|
في مقابل الانتصار الديبلوماسي الذي حققه الثوار الليبيون الساعون الى اطاحة نظام الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي والمتمثل في اعتراف فرنسي بـ"المجلس الوطني الانتقالي" ممثلاً شرعياً للشعب الليبي، واجهوا انتكاسة عسكرية أمس بخسارتهم موقعاً متقدماً لهم، لمصلحة قوات القذافي التي أخرجتهم من رأس لانوف النفطية الاستراتيجية، تحت وابل من القصف الصاروخي والمدفعي، موسعة نفوذها الى مناطق كانت احتلتها المعارضة ، ومغتنمة ربما التردد الغربي حيال سبل وضع حد لعمليات القمع التي يشنها النظام الليبي على معارضيه.
وبلهجة فيها الكثير من التحدي، توعد سيف الاسلام القذافي في حديث الى "رويترز" بهجوم شامل على الثوار في شرق البلاد، قائلاً: "اننا قادمون"، وملمحاً الى ان القوات الموالية للنظام في طريقها الى بنغازي، معقل الثوار. وقال ان القوات الموالية للنظام ستنتصر على الثوار وستحرر المناطق التي يسيطرون عليها في شرق البلاد. ورأى "انه وقت التحرير. انه وقت التحرك". نحن نتحرك الان". وعندما سئل هل تستعد الحكومة لتشديد هجومها، أجاب: "انتهى الوقت. انه وقت العمل... أمهلناهم أسبوعين". وأكد أن ليبيا ستهزم المتمردين، حتى اذا تدخلت القوى الغربية، "ولن نستسلم. لن نتراجع. هذه بلادنا". وشدد على أن "الشعب الليبي لن يرحب قط بحلف شمال الاطلسي. لن نرحب بالاميركيين هنا. ليبيا ليست قطعة حلوى". ووصف الثوار بأنهم ارهابيون وعصابات مسلحة، مشيرا الى أن آلاف الليبيين تطوعوا لمقاتلتهم. وخلص خلال المقابلة التي أجريت في مجمع مصمم على شكل خيمة فاخرة: "الان فات الوقت بالنسبة اليهم. نحن متحدون جدا وأقوياء جدا. وستكون ليبيا حرة وهادئة قريبا". وسئل في مؤتمر صحافي عن موقف جامعة الدول العربية التي دعا بعض دولها الى فرض منطقة حظر جوي على ليبيا، فأجاب: "العرب والجامعة العربية لم نعد نريدهم. نحن لا نريد عمالة عربية، سنأتي بعمالة بنغالية وهنود".
ولاحظ ان "الخاسر الكبير من الذي يحدث في ليبيا هو الشعب الليبي.. سنفيق ونجد ان العملاء هربوا مع عائلاتهم في الفرقاطات الفرنسية والانكليزية ونجد اننا قاتلنا بعضنا بعضا وحرقنا بيوتنا وخسرنا المليارات". وحذر من "ان يعود الاستعمار الى ليبيا، فها هي الفرقاطات الفرنسية والاميركية والبريطانية على شواطئ بنغازي". ميدانياً، بث التلفزيون الليبي أنه تم "تطهير" مدينة راس لانوف من الثوار، وأن القوات الليبية تتقدم حاليا في اتجاه بنغازي.
وقالت قناة "الليبية" في خبر عاجل على شاشتها: "تم تطهير مدينة راس لانوف من العصابات المسلحة ورفع الراية الخضراء على جميع مرافقها... القوات الليبية تتقدم في اتجاه بنغازي" و"تقوم الان بتطهير مدينة البريقة"، شرق بنغازي التي سقطت الجمعة الماضي في أيدي الثوار. وكانت مجموعات من الثوار الليبيين انسحبت في وقت سابق في اتجاه الشرق من مدينة راس لانوف النفطية التي تعد الموقع الاكثر تقدماً للثوار بعد تعرضها لقصف صاروخي.
وانسحبت المجموعات في سيارات ضاقت بها، بعد ساعات من قصف صاروخي مركز استهدف اولا غرب راس لانوف ثم وسطها وشرقها. وأقر أحد الثوار عرف عن نفسه باسم اسامة بـ"أننا هزمنا. انهم يقصفون بالقذائف ونحن نفر. هذا معناه انهم يستعيدون راس لانوف". وسأل صحافي من "وكالة الصحافة الفرنسية" متمردا يحمل رشاشا هل ينوي الرحيل، فاجاب: "هل تعتقدون ان في وسعي اعتراض صواريخ غراد بهذا؟"، مشيرا الى ان التراجع هو الخيار الوحيد. وتحدث متمرد آخر عن قصف مدفعي من ناقلات نفط في البحر.
وفي احدى العربات، جلس مقاتل شاب يدعى محمود ابرهيم وهو يبكي وطالب الرئيس الاميركي باراك اوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بالمساعدة. وتساءل: "اين أوباما؟ أين كاميرون؟ قولوا لاوباما ان يساعدنا"، قبل ان يجهش في البكاء. ونقلت الى مستشفى في البريقة جثث أربعة أشخاص قتلوا في راس لانوف، اضافة الى 35 شخصاً أصيبوا بجروح. وأكدت قيادة المعارضة المسلحة في بنغازي ان مرفأ راس لانوف النفطي في شرق البلاد يتعرض لقصف مكثف. وعندما سئل الناطق باسمها عبد الحفيظ غوقة عن تقرير التلفزيون الليبي عن ان قوات الحكومة طهرت راس لانوف من "العصابات المسلحة"، رد بان ذلك ليس صحيحا، وان كل ما يُرى هناك هو القصف بالمدفعية الثقيلة من البحر والجو.
وتعتبر استعادة راس لانوف انتصارا كبيراً للقذافي الذي يعيد معها بسط نفوذه على منشأة نفطية حيوية، وإن تكن تضررت نتيجة المعارك، ويوسع منطقة نفوذه على الشريط البحري الممتد من منطقة نفوذ المعارضة وصولاً الى طرابلس. كذلك، تحدث الثوار عن قصف جوي للبريقة النفطية ايضاً والواقعة على مسافة 90 كيلومتراً شرق راس لانوف، مما يدل على أن قوات القذافي لم توقف زحف الثوار غرباً فحسب،وإنما تشن هجوماً مضاداً في اتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة شرقاً.
وأكد التلفزيون الحكومي أن المتمردين طردوا أمس من مرفأ ومطار سدرة، على مسافة 40 كيلومتراً غرب راس لانوف. وفي الغرب، باتت الزاوية على مسافة 40 كيلومتراً غرب طرابلس تحت سيطرة قوات القذافي اثر معارك عنيفة. وكانت المدينة التي تضم ابرز محطة لتكرير النفط تغذي العاصمة وغرب البلاد، اقرب معقل للمعارضة من العاصمة. وأشار السكان الى ان الكثير من مدن شمال غرب البلاد في منطقة الجبل الغربي لا تزال تحت سيطرة الثوار.
نداء الى العالم وحيال التصعيد الميداني، وخصوصاً في الشرق، وجه رئيس "المجلس الوطني الانتقالي" مصطفى عبد الجليل نداء الى الاسرة الدولية، قائلا ان القذافي "سيدمر" البلاد وطالب بفرض منطقة حظر طيران لوقف الغارات.
وصرح الناطق باسم "المجلس الوطني الانتقالي" بأن الشعب الليبي يواجه "إبادة" جماعية باستخدام سلاح الطيران والمدفعية الثقيلة، وأن هذا لا يهدد أمن ليبيا فحسب، وإنما أمن المنطقة كاملة. ولفت الى أن الأمم المتحدة قادرة على اتخاذ الخطوات الضرورية لوقف مثل هذه "المذبحة"، وطالب بقصف معسكرات "المرتزقة التابعين للقذافي" والطرق التي يستخدمها في نقلهم وقواته الخاصة. وتوقع اتفاقاً على قرار في هذا الشأن في مجلس الامن خلال الأيام المقبلة. وسمى الجهات التي استقبلت وفود المجلس، قائلا إنها تشمل البرلمان الاوروبي وفرنسا وايطاليا والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي وتركيا والبرتغال. ورحب الناطق الاخر باسم المجلس عصام الغرياني باعتراف فرنسا بالمجلس "ممثلاً شرعيا" للشعب الليبي، ودعا حكومات العالم الى ان "تحذو حذوها".
الجنود الهولنديون على صعيد آخر، بث التلفزيون الليبي ان السلطات الليبية في صدد تسليم ثلاثة جنود هولنديين أسرتهم في أراضيها في نهاية شباط الماضي، الى وفد يمثل مالطا واليونان. وكانت وزارة الدفاع الهولندية اعلنت في الثالث من آذار ان الجيش الليبي اسر ثلاثة جنود هولنديين خلال عملية اجلاء مدنيين من ليبيا في نهاية شباط. و ص ف، رويترز، أ ب، أ ش أ،ي ب أ
|