن تخلق مشاكل كبيرة للأميركيين بعد دخولهم العراق من خلال بعض أطراف المعارضة العراقية. هناك صراع بين إيران والولايات المتحدة في المنطقة، لكن الموقف السياسي تجاه العراق خاص، وأنا قلت لنائب الرئيس الأميركي جو بايدن في نيويورك إننا لا ننظر إلى إيران بعيون أميركية، مثلما لا ننظر إليكم بعيون إيرانية، أنتم لديكم مشاكل مع إيران، ونحن نبحث عن مصالحنا، فبيننا وبين إيران حدود ممتدة إلى 1300 كيلومتر، وهناك امتدادات روحية بين الناس في العراق وإيران، وكثير من المراجع الشيعية لا يتم النظر إليهم على أساس هويتهم الوطنية أو القومية، بل بصفتهم مراجع لدى الجميع. نحن حريصون على علاقات جيدة مع إيران وأميركا والغرب، وأيضاً دول المنطقة، قد يكون هناك صراع تركي- إيراني، لكن هذا الصراع خارج العراق، وليس من مهمتنا إقحام أنفسنا في صراع لسنا طرفاً فيه.
> بمن التقيت في أميركا غير جو بايدن؟
- التقيت بايدن في جلسة طويلة مفصلة، والتقيت أيضاً جون كيري ثلاث مرات، كما التقيت الرئيس أوباما في احتفال بنيويورك وأبدى تضامنه مع العراق.
> خلال لقاءاتك مع كيري، هل كنت تشعر أن أميركا مهتمة بالاتفاق مع إيران؟
- بايدن وكيري كلاهما أكدا أن بإمكان واشنطن خلق مشاكل لإيران، «لكن لا نريد أن نخلق لهم مشاكل، ولا نريد تغيير النظام الإيراني، ولدينا شيء واحد معهم هو الملف النووي، وإذا تم حل هذا الموضوع فبقية المسائل سوف يتم حلها».
> الدور الإقليمي لإيران لم يكن مشكلة أميركية؟
- أبداً، حتى أن بايدن قال: أبلغوهم (الإيرانيين) بذلك، فسألنا: هل نقوم بدور الوسيط؟ أجاب: لا نريد منكم أن تكونوا وسطاء.
> لم يعد الأميركيون في حاجة إلى وسطاء مع إيران؟
- قال: لا نريد وساطتكم لكن هذا رأينا، وهذا الحديث قيل بحضور مسؤولين أميركيين، ومن طرفنا كان الدكتور إبراهيم الجعفري حاضراً اللقاء، وبايدن بدأ الكلام بالمديح لي ولدوري، وبعد نهاية اللقاء، الذي امتد ساعة، قال لي الجعفري إنه كان من المفروض أن أبادل بايدن المجاملة، فقلت له: والله نسيت.
> ماذا قال أيضاً حول إيران؟
- قال: نحن نستطيع خلق المشاكل لإيران، لكن ليس لدينا معهم إلا الملف النووي.
> هل ترى الإيرانيين؟
- التقيت السيد رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني قبل مدة، ومنه استمعت إلى رأي أعتبره هاماً. تحدث عن بعض المشاكل المشتركة بين العراق وإيران، ومنها المخاطر البيئية في المنطقة، وأكد ضرورة أن يكون هناك تنسيق وتعاون بين العراق وإيران والمملكة العربية السعودية.
> الأميركيون لا يريدون خلق المشاكل لإيران، ولكن هل يقوم الإيرانيون بخلق المشاكل لأميركا في العراق؟
- هناك صراع بينهم متعلق بأمور كثيرة، لكن ما يهمنا ألاّ يكون هذا الصراع على أرض العراق، وألا يكون حول مستقبل العراق، ولذلك لا ننظر بعيون أحدهم إلى الآخر.
> برأيك هل يذهب الأميركيون والإيرانيون إلى اتفاق؟
- سيأتي مثل هذا اليوم... اتصل بي مرة الرئيس فرانسوا هولاند وقال: ما رأيك في أن ننظم مؤتمراً على مستوى الاتحاد الأوروبي لإسناد العراق في الحرب على «داعش»؟ وسألني عن الأطراف التي يجب أن توجّه إليها الدعوة، فقلت: دول المنطقة، فقال: أسألك بصراحة، ما رأيك بدعوة إيران إلى المؤتمر؟ فقلت إن ذلك ضروري، وأكد أن رأيه أيضاً مع دعوة إيران، واتفقنا على أن نوجه دعوات مشتركة باسمه واسمي. ولاحقاً اتصل بي وأبلغني أن هناك ضغوطاً عليه لعدم توجيه الدعوة إلى إيران، فقلت له: في هذه الحال أنت من توقّع الدعوات منفرداً، لأننا لا نريد الدخول في مشكلة. وحصل ذلك.
نحن نتحدث بهذه الطريقة مع إيران أيضاً. أتذكّر أن مسؤولاً في مكتب العلاقات مع المعارضة العراقية اسمه أغاي محمدي، جاء إلى أربيل عام 1993 وطلب أن يخطب في الجماهير هناك، فذهبت معه إلى مركز المحافظة وكان هناك حشد كبير، وقلت له إذا كنت تنوي مهاجمة الأميركيين فنحن نرفض ذلك، فلولاهم لما كان بإمكانك أن تلقي كلمة، وهذا ما حصل.
إيران دولة مهمة وجارة وعلاقات الكثير من المعارضة العراقية السابقة معها كبيرة، وهي أول دولة قدّمت الدعم الإنساني والعسكري عند هجوم تنظيم «داعش».
> متى بدأوا الدعم؟
- فوراً. أرسلوا الأسلحة والأعتدة إلى بغداد وكردستان، وكذلك فعل الأميركيون، فلولاهم لما حصل التحشيد الدولي ضد «داعش». لولا المساعدة الأميركية والإيرانية لكان الوضع خطراً جداً، لذلك نحن نرحب بكل هذا الدعم.
في اجتماع الرياض التقيت السفراء العرب هناك واجتمعت بهم، وقلت لهم إننا نتطلع إلى دعمكم وإسنادكم، كل وفق إمكاناته، مادياً أو عسكرياً، وبعض الدول لا نريد منها أكثر من بيان تضامن.
> هل كان انخفاض أسعار النفط شديد الوطأة على الاقتصاد العراقي؟
- اعتمادنا الأساسي على النفط، وهذه هي المشكلة، فالإنتاج الزراعي مهمل، سواء من الدولة أو حتى من المواطنين، وهناك أراضٍ وقرى كثيرة مهملة، بعض الفلاحين يفضّلون العمل في الشرطة أو الجيش. لدي شخصياً مزرعة في كويسنجق بمساحة 83 دونماً، كل عام أدفع مبالغ مالية لمن يحمي المزروعات ويسقيها من دون أن أجني أي ربح منها، بينما في إيران يتلقى المزارع دعماً.
> هل يتجه العراق إلى خفض الميزانية؟
- نعم بالتأكيد، فالعراق ينفق من موازنته نسبة 75 في المئة كموازنات تشغيلية تشمل المرتبات، فيما المصانع التابعة للدولة متوقفة، وهناك آلاف من الموظفين موجودون فيها ويتلقون مرتبات، لدينا مثلاً في البصرة معمل ورق ممتاز، ومعمل حديد وصلب ومعمل للزجاج والنسيج ، لكن جميعها متوقفة، لذلك لا بد من مراجعة شاملة للاقتصاد العراقي، فنحن طوال السنوات الماضية كنا نناقش المواضيع السياسية، ولم يكن هناك انتباه إلى الوضع الاقتصادي للبلد.
> هل يصل الأمر إلى الاستدانة؟
- ضروري. يجب أن نستدين، لا بد أن نبحث عن وسائل مختلفة موقتة، مثل القروض إلى حين تجاوز الأزمة، ودائمة كبحث مستقبل القطاع الزراعي، وبحث موضوع الموظفين الذين لا ينتجون، و «الفضائيين» في الجيش.
> هؤلاء «الفضائيون» هل تم صرفهم؟
- لم يعودوا يدفعون لهم. وفق البرنامج كان يجب أن يتم تعيين عدد إضافي في الجيش، لكن اليوم توقف هذا الأمر، يجب أن نعتمد على الموجودين حالياً، وأن يكون هناك اعتماد أكثر على النوع. فنحن نحتاج ضباطاً وقادة شرطة قادرين على أداء مهامهم، وليس لمجرد وضع النجوم على أكتافهم.
> أين ذهبت البلايين العراقية؟
- إلى مصير غير معلوم.
> هل هناك رقم محدد للبلايين التي ضاعت من الموازنات العراقية؟
- ليس هناك رقم محدد، لكن بالتأكيد هناك بلايين اختفت، أين؟ لا أحد يعرف.
> هل تعتقد أن العراق يعاني من مشكلة في الدستور وأنه كُتِب على عجل؟
- نعم كتب على عجل عام 2005، وكان هناك إصرار على كتابة الدستور من أطراف عدة، وكنا التقينا المرجع الأعلى علي السيستاني مرات عدة، كنت حينها رئيساً للجنة إعداد آليات كتابة الدستور، وكنا نتصل بالشخصيات السياسية والدينية.
> كيف كان اللقاء مع السيد السيستاني؟
- كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها السيد السيستاني، وعلى رغم أنه لا يمارس السياسة، كان سياسياً بارعاً، بمعنى فهم أوضاع العراق، وحتى عندما كنا نتحدث عن آلية كتابة الدستور، كان السيستاني مستعجلاً كتابة الدستور. كانت هناك شائعات عن وجود يهودي في أميركا يعد الدستور العراقي، فأصر السيستاني على أن يكتب الدستور عراقيون منتخبون، وكانت مهمة الجمعية الوطنية الأساسية إعداد الدستور، وكانت في الجمعية أعداد السنّة العرب نحو 8 أشخاص، لأن العراق كله كان دائرة انتخابية واحدة، ولم يكن السنّة يشاركون في الانتخابات، ولهذا أصر السيد السيستاني على تغيير قانون الانتخاب وأن تكون كل محافظة دائرة انتخابية، حرصاً على تمثيل السنّة.
> السيستاني أصر على تمثيل السنة؟
- هذا للتاريخ، وإلا فإننا كأكراد كنا نطالب بأن تكون الانتخابات في دائرة واحدة، وكان الشيعة يريدون ذلك أيضاً.
> في لقاءاتك مع السيستاني كيف وجدت حرصه على السنّة؟
- ذهبتُ إلى النجف وزرت السيد السيستاني قبل الذهاب إلى المملكة العربية السعودية. سألته: ما هو رأيكم؟ قال لي إن من الضروري أن تعملوا من أجل توثيق العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وأن هذا الأمر في مصلحة العراق، وكذلك كان موقف بقية مراجع النجف، ولذلك عندما ذهبت إلى الرياض قلت لجلالة الملك إنني أحمل آراء المراجع الشيعية.
> لماذا ذهبت؟ لأخذ رأيهم؟
- كنت أقصد أولاً أن أعرف رأيهم، ونقلت هذا الرأي إلى الملك عبد الله.
> وبماذا رد؟
- امتدح السيد السيستاني وقال إنه رجل عاقل وحكيم وفاضل.
> تعتقد أن للسيستاني دوراً كبيراً في هذه المرحلة؟
- السيد السيستاني مهتم بوحدة العراق، وهو يسعى دائماً إلى أن تكون العلاقات بين المكونات العراقية جيدة.
> ماذا عن رأيه في قضية الخلافات العربية- الكردية؟
- كان موقفه جيداً، لذلك كان التواصل بين السيد السيستاني والقيادات الكردية مستمراً.
> في لحظة غزو العراق السيد السيستاني لم يحض على حمل السلاح ضد الأميركيين؟
- الرجل يفهم في السياسة كما هي، وهو واقعي، جاء الأميركيون بقوة هائلة، بالإضافة إلى قضية التخلص من صدام حسين.
> هل كنت تتوقع أن تكون رئيساً للعراق؟
- أبداً، فقد ذهبت إلى المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني وقلت: إذا اتفقتم على ترشيح شخصية واحدة لمنصب رئيس الجمهورية سأكون مؤيداً، لكن إذا رشحتم أكثر من شخصية فإنني سوف أرشح نفسي، وسافرت إلى لندن، وتوقعت أن يتفقوا على شخص واحد، لكن ما حدث أن الحزب لم يتفق على شخص واحد، ولهذا ترشحت، وحصلت على 34 صوتاً في انتخابات كتلة التحالف الكردستاني في البرلمان في مقابل حصول منافسي برهم صالح على 24 صوتاً.
> ماذا يتغير في الشخص عندما يصبح رئيساً؟
- معاناته تزيد، كنت أنوي الذهاب إلى لندن والبقاء هناك 6 أشهر وأبدأ بكتابة مذكراتي، لأن لدي عدداً هائلاً من الوثائق الهامة.
> الرئاسة أهم من المذكرات، ما رأيك؟
- الرئاسة مهمة... وأنا أبذل جهدي كي تكون العلاقة مع الرئاسات جيدة، وعندما بدأت العمل عينوا لي ثلاثة نواب من الشخصيات الهامة، نوري المالكي وإياد علاوي وأسامة النجيفي. وبدأت للمرة الأولى في اجتماعات بين الرئاسات، بحث القضايا المطروحة، وخصوصاً البحث عن الموازنة والخصخصة.
> هل تجتمع مع نواب الرئيس باستمرار؟
- اجتماعات الرئاسات تشمل النواب أيضاً.
> هل هناك غرفة عراقية تتسع للمالكي وعلاوي والنجيفي؟
- غرفتي صغيرة ونجلس باستمرار. مرة سألوني عما إذا كان الاجتماع أسفر عن معركة، فأجبتهم أن النواب كانوا أحياناً يناقشون «مسابح» بعضهم وأنواعها، وفي الصور ظهروا وهم يضحكون.
> ماذا عن مهماتهم؟
- أولاً ليس هناك نائب أول وثانٍ، وثانياً ليس هناك مهام محددة، لكنني أصدرت قراراً بأن يتابع أياد علاوي المصالحة الوطنية وأن يتابع النجيفي تحرير نينوى.
> ماذا عن المالكي؟
- أعتقد أن لديه متابعة لقضية الخصخصة والمعامل والمصانع.
> ماذا يتغير في اهتمامات الشخص عندما يصبح رئيس جمهورية؟
- مع تكليفي اجتمعت مع عائلتي وقلت لهم إن وضعي سوف يتغير، ولن أجد وقتاً للالتزام بمواعيدي معكم، وتقبّلوا الوضع الجديد. وكنت في الحقيقة مشغولاً خلال الشهور الماضية إلى درجة أنني لم أكن أراهم.
> لديك الحق في ولايتين أليس كذلك؟
- نعم، لكنني سأكتفي بولاية واحدة.
> لماذا؟
- عمر الإنسان مهم، أنا من مواليد 1938... لكن عندما تم انتخاب الرئيس الباجي قائد السبسي في تونس قلت إن هذا الانتخاب رفع من معنوياتي (ضحك).
> من مواليد أي مدينة؟
- كويسنجق بين إربيل والسليمانية، وهي مدينة تاريخية.
> أين درست؟
- درست في المرحلة الأولى في مدرسة والدي، وكان رجل دين، وكان دراسة دينية، ثم أتيح لي الذهاب إلى مصر ودرست في كلية الشريعة والقانون هناك، ولكن غيّرت الدراسة إلى اللغة العربية في جامعة عين شمس، فلم يتم قبولي، مع أنني كنت معجباً بعبد الرحمن بدوي وأحضر دروسه باستمرار. في النهاية ذهبت إلى قسم الفلسفة في جامعة الأزهر، وحصلت من هناك على الماجستير ثم الدكتوراه، وكان موضوع تخصصي في «إخوان الصفا».
> لماذا «إخوان الصفا» تحديداً؟
- كان مسؤول البحث محمد غلاب، وكان من كبار أساتذة الفلسفة، وعندما عرف أنني من العراق نصحني بالكتابة عن إخوان الصفا، والغريب أن أول تعيين لي بعد نيل الماجستير كان في جامعة البصرة، وهي المكان الذي ظهر فيه «إخوان الصفا» كجمعية فلسفية. ولاحقاً عدت إلى دراسة الدكتوراه في الموضوع نفسه.
> جيد أن يكون لرئيس العراق خلفية في الشريعة ليناقش مثلاً البغدادي؟
- قيل لي إن رئيس الوزراء في العراق أصبح إسلامياً شيعياً ورئيس البرلمان إسلامياً سنّياً، ورئيس الجمهورية أزهرياً، فقلت لا... أنا علماني.
> استغربت ظهور «داعش»؟ كيف كان تفسيرك؟
- نعم استغربت ظهورهم بهذا الحجم، وتفسيري أن «داعش» يجمع بين الفكر المتطرف لدى بعض الفرق الإسلامية المعاصرة وغير المعاصرة، إلى جانب فكرة حزب البعث، واستفادوا من تجارب المجموعات الدينية المتطرفة من حسن الصباح إلى قسم من الخوارج.
> بماذا يشبه البغدادي حسن الصباح؟
- يشبهه في استخدام العنف والهيمنة باسم الدين أو المذهب، ففي البداية كان «داعش» يرفع شعار حماية السنة، لكنهم بدأوا الهجوم على الأيزيديين والمسيحيين والشيعة ثم هجموا على السنّة وقتلوا الكثير من أبناء العشائر السنّية، فهؤلاء يبحثون عن الهيمنة والسيطرة ولا يمثلون مذهباً أو ديناً.
> قلت إنهم يجمعون بين الفكر الديني المتشدد والفكر البعثي؟
- نعم، عندما تحلل اسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» يشير المصطلح جغرافياً إلى الدول المعروفة باسم الشام، سورية ولبنان والأردن وفلسطين، بالإضافة إلى العراق، وقديماً كان البعثيون يقولون «ليس بين الشام والعراق حد، هدم الله ما بنوا من حدود». البغدادي احتكّ خلال إقامته في السجن في العراق ببعثيين حاقدين متطرفين. أسلوبه يستوحي أسلوب المغول في نشر الرعب، وهو يشبه حسن الصباح في تجنيد الانتحاريين.
> قضية اجتثاث البعث، هل كانت غلطة برأيك؟
- الجميع، حتى أولئك الذين يقولون اليوم إنهم لم يكونوا موافقين، كانوا موافقين حينها.
> كان الكل موافقاً على اجتثاث البعث؟
- نعم، وكذلك على حلّ الجيش العراقي، لأن الجيش كان قد حُلّ بالفعل بعد هرب قياداته.
> وهل سأل بريمر أحداً قبل حل الجيش العراقي؟
- لا لم يسأل أحداً، لكن الجيش لم يكن موجوداً في الأساس، فالكل لبس «دشداشة» وذهب إلى بيته، من كبار الضباط إلى صغارهم، لذلك أقول إن ما حدث في الموصل للجيش لم يكن غريباً.
> تعرض الجيش العراقي إلى مآسٍ كثيرة؟
- تعرض الجيش لهزّات وقدّم خسائر في الحرب العراقية- الإيرانية ثم في غزو الكويت، وتعرّض للإذلال في اتفاقية صفوان، ثم في احتلال العراق، وأيضاً في سياسة حزب البعث ونظام صدام حسين ضد العسكريين، إذ كان يعتبر الضباط الكبار مشروع تهديد، وكثيراً ما أعدمهم. جاء بنائب ضابط مثل حسين كامل وجعله فريقاً والحال نفسه مع علي حسن المجيد. صدام كانت لديه مظاهر الدولة لكن لم تكن لديه عقلية الدولة، كانت لديه مجموعة من المفاهيم الغريبة، فهو حزبياً يقتدي بستالين ويعتبره مثلاً أعلى وقلّده في تصفية من يشك في ولائهم، وفرض الحزب على الناس. هناك من أقنعه بأنه يمكن أن يكون زعيماً عربياً أو عبد الناصر جديداً مع إمكانات نفطية هائلة، خصوصاً في السبعينات. ثم هناك تجربة الاحتلال وانفراط عقد الجيش وبعدها النزاعات المذهبية والقيام بتعيينات استناداً إلى معطيات غير مهنية. وهذا يفسّر ما حصل للجيش.
> هل لديك هواجس أمنية، مثل التعرض للاغتيال؟
- لدي قناعة بالقدر، وأحياناً كان بيني وبين الموت شبر واحد، وقُتل مرة من كان يجلس إلى جانبي نتيجة قصف مدفعي إبان الثورة الكردية. عام 1985، وبعد فشل المفاوضات مع بغداد، كنت مع السيد نيوشروان مصطفى عضو المكتب السياسي في الاتحاد الوطني، وهو الآن شكّل حركة «التغيير»، وكان هناك اجتماع للمكتب في الجبل خلف منطقة دوكان. كانت السيارة توصلنا إلى الجبل ومن هناك نصعد مشياً. عندما صعدنا كانت هناك قناة مائية وفوقها جسر خشبي، فوقفنا على الجسر، لثوان تبين وجود لغم معد للتفجير لحظة وصولنا بالضبط، وبالفعل حدث التفجير فسقطت عن الجسر وأُصبت في مناطق مختلفة من جسمي، قالوا لي لاحقاً إن هذه عبوة ديناميت وإن تأخُّرَنا ثواني قبل عبور الجسر أنقذنا من موت محقق، على رغم إصابتي وعدد من مرافقيَّ، ومازالت الشظايا في جسمي حتى الآن، شظية في رأسي واثنتان في فخذي، وكان النظام مسؤولاً عن العملية.
> شاركت في القتال الكردي؟
- لم أشترك في القتال، لكن كنا ننتقل من موقع إلى آخر ونتعرض للقصف.
> لديك علاقة طويلة مع جلال طالباني؟
- نعم، فنحن من مدينة واحدة هي كويسنجق، أنا كنت في الصف الثاني الابتدائي وهو في الصف السادس الابتدائي، في مدرسة اسمها «الابتدائية الأولى»، ورأيت مام جلال في المتوسطة، ففي المناسبات كان عدد من زملائنا يذهبون معه وهو في عمر 15 سنة إلى مجالس العزاء لمواساة أصحاب العزاء، وكان يتقدمهم، وكان أمراً فريداً أن يكون لشخص في هذا العمر هذا الحضور.
مام جلال كانت نزعته القيادية موجودة لديه في مقتبل العمر، وأيضاً هو دخل الحياة الحزبية في عمر صغير، وتنقل بين كركوك والسليمانية وأربيل، ثم انتقل إلى سورية ثم الصين وموسكو وهناك التقى ملا مصطفى بارزاني، ثم عاد ودخل كلية الحقوق وتخرج منها، وأصبح ضابط احتياط باعتباره متخرجاً من الكلية، لكنه لم يخدم.
> هل هناك مقر للرئاسة في إقليم كردستان؟
- لا... كان من المفروض أن نفتح مقراً دائماً للرئاسة في أربيل، لكن وضع الموازنة اليوم ربما لا يسمح.
> ما هي علاقتك بالمالكي؟
- المالكي صديقي منذ زمن، فقد كنت رئيساً للجنة مناقشة الماجستير للمالكي في كردستان، وكان موضوع رسالته «الشِّعر في ثورة العشرين- أبو المحاسن نموذجاً»، وسجّلت في الجامعة العربية ببيروت.
> صداقة قديمة إذاً؟
- نعم، حتى أن المالكي لم يكن يتوقع أن أرشح شخصاً آخر إلى منصب رئيس الوزراء.
> ماهي علاقتك بالشعر؟
- أحب الشعر
> من يخطر ببالك من الشعراء؟
- معجب جداً بالمتنبي، وأيضاً بالجواهري.
> هل تتذكر شيئاً للمتنبي؟
- للأسف لا أحفظ الشعر.
> لماذا تحب المتنبي؟
- العاطفة والخيال غزيران لديه، هناك متانة في صوغ القصيدة. أحب أيضاً شعر نزار قباني وعبد الرزاق عبد الواحد.
> بماذا يشغلك نزار قباني، المرأة مثلاً؟
- أشعر أنه قريب من أبو فراس الحمداني لكن كل واحد يعبّر بطريقته، كالصورة التي ينقلها بيت أبو فراس: «أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا لو تشعرين بحالي»، هذه روح نزار قباني نفسها لكن بصيغة مختلفة.
> دعني اسألك سؤالاً صريحاً... أين ترتاح للنوم أكثر، في بغداد أم في السليمانية؟
- أستطيع القول إن الشعور نفسه... أنا من سنة 1958 وحتى اليوم لم استقر في مكان واحد، كنت في القاهرة 14 عاماً، وفي سورية وكردستان سنوات متنقلاً، وفي لندن سكنت سنة تقريباً في عام 1991، وهذا التنقل ترك أثراً لدي.
> أن تنام في منطقة متجانسة يكون سكانها أكراداً مثلاً، ألا يفرق عن أن تنام في منطقة متنوعة وفيها نزاعات؟
- كن على ثقة أني لا أفرّق كثيراً، ربما في كويسنجق الأمر مختلف، فهي مسقط رأسي وفيها أقربائي وأشعر فيها بانتماء، أما السليمانية فإنها مركز روحي بالنسبة إلى الحزب الديموقراطي الكردستاني.
> هل تعتقد أنك آخر رئيس كردي للعراق؟
- العلاقات الآن جيدة، وإذا استمرت التركيبة العراقية الحالية يمكن أي شخص أن يصبح رئيساً للجمهورية. من جانبي قررت أن هذه ولايتي الوحيدة، سواء كانت صحتي جيدة أم لا، ولن أعمل لولاية أخرى.
> لا تحب السلطة؟
- لا... طبيعة رئاسة الجمهورية في العراق تسمح لي بأن أنام في بيتي، ويمكن ألاّ أتحرك. أنا اخترت التحرك، وأنوي أن اقدم مشروع قانون لرئاسة الجمهورية، لأن الدستور لا ينص على صلاحيات واضحة لرئيس الجمهورية، فالمادة الدستورية بلا قانون مادة جامدة، أعمل من أجل أن يكون لرئيس الجمهورية قرار.
> هل هناك صلاحيات للرئيس؟
- الدستور يمنح الرئيس صلاحيات التدخل، لكن بلا قانون، والآخرون يمكنهم أن يقولوا إن الرئيس لا يملك صلاحيات.
> متى تنتهي ولايتك؟
- في 2018.
> كم هو راتب رئيس العراق؟
- راتبه الحقيقي هو 12 مليون دينار، لكن هناك مخصصات ضيافة وغيرها. رئيس الجمهورية لديه مهمات كثيرة، في السابق كان لدى مام جلال طالباني مليون دولار شهرياً كمعونات اجتماعية للرئيس، وعندما قطعت المعونات الاجتماعية من الدولة استمر مام جلال يتسلّم قرابة مليون دولار من الحزب، لكنني لا يمكن أن أحصل من الحزب على ذلك.
> ما هي هواياتك؟
- القراءة بشكل خاص.
> ماذا تقرأ؟
- كتب المذكرات بشكل خاص، في السابق كنت أقرأ الفلسفة والأدب. |