القاهرة - محمد صلاح شهد الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والمصري عبد الفتاح السيسي توقيع اتفاقات عدة بين كبار المسوؤلين في البلدين، بعد محادثات ثنائية ومجمعة لوفدي البلدين في قصر القبة الرئاسي في شرق القاهرة، واتفق الرئيسان على تعزيز التعاون العسكري بين جيشي بلديهما، وتوافقا على «حل سلمي» للأزمة السورية.
ووقع وزراء البلدين ثلاثة اتفاقات، منها اتفاق مبدئي لإنشاء محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية، إضافة إلى مذكرتي تفاهم لتشجيع وجذب الاستثمارات الروسية إلى مصر وتعزيز التعاون الاستثماري بين البلدين.
ونوّه السيسي في بيان ألقاه بعد القمة بـ «المواقف الشجاعة والداعمة» التي أبدتها روسيا إزاء مصر بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي. وقال: «أكدت والرئيس بوتين على الاستمرار في تعزيز التعاون العسكري بين بلدينا، خصوصاً في ظل الظروف الراهنة»، مضيفاً: «أعدنا تأكيد ضرورة دفع علاقات التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين. واتفقنا على تيسير جهود إقامة منطقة التجارة الحرة بين مصر والاتحاد الجمركي الأوراسي… وتعزيز التعاون في مجال الطاقة بمختلف أنواعها، بما في ذلك التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وبدء إقامة المنطقة الصناعية الروسية شمال جبل عتاقة على محور قناة السويس».
وأشار السيسي إلى أنه اتفق مع بوتين على «الوقوف جنباً إلى جنب في مواجهة التحديات الاقليمية، واتفقنا على أن تحدي الإرهاب، لا يقف عند أية حدود، وأن استشراء تلك الظاهرة بات يحتم تضافر الجهود الدولية لمواجهتها والتعامل معها من خلال منهج شامل، لا يقتصر فقط على التصدى الأمني، وإنما يتضمن محاربة أسسها الفكرية التي توفر بيئة حاضنة تخرج من كنفها التنظيمات الإرهابية، فضلا عن معالجة الأوضاع الاجتماعية التي تسهم في نمو الإرهاب والتطرف المرتبط به». وقال: «أعربنا عن ارتياحنا لتنسيق الجهود القائم بيننا في ما يتعلق بتوفير البيئة المناسبة للأطراف السورية للالتقاء في إطار تشاوري، بهدف الخروج بتفاهمات تؤسس لحل سياسي يستند إلى مرجعيات جنيف».
وشكر بوتين السيسي والمصريين على «الاستقبال الحافل»، لافتاً إلى أن البلدين «تمكنا من الاحتفاظ بمستوى العلاقات في السنوات الأخيرة، بل ونرتقي إلى آفاق جديدة للتعاون». وقال في بيان ألقاه خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع السيسي أمس: «أجرينا مفاوضات بناءة ذات مضمون غني... كانت في صدارة المفاوضات المسائل المتعلقة بالتعاون الاقتصادي. أشير إلى أن التبادل التجاري مع مصر في السنة الماضي ازداد 80 في المئة».
وأضاف: «ناقشنا إمكانات التعاون في مجال الطاقة النووية وآفاقه. في هذه الحال إذا تمكنا من الوصول إلى قرارات نهائية، فسيجري بناء محطة لتوليد الكهرباء النووية وسيشمل المشروع بناء المحطة وتدريب الكوادر وتطوير الدراسات العلمية لهذا المشروع المتكامل. هناك آفاق واعدة للتعاون في مجال الاستخدام السلمي للفضاء الكوني والملاحة باستخدام الأقمار الاصطناعية».
ولفت إلى أن «اللجنة الحكومية المصرية - الروسية المشتركة التي استأنفت أعمالها هذا العام ستعمل على هذه الأمور». ونوّه بزيادة أعداد السياح الروس إلى المنتجعات المصرية، «وكل هذا سيؤدي إلى نتائج إيجابية للاستقرار السياسي الذي تم التوصل إليه تحت قيادة الرئيس السيسي». وأضاف: «ناقشنا الأوضاع الإقليمية وبعض المسائل المتعلقة بالشؤون الدولية واتفقنا على تكثيف الجهود في مكافحة الإرهاب، وأولينا اهتماماً كبيراً بالمسائل المتعلقة بتسوية الأزمة السورية. تحدثنا في موضوع التسوية، وأبلغت الرئيس بالنتائج التي وصلنا إليها في اجتماع بين المعارضة السورية وممثلي (الرئيس السوري بشار) الأسد في موسكو. نعوّل كثيراً على إجراء الجولة الثانية لهذه الاتصالات، ونأمل بأن تؤدي إلى الوصول إلى تسوية سلمية في هذا البلد».
وفي باريس، نقلت وكالة «رويترز» عن مصدر فرنسي إن بيع 24 طائرة مقاتلة لمصر من طراز «رافال» الذي تنتجه شركة «داسو» الفرنسية، بات أمرا «وشيكاً» وان وزارتي الدفاع في البلدين أجريتا محادثات فنية في شأن الموضوع أمس. وتوقع إبرام الصفقة «هذا الأسبوع أو الأسبوع المقبل.» وأشارت صحيفة «لوموند» أمس إلى أن السيسي أقر الصفقة.
لكن وكالة «فرانس برس» نقلت عن ناطق باسم وزارة الدفاع الفرنسية أن المفاوضات «لا تزال تحتاج بضعة أيام من النقاش». وقال: «خلافاً للمعلومات التي يتم تناقلها عن موافقة أو توقيع الرئيس المصري على الصفقة الفرنسية، نعلن أن هذه الصفقة لم تحصل بعد على توقيع أو موافقة القاهرة... لا تزال هناك بضعة أيام من الحوار سنكون خلالها حذرين جداً لتجنب أي إعلان متسرع».
مذكرة تفاهم للتعاون النووي
شهد الرئيسان المصري عبدالفتاح السيسي والروسي فلاديمير بوتين في القاهرة أمس توقيع مذكرة تفاهم بين بلديهما للتعاون في مجال الطاقة النووية، تمهيداً لبناء موسكو مفاعلاً نووياً في منطقة الضبعة (شمال غرب) التي خصصتها مصر لهذا الغرض قبل عقود.
وعقد الرئيسان اجتماعاً مغلقاً في قصر القبة الرئاسي أمس بعد مراسم استقبال رسمية لبوتين، ثم شهدا توقيع عدد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم، بينها اتفاق مبدئي لإنشاء محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية، وعقدا مؤتمراً صحافياً ألقى خلاله كل منهما بياناً.
وأعرب السيسي خلال المؤتمر عن سعادته «لمجيء الزيارة في هذا التوقيت، وللتطور الذي حدث في علاقات البلدين بعد 30 حزيران (يونيو) 2013، وانطلاقها إلى آفاق أكثر رحابة».
وأشار إلى أنه عرض مع بوتين «مختلف أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين، وتم تأكيد ثوابت العلاقات الاستراتيجية بين مصر وروسيا، والاتفاق على استمرار تبادل اللقاءات الرفيعة المستوى بين البلدين والتفاهم في شأن القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك».
واعتبر زيارة بوتين «تأكيداً لتضامن روسيا مع مصر في حربها ضد الإرهاب»، موضحاً أن المحادثات انتهت إلى «الاتفاق على استمرار تعزيز التعاون العسكري بين البلدين في ظل الظروف الراهنة، إضافة إلى دفع التعاون الاقتصادي والتجاري، والتعاون في مجال تخزين الحبوب». وأعلن الاتفاق على «تيسير جهود إقامة منطقة التجارة الحرة بين مصر والاتحاد الجمركى الأوراسي، بما يوسع آفاق العلاقات التجارية والاقتصادية مع روسيا وسائر دول الاتحاد إقامة منطقة تجارة حرة بين مصر وروسيا، كما تمت مناقشة التحضيرات المصرية الجارية لمؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، وتطلع مصر إلى المشاركة الروسية»، إضافة إلى «تعزيز علاقات التعاون في مجال السياحة وتشجيع السياح الروس على زيارة مصر».
وأوضح أن الطرفين اتفقا على «التعاون في مجالات الطاقة والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتم توقيع اتفاق إقامة محطة للطاقة النووية في الضبعة، فضلاً عن مذكرات تفاهم في مجالي الكهرباء والغاز، إضافة إلى إقامة منطقة صناعية روسية شمال جبل عتاقة» في السويس.
وقال: «نستند في علاقاتنا مع روسيا الاتحادية إلى رصيد تاريخي، ونرى فيها صديقاً حقيقياً، كما أؤكد للجميع أن مصر بعد الثورتين تمد يدها بالصداقة إلى كل الدول التي ساندتها وما زالت تساندها على كل المسارات السياسية والاقتصادية».
ولفت السيسي إلى اتفاقه مع بوتين على مواقف منها «ضرورة تنفيذ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وكذلك ضرورة الحفاظ على سلامة ليبيا ووحدة أراضيها، فضلاً عن وحدة العراق، ودعم جهود محاربة الإرهاب الذي يهدده «.
وأوضح أنه وبوتين أعربا عن «الارتياح لتنسيق الجهد القائم بيننا في ما يتعلق بتوفير البيئة المناسبة للأطراف السورية للالتقاء في إطار تشاوري، بهدف الخروج بتفاهمات تؤسس لحل سياسي يستند إلى مرجعيات جنيف. وأكدت للرئيس اهتمامنا بالتوصل إلى تسوية عاجلة للأزمة في اليمن، وضرورة عدم السماح بتهديد وحدة أراضي اليمن وسلامته وأمن واستقرار المنطقة».
وقال بوتين خلال المؤتمر أنه «سعيد» بزيارته الأولى لمصر منذ 10 سنوات، وأشاد بـ «حسن الضيافة، والاستقبال الشعبي في شوارع مصر». ودعا السيسي إلى زيارة رسمية لروسيا «لتعزيز التعاون بين البلدين». وأشار إلى أن نحو 15 في المئة من مخزون النفط في مصر تقدمه شركات روسية، والتجارة بين البلدين زادت 80 في المئة عن العام الماضي. وأكد أن روسيا «ستقدم الدعم لمصر في مجال السيارات والبتروكيماويات والبينة التحتية، إضافة إلى تدريب الكوادر في مجال الطاقة النووية السلمية».
ورحب بالتعاون مع مصر، مؤكداً توافر «آفاق واعدة للاستخدام السلمي للفضاء والتعاون عبر الأقمار الاصطناعية... سنعمل على التعاون في عدد من المشاريع الاستثمارية، والبنية التحتية والمواصلات، وستستأنف اللجنة المصرية - الروسية أعمالها في هذا الصدد».
وأردف: «اتفقنا على إمكان التعاون وفرصه في مجال الطاقة النووية... إذا تمكنا من الوصول إلى قرارات نهائية، فإننا سنتمكن من خلق قطاع جديد في الاقتصاد المصري أساسه بناء المحطة وتدريب الكوادر الفنية وتطوير البحوث العلمية في هذا المشروع المتكامل».
ونقلت وكالة «فرانس برس» عن المدير العام لهيئة الطاقة الذرية الروسية سيرغي كيرينكو الذي وقع مذكرة التفاهم مع وزير الكهرباء المصري محمد شاكر، أن هذه المذكرة تتعلق «ببناء مفاعل نووي بتكنولوجيا روسية تتكون من أربع كتل طاقة كل منها 1200 ميغاواط».
وتوقع بوتين عقد جولة جديدة من المحادثات بين الحكومة السورية ومعارضيها. وقال: «نتطلع إلى الجولة التالية من هذه المحادثات التي أرجو أن تؤدي إلى تسوية سلمية للوضع في سورية».
|