|
لم يكن التجمع الشعبي في 13 آذار 2011 في ساحة الشهداء بحجم تجمع 14 آذار 2005 قطعاً، لكنه كان قطعاً الاقرب الى استعادة هذا التجمع منذ ست سنوات سواء في الحجم أو في الابعاد الاجتماعية والمناطقية الطوائفية والسياسية التي اكتسبها الحشد.
واذ بدا طبيعياً ومنتظرا ان تسارع قوى 8 آذار الى تقليل حجم التجمع الذي دعا اليه خصومها، قوى 14 آذار. بعد أقل من شهرين من اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، فإن ذلك شكل رد الفعل الاولي لقوى 8 آذار على التبديل الجذري في اولويات خصومها وخطابهم السياسي الذي تقدم عناوينه وشعاراته ملف سلاح "حزب الله" في ما اعتبر مساواة لهذا الملف بالاولوية التي رفعتها انتفاضة 14 آذار عام 2005 تحت شعار انهاء الوصاية السورية.
والواقع ان "حرب الأعداد" التي دارت بين فريقي 14 آذار و8 آذار عقب انفضاض الحشود من ساحة الشهداء اتسمت بتضخيم من هنا وتحجيم من هناك، كانا بمثابة وجه ملازم لاحتدام المناخ السياسي في البلاد بعدما توج الحشد أمس الحملات السياسية المتدرجة لقوى 14 آذار على "وصاية السلاح"، وجهودها لجعل الذكرى السادسة لـ"ثورة الارز" بمثابة "ثورة ارز ثانية" او "انتفاضة ثانية" متجددة. وبدا واضحا ان قوى المعارضة الجديدة استطاعت في حملة التعبئة التي تولتها طوال الاسابيع الاخيرة، اعادة النصاب الى مشهد جماهيري حاشد غصت به ساحة الشهداء وأرادت من خلاله اعادة النصاب الى توازن سياسي اختل بقوة قبل أقل من شهرين، وهو توازن بدا ماثلا بوضوح أمس مع الحشود الكبيرة من جهة ومع خطاب سياسي اعتبر ذروة في التركيز على سلاح "حزب الله" من حيث استخدامه في الداخل. اما الثقل الرئيسي في الحشود التي توافدت من مختلف المناطق، فبدا معقودا في صورة اساسية لـ"تيار المستقبل" وحليفيه المسيحيين "القوات اللبنانية" وحزب الكتائب، واذا كانت الذكرى افتقدت للمرة الاولى الثقل الشعبي الدرزي مع انفراط عقد التحالف نهائياً بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط وقوى 14 آذار، فإن مشاركة غير قليلة لوفود من "شباب الجبل" بدت علامة فارقة وخصوصاً مع الشعارات التي رفعتها لجهة التزامها خط 14 آذار وعدم خروجها على زعامة النائب جنبلاط في آن واحد، علما ان رمز المشاركة الدرزية في قوى 14 آذار النائب مروان حماده لم يلق كلمة في المهرجان، كما لم يكن بين الخطباء أي درزي.
واذ تعاقب 11 خطيبا يمثلون معظم التلاوين السياسية داخل تجمع 14 آذار على الكلام، تعمد رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري تحويل كلمته الى "احتكام" مباشر للقواعد الشعبية عبر توجيه اسئلة الى الحشد واصفا اياه بانه "مرجعية" قوى 14 آذار و"انتم سبقتمونا الى الساحة ونحن لحقنا بكم". وقال: "ما كان مستحيلاً منذ ست سنوات تحقق والذين يقولون لنا انه مستحيل اليوم سيتحقق". واضاف: "نحن نطلب دولة لا يحمل غيرها السلاح وهذا ليس مستحيلاً ونحن نطلب دولة لا يوجد فيها مواطن درجة اولى يحمل سلاحه ليستعمله عندما يخطر في باله ومواطن درجة ثانية يضع يده على قلبه (...)". واعلن "ان المستحيل ان يبقى السلاح لعبة ترمى على اولادنا وان يبقى السلاح مرفوعاً في وجه ارادة الشعب الديموقراطية، وفي وجه الحق والحقيقة، والمستحيل ان يبقى شخص واحد 20 سنة في الموضع نفسه في السلطة ويعطينا دروساً في تداول السلطة (...) وان يقف امامكم نائب ويتعهد لكم بأن يدافع عن المحكمة والطائف والديموقراطية ثم يقول انه اجبر على عمل العكس تماما".
وحذر الرئيس امين الجميل من بقاء لبنان "جبهة عسكرية تخترع الحروب وتشن الفتوحات"، داعيا الى "اتفاق جذري بل ضروري للحؤول دون بلوغ الازمات مرحلة العنف". كذلك اعتبر رئيس الهيئة التنفيذية لحزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع ان "لا دولة بوجود الدويلة"، معلنا "ثورة ارز ثانية لا ترتاح ولا تستكين حتى زوال الدويلة وقيام الدولة".
ردود فعل اما في ردود الفعل الاولية على التجمع ومواقف الخطباء، فنقل زوار رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي عنه مساء أمس قوله "رحم الله الشهيد رفيق الحريري لانه لم يكن ليقبل بعض الكلام الذي يستدرج الفتنة قرب ضريحه". واضاف: "اليوم نتأكد اكثر من أي يوم مضى انه شهيد وحدة لبنان". ولم يشأ رئيس مجلس النواب نبيه بري التعليق على المهرجان واكتفى بالقول لـ"النهار": "المشهدية كافية ولا تعليق". ودعا في المقابل الى "الاسراع في تأليف الحكومة لانها الرد الذي ينتظره اللبنانيون". وبدا موقف بري متطابقاً مع رؤية اوساط قيادية في 8 آذار أبدت لـ"النهار" "ارتياحها واطمئنانها" الى أعداد الحشود التي كانت في رأيها اقل من توقعاتها. وابرزت "غياب الصوت الدرزي عن الخطباء والحضور الشيعي الخجول".
بيد انه لفت في هذا المجال تعليق للموقع الالكتروني للحزب التقدمي الاشتراكي عقب التجمع جاء فيه ان "ما جرى في ساحة الشهداء في 13 آذار من حشد جماهيري واسع لا يمكن أحدا ان يمر عليه مرور الكرام او التعامل معه بخفة أو مكابرة او معاندة... كما لا يمكن احدا ان ينكر، بغض النظر عما حمله التجمع من بعض العناوين والشعارات التي قد تكون ربما استفزازية للبعض (...) بان هذا المشهد الجامع لأطياف وقوى سياسية كبيرة في البلد يمثل نصف الشعب اللبناني الذي اراد بحضوره الكثيف ان يعبر عن رفض لواقع واخطاء قائمة لا يمكن احدا السكوت او التغاضي عنها ولا سيما منها تلك المتعلقة باستخدام السلاح في الداخل في سبيل التهويل والترويع وفرض ارادة سياسية". ودعا جميع القوى السياسية الى "القيام بمراجعة نقدية سريعة لمرحلة ما بعد اسقاط حكومة الوحدة الوطنية كمنطلق لمد جسور الحوار مع نصف الشعب اللبناني".
الحريري: المستحيل ان يبقى السلاح في وجه الحق
ألقى الرئيس الحريري كلمة قال فيها: "نحن الشباب، نحن اللبنانيين واللبنانيات، نريد أن نتنفس! نريد أن نحكي! نريد أن نرفع صوتنا! جئت أسألكم، انتم، كل واحد وواحدة منكم، أنتم المرجعية الأولى والأخيرة، أنتم 14 آذار، أنتم ثورة الأرز. جئت لأسألكم وأسمع جوابكم، أريد أن يسمع العالم كله جوابكم: هل تقبلون بوصاية السلاح؟ هل تقبلون بوصاية السلاح وأن يكون في أيدي أحد غير الدولة؟ هل تقبلون بتشكيل حكومة تأتي بوصاية السلاح، لتكرسها على حياتنا الوطنية؟ هل تقبلون أن تتشكل حكومة مهمتها إلغاء علاقة لبنان بالمحكمة الدولية؟ هل تقبلون أن تشكل حكومة تكون مهمتها محاولة شطب المحكمة الدولية من الوجود؟ هل تقبلون بحكومة توقف التمويل عن المحكمة الدولية؟ أنتم 14 آذار، أنتم ثوار الأرز، هل تقبلون أن يتسلم قرار لبنان الحر السيد المستقل أحد غير الدولة اللبنانية؟". وأضاف: "نحن في هذه الساحة منذ ست سنوات، وقبل 6 سنوات اغتالوا رفيق الحريري، واعتقدوا أنهم انتهوا من رفيق الحريري، واعتقدوا أنهم انتهوا منه ومن لبنان، ومنكم. منذ ست سنوات، أنتم شباب لبنان، فاجأتموهم. وفاجأتم العالم، وسبقتمونا إلى الساحة، ونحن لحقنا بكم: أتيتم لتقولوا: نريد الحقيقة، نريد العدالة، نريد الحرية، نريد السيادة ونريد الاستقلال. قالوا لكم... مستحيل! وفي هذه الساحة أجبتم: لبنان لا يموت، أحلامنا لن تموت، ومطالبنا ستتحقق: لقد أنجزتم السيادة والاستقلال، وأنجزتم المحكمة الدولية، بقي علينا أن ننجز الحرية! لأن لا حرية لشعب، دولته، ودستوره، وأمنه خاضع، واقتصاده، ومستقبله خاضعة لغلبة السلاح، وقراره رهينة لمن يتحكم بالسلاح.
لقد سمعتموهم يقولون مرة جديدة، يقولون لكم: مستحيل، ولكن ذلك لا ينفع، لأنكم أنتم، منذ استشهد رفيق الحريري، ومنذ أن التقينا في هذه الساحة قبل 6 سنوات، وبالأعلام اللبنانية نفسها، تعرفون أنه إذا أردتم، لا يوجد مستحيل. ما كان مستحيلاً قبل 6 سنوات، تحقق، والذين يقولون لنا أنه مستحيل اليوم، سيتحقق، وبإذن الله سيتحقق، سيتحقق، سيتحقق، سيتحقق. لماذا مستحيل؟ لماذا ونحن ماذا نطلب؟ نحن نطلب... دولة. وهذا ليس مستحيلاً. نحن نطلب دولة لا يحمل غيرها السلاح. وهذا ليس مستحيلا! نحن نطلب دولة، لا يوجد فيها مواطن درجة أولى، يحمل سلاحه ليستعمله عندما يخطر في باله، ومواطن درجة ثانية، يضع يده على قلبه، وقلبه على أولاده، وأولاده على سفر، والسفر مشروعه ومستقبله الوحيد. كلا، ليس مستحيلا، نحن نطلب دولة فيها جيش واحد، قوي، يقف في وجه العدو الإسرائيلي، والشعب كله معه، ولا نطلب دولة فيها جيش خارج الجيش، وخارج الدولة، وخارج القانون، بحجة العدو الإسرائيلي، ومن وقت الى آخر يوجه سلاحه نحو الشعب. كلا هذا ليس مستحيلاً. نحن نطلب دولة، فيها دستور، يحترمه الجميع، ولا يدوسه أحد كل ساعة لأن لديه سلاحاً، وفيها قانون، يطبق على الجميع، ولا يخرقه أحد يحمل سلاحا، فهذا ليس مستحيلاً،اطلاقاً".
أريد أن أقول لكم، ما هو المستحيل: المستحيل أن يبقى السلاح لعبة ترمى على أولادنا لتنفجر في وجوههم. المستحيل أن يبقى السلاح مرفوعاً في وجه إرادة الشعب وفي وجه الحق وفي وجه الحقيقة. المستحيل أن يبقى شخص واحد 20 سنة في الموقع نفسه في السلطة، ويعطينا دروساً في تداول السلطة، فقط لأنه، كلما فكر شخص بأن يترشح ضده، يخرج السلاح إلى الشوارع وعلى السطوح. المستحيل أن يقف أمامكم نائب ويتعهد لكم أن يدافع عن المحكمة والطائف والديموقراطية وأن ينقل صوتكم بأمانة، ثم يقول أنه أجبر على عمل العكس تماما، لأنه جاء من قال له عكس ذلك. السلاح سيأكل البلد، ويأكل أولاده وأولادكم. المستحيل أن يستطيعوا الاستمرار كلما قال أحد كلمة، يقولون عنه أنه خائن إسرائيلي، ويقولون أننا نحن جميعنا خونة إسرائيليين، وأن شهداءنا إسرائيليون. قتلتهم إسرائيل، والآن عملت محكمة إسرائيلية! نعم، نعم، إسرائيل أيضاً. بدا السلاح يسقط، إسرائيل تريده ان يوجه الى بيروت والجبل، وكل لبنان، كما حصل في 7 أيار، تريده ان يوجه الى برج أبو حيدر وعايشة بكار، وسعدنايل والشويفات وبيصور، وعين الرمانة وعاليه وطرابلس وعكار، نعم إسرائيل أيضاً. بدأ السلاح يسقط، بالفساد، وبالممنوعات وبالبلطجة، نعم إسرائيل أيضاً. بدا السلاح يسقط، من قمة الدفاع عن لبنان الى جورة الانتشار في الشوارع والزواريب، ومن جنة حماية أرض لبنان وأهل لبنان إلى جحيم ضرب الشراكة اللبنانية والوحدة الوطنية والدستور والديمقراطية".
وقال: "المستحيل هو أن ننسى أن إسرائيل عدوتنا، وأن فلسطين قضيتنا وأن الذي يريد أن يحررها يجب أن يوجه سلاحه إلى إسرائيل، وليس إلى بلده، ويعطل دولة إسرائيل، وليس دولته، ويضعف إقتصاد إسرائيل وليس إقتصاد لبنان! والمستحيل المستحيل، هو أن نسكت، أو أن نخفض رؤوسنا، وأن نتراجع عن حريتنا، وأن لا ندافع عن دستورنا وديموقراطيتنا وبلدنا، وأن ننسى في لحظة، أنكم أنتم أتيتم بالاستقلال، أنكم أنتم حققتم السيادة وأنكم أنتم من حقق قيام المحكمة، بكل حضارة، بكل سلم، بكل هدوء، من دون سلاح، من دون ضربة كف".
وأضاف: "لمن قال أن رفيق الحريري هو فقيد عائلة نقول له هذه هي عائلة رفيق الحريري، أنتم الموجودون هنا عائلة رفيق الحريري وهو فقيدكم أنتم، ومستحيل أن ننسى باسل، أنتم عائلة باسل، ومستحيل أن ننسى سمير، أنتم عائلة سمير، ومستحيل أن ننسى جورج، أنتم عائلة جورج، ومستحيل أن ننسى جبران، أنتم عائلة جبران، ومستحيل أن ننسى بيار، أنتم عائلة بيار، ومستحيل أن ننسى وليد، أنتم عائلة وليد، ومستحيل أن ننسى أنطوان، أنتم عائلة أنطوان، ومستحيل أن ننسى فرنسوا، أنتم عائلة فرانسوا، ومستحيل أن ننسى وسام، أنتم عائلة وسام، ومستحيل ومستحيل مروان ان ينسى الياس والياس أن ينسى مي ومستحيل كلنا أن ننسى عشرات وعشرات المدنيين الذين سقطوا معهم من المستحيل أن نقبل، أن يقع لبنان تحت أي وصاية مجدداً، إن كانت وصاية من الخارج، أو وصاية السلاح من الداخل لحساب الخارج. من المستحيل أن ننسى حلم رفيق الحريري بهذا البلد، من المستحيل أن نتخلى عن طموحاتنا التي أثبتنا ألف مرة للعالم أننا قادرون على تحقيقها.
مستقلون وحزبيون وحّدتهم الخشية من الهيمنة والقمع والأحادية عنوان واحد جمع مئات الآلاف "لا لوصاية السلاح نعم للجيش" كتب بيار عطاالله:
لا شيء يشبه التجمع الشعبي الكبير في ساحة الشهداء والحرية امس سوى تظاهرة 14 اذار 2005، فالحشود التي تقاطرت من جهات لبنان الاربع وملأت الساحات والطرق المؤدية اليها، كان بينها الكثير من الوجوه التي كانت تتردد في النزول خلال الاعوام السابقة الى ساحة الشهداء لالف سبب وسبب. ورصد حركة المحاور المؤدية الى بيروت كان كفيلاً بحسم الجدل في حجم المشاركة ونوعيتها على رغم التعتيم الاعلامي ومحاولات خنق الحدث الشعبي التي مارستها وسائل اعلام قوى 8 آذار المكتوبة والمرئية والمسموعة، والتي ذهبت احداها الى تحديد عدد المشاركين بعشرات آلاف المواطنين، لضرب صورة التحرك الاضخم منذ 2005، والذي اوحى حجم المشاركة الشعبية فيه مدى القلق الشديد الذي يشعر به اللبنانيون حيال احتمال عودة زمن الوصاية والقمع وحكم الحزب الواحد الذي ثاروا عليه في اذار 2005 بعدما تحكم في رقابهم طيلة 15 عاماً، مع تغيير بسيط استبدل فيه "رفض وصاية الجيش السوري" بـ"رفض وصاية سلاح حزب الله". اما القاسم المشترك بين 2005 و 2011 فالمطالبة بحصر السلاح في الجيش اللبناني وحده.
كان تنظيم الاحتفال يوم الاحد في 13 الجاري بدل 14 الذي يصادف اليوم الاثنين، "ضربة معلم" اتاحت ضخ حشود من الجماهير الى الساحة، التي صحت سماؤها وحلقت فوقها اسراب من طيور اللقلق المهاجر الى دفء الربيع بعد اسبوع من الامطار والثلوج الغزيرة، مما دفع مقدمة الحفل الاعلامية سحر الخطيب الى الاعلان: "الله مع 14 آذار، فالسماء صحت ومنّت علينا بالشمس".
والواضح ان الخبرة التي اكتسبها منظمو الاحتفال من تجاربهم السابقة اتاحت لهم اعداد المشهد العام واللوحات الدعائية في شكل فاعل واستيعاب المزيد من الجماهير في شكل منظم وعملاني مكنهم من تقديم صورة معبرة للرأي العام: ومن شاهد الاحتفال من منزله عبر شاشة التلفزيون، تمكن من مشاهدة الحشود المتعاظمة، لكنه لم يشاهد زنار اللافتات التي حملت عبارات للامام موسى الصدر وكمال جنبلاط والامام محمد مهدي شمس الدين انتشرت حول ساحة الاحتفال وفي محيطه، وابرزها مقولة الامام شمس الدين: "اوصي ابنائي الشيعة بأن لا يخترعوا لانفسهم مشروعاً خاصاً". واخرى للامام الصدر ابرزها: "لن نسمح بان يدخل صفوف طائفتنا رجال صغار، وليذهب المأجورون ولو لبسوا لفات وسموا انفسهم أئمة...". واللافتة الاكبر كانت بالاحمر كتب عليها: "5 سنين، 55 عملية ارهابية، 850 شهيداً وضحية". لكن الشعار الاكثر ترداداً بين الجماهير كان: "الشعب يريد اسقاط السلاح"، في استعارة للازمة العربية الاشهر التي ترددها الشعوب العربية: "الشعب يريد اسقاط النظام"، ومقارنة بين تحكم الانظمة في رقاب اهلها وتحكم السلاح في رقاب اللبنانيين على ما ردد المتظاهرون.
الاكثرية للمستقلين كلام كثير سيقال عما جرى في ساحة الشهداء، وهو ليس بالامر العابر، خصوصاً في زمن الاحباط والخيبات والتهديد والوعيد. والاكيد ان قسماً لا يستهان به من اللبنانيين، ان لم تكن غالبيتهم وبما يتعدى النصف زائد واحد ومنطق الاكثرية والاقلية يستشعرون ما ينتظرهم في الآتي من الايام من قمع وهيمنة وفرض للرأي الواحد عليهم. وعلى رغم ان شخصية رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي الدمثة والهادئة لا توحي النزعة "القذافية" فإن سيرة شركائه المنتظرين في السلطة لا تبشر الرأي العام اللبناني بالخير ولا توحي الطمأنينة، وثمة قسم لا بأس به منهم من اصحاب سيرة الحروب المدمرة وقمع الحريات والتنكيل يستفز شرائح واسعة ممن هالهم احتمال العودة بلبنان الى زمن الديكتاتوريات فيما العالم العربي تجتاحه رياح الحرية والتغيير.
الملاحظات كثيرة من ساحة الشهداء، اولها بل اهمها، حجم مشاركة المستقلين من غير المنضوين الى الاحزاب والتيارات السياسية، سواء اكانت اسلامية ام مسيحية. وعلى نقيض تظاهرات الاعوام السابقة التي كانت تشهد حشوداً من الحزبيين مع اعداد قليلة من المستقلين، الا ان الغلبة في التجمع كانت للمتظاهرين المستقلين الذين حملوا الاعلام اللبنانية بكثافة طغت على اعلام الاحزاب، الامر الذي سجله المراقبون والاعلام العربي والاجنبي الذي كان مراسلوه يصرون على معرفة انتماءات المتظاهرين الطائفية والمناطقية، ولم يتوان من استصرحوهم عن اعلان خشيتهم من استمرار الاوضاع على ما هي عليه وتردي احوال لبنان وعودة نظام الوصاية السورية معطوفاً على وصاية ايرانية، علماً بأن مشاركة المستقلين في تظاهرة 2005 التاريخية الفارق الرئيسي الذي عدل ميزان القوى بين تظاهرتي "8 اذار" و "14 اذار". وحضور جمهور المستقلين العريض امس على ما قال احدهم، كان استشعار هذه الشريحة التي تشكل غالبية اللبنانيين بأن "الموسى وصلت الى ذقنها"، وانه ما لم يتم التحرك الان فان الامور ستفلت من يدها ليقع لبنان في محظور الاسواء.
"نحبك يا وليد" الملاحظة الثانية، كانت المشاركة الدرزية التي كانت موضوع عناية وانتباه شديدين من الاعلام، فعلى رغم حرص منظمي الاحتفال الواضح على عدم استفزاز رئيس كتلة "النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط من خلال تخصيص المنبر لاحد اركان "14 اذار" الدروز، الا ان ذلك لم يمنع وفوداً شعبية ضمت المئات من المشاركة وهي ترفع اعلام الموحدين الدروز الخماسية واعلام الحزب التقدمي الاشتراكي ولافتات كثيرة خطت عليها عبارات التأييد المقفاة لوليد جنبلاط ورفض مواقفه في آن واحد، مثل: "نحبك يا وليد وغير 14 اذار ما منريد"، واخرى كتب عليها: "يا وليد عن دربك ما منحيد وولاية الفقيه ما منريد"، او: "نحنا قلال وبعيون الاعادي كبار ونحن احفاد فخر الدين وكمال جنبلاط".
المشاركون في الوفود الدرزية ارتدوا قمصاناً كتب عليها "شباب الجبل" ورسم عليها شعار قبضة "14 اذار" الاحمر، وقالوا انهم لبوا النداء فرادى ومجموعات من مناطق الشوف وعاليه والمتن الاعلى تلبية لدعوة عائلة الشهيد غازي ابو كروم و "اليسار الديموقراطي"، وقال اخرون انهم لبوا دعوة النائب مروان حماده، في حين اصر البعض وخصوصاً حملة الاعلام الاشتراكية على القول انهم محازبون للتقدمي لكنهم في الجبل يحترمون التعددية والرأي الآخر، وكل حر في رأيه في اطار الديموقراطية.
كثافة مسيحية الملاحظة الثالثة، كانت حجم المشاركة المسيحية الضخمة مقارنة بتظاهرات الاعوام السابقة، فقد درج مناصرو حزب "القوات اللبنانية" على المشاركة بكثافة في الاعوام السابقة، وكان لهم حضور كبير في احتفالات 14 اذار وهذا ما فعلوه امس. وفي احتفال البارحة لفتت مشاركة حزب الكتائب الواسعة والتي تجلت بدفع الالاف من مناطق المتن وكسروان وزحلة والبترون وعكار وبيروت مما ساهم في رفع وتيرة المشاركة المسيحية من جبل لبنان والمناطق مقارنة بالاعوام السالفة. والامر يستحق لاحقاً عناء البحث والتحليل، خصوصاً ان الجمهور الحزبي المسيحي في 14 اذار يشعر بأنه معني بقوة بالملفات المطروحة عنواناً للمرحلة الحالية، وهو على تماس معها خصوصاً بعدما خلعت قيادة 14 اذار وتحديداً الرئيس سعد الحريري وتيار "المستقبل" قفازاتها في موضوعي المحكمة الدولية والسلاح خارج اطار الشرعية. فالازدواجية في المواقف كانت سبباً لاشكالية مع جمهور من المسيحيين يحرص على عناوين السيادة والاستقلال والجيش وحيداً على الاراضي اللبنانية وكان يأخذ على بعض الحلفاء التفريط بخطاب "ثورة الارز".
الملاحظة الرابعة، كانت المشاركة السنية الواسعة في الاحتفال، حيث بدا واضحاً ان كل الخطابات والمقالات والدعاية المضادة التي قامت بها قوى 8 اذار لمواجهة "تيار المستقبل" في عقر داره لم تكن مجدية، والدليل الحشود الضخمة التي اندفعت من مناطق البقاع والشمال واستمرت في التدفق حتى ساعات الظهيرة، بحيث كان بعض الوفود يغادر الساحة عبر خط المرفأ جادة شارل حلو في حين كانت قوافل الحافلات والسيارات تستمر في انزال المشاركين عند جسر الكرنتينا في طريقهم الى ساحة الشهداء. ولم تسجل اي حادثة خلال الاحتفال، واقتصرت الحوادث على "ضربات شمس" وحالات اغماء بفعل حرارة الشمس او التعب والانهاك، فكثر من المشاركين من ابناء البقاع والشمال والجنوب وصلوا فجراً وامضوا الصبيحة في ساحة المهرجان، ومثلهم فعل عدد من المشاركين من منطقة بشري والضنية في حماسة تستحق الاحترام. لكن ما خرج عن المألوف في احتفال الامس كان "الهايد بارك" الذي توالى عليه اعلاميون وصحافيون ومثقفون، مثل بهجت سلامة، غادة صاغية، نديم قطيش، وسليم مزنر وجورج ملحم وغيرهم قبل بدء المهرجان، فقالوا ما لم يقله مالك في الخمرة، وحصدوا تصفيقاً اكثر بكثير من السياسيين الذين اعقبوهم.
|