Date: Mar 14, 2011
Source: جريدة الحياة
«14 آذار» تطلق انتفاضة ضد «وصاية السلاح»

شهدت بيروت تجمعاً شعبياً حاشداً أمس، هو الأكبر بعد تظاهرة 14 آذار المليونية العام 2005 التي أطلقت «ثورة الأرز»، إذ احتشد مئات الآلاف من المواطنين في ساحة الشهداء وسط العاصمة اللبنانية، وفاجأوا قادة قوى 14 آذار أنفسهم، لاتساع نطاق الاستجابة لدعوتهم الى التجمع تحت شعار «رفض وصاية السلاح» احتجاجاً على ما يعتبرونه استخدام «حزب الله» السلاح في السياسة الداخلية اللبنانية.

 

وإذ اجتازت المعارضة الجديدة المؤلفة من قوى 14 آذار اختبار القدرة على تأمين الدعم الشعبي لمواقفها بعد تحولها أقلية نيابية وإسقاط الحكومة التي كان يترأسها سعد الحريري قبل زهاء شهرين، فإنها وجّهت بذلك رسالة سياسية الى الرئيس المكلف تأليف الحكومة العتيدة نجيب ميقاتي، عبر تمسّكها بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان والإصرار على حصر حمل السلاح بالدولة اللبنانية وفق ما شدد عليه خطباء المناسبة، في مقابل توجهات المكونات الرئيسة للأكثرية الجديدة وفي طليعتها «حزب الله» بالدعوة الى وقف الحكومة المقبلة تعاونها مع المحكمة والإصرار على بقاء سلاح «حزب الله» تحت عنوان مواجهة إسرائيل. ولبّى مناصرو قوى 14 آذار الدعوة الى التجمع وسط بيروت منذ الصباح الباكر أمس، لا سيما جمهور تيار «المستقبل» في المناطق السنية، عكار وطرابلس ومحيطهما، والبقاعين الغربي والأوسط وبيروت وصيدا والجبل، إضافة الى حضور مناصري حزبي «القوات اللبنانية» و «الكتائب» المسيحيين وسائر الأحزاب المسيحية بكثرة، الذكرى السادسة لانطلاق انتفاضة الاستقلال، فيما شارك بضعة آلاف من مناطق الجبل الدرزية على رغم انتقال الزعيم الأقوى فيها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الى صفوف الأكثرية الجديدة بالتحالف مع «حزب الله» وحركة «امل» و «التيار الوطني الحر» وسائر التنظيمات الحليفة لسورية. وغلبت الأعلام اللبنانية، التي أصر منظمو التجمع على الاكتفاء برفعها، على أعلام الأحزاب اللبنانية، واختلطت الشعارات والأعلام التي رُفعت مع بضعة أعلام عربية ظهرت وسط الجموع، ترمز الى تماثل الاحتشاد الجماهيري في ساحة الشهداء مع الانتفاضات في عدد من الدول العربية، فرفع شبان ليبيون العلم الليبي الاستقلالي، وآخرون مصريون العلم المصري، وغيرهم العلم التونسي، كما حمل بعض المتظاهرين العلم السعودي وظهرت خلال المهرجان الخطابي صورة عملاقة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز نصبت على طول أحد الأبنية.

 

وغصت ساحة الشهداء بالجموع، كذلك الشوارع المحيطة بالساحة والمؤدية إليها، وقالت مصادر أمنية إن أعدادها فاقت تلك التي تمكنت من دخول ميدان التجمع. وانتشرت في الساحة شعارات عملاقة منها: «بوجه وصاية السلاح، الساحة أقوى سلاح»، كما انتشرت شعارات هي أقوال لكل من الزعيمين الروحيين الإمام المغيب موسى الصدر والإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين والزعيم الراحل كمال جنبلاط.

 

وظهرت بضع لافتات أيدت رئيس الجمهورية ميشال سليمان كُتب على إحداها: «الجمهورية في خطر كلنا مع الرئاسة».

وفيما قالت قيادات في قوى 14 آذار انها استعادت المبادرة خلال مناسبة أمس، بعد أن كانت امتنعت العام الماضي عن إحيائها في ظل حكومة الوحدة الوطنية التي كان الحريري يرأسها، وفي ظل المصالحة التي جرت مع سورية، فإن قيادات أخرى فيها رأت ان «نجاح التظاهرة بالشعارات التي نُظمت تحتها تشكل صحوة لقيادات قوى 14 آذار استعادت فيها جمهورها، بصلابة المواقف التي أعلنها رموزها اثناءها، إضافة الى استعادتها المبادرة بعد التحولات في المشهد السياسي لغير مصلحتها».

 

وتميزت خطب المناسبة بكلمة الرئيس الحريري، الذي ألهب الجموع عندما صعد الى المنصة وتحدث باللغة العامية، فسأل: «هل تقبلون وصاية السلاح على حياتنا الوطنية؟ وهل تقبلون ان تتشكل حكومة مهمتها محاولة شطب المحكمة الدولية؟». وإذ طرح جملة أسئلة من هذا النوع، كان الرد يدوّي من الجموع: «لا». وأضاف: «إذا أردتم، لا يوجد مستحيل ونحن نطلب دولة لا يوجد فيها مواطن درجة أولى، يحمل سلاحه ليستعمله عندما يخطر بباله، ومواطن درجة ثانية يضع يده على قلبه وقلبه على أولاده... وهذا ليس مستحيلاً». وتابع الحريري: «إسرائيل أيضاً تريد أن يسقط السلاح من قمة الدفاع عن لبنان الى جورة الانتشار في الشوارع والزواريب وجحيم ضرب الشراكة اللبنانية». وحمل الحريري بشدة على تصريحات رئيس البرلمان نبيه بري من دون ان يسميه بقوله للمرة الأولى: «المستحيل أن يبقى شخص واحد 20 سنة في الموقع نفسه في السلطة ويعطينا دروساً في تداول السلطة، فقط لأنه كلما فكّر شخص بأن يترشح ضده يخرج السلاح الى الشوارع والسطوح...».

 

وكان زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون قال في كلمه له أول من امس، إن «جريمة اغتيال الرئيس (رفيق) الحريري استغلت ولم يعد شهيد لبنان بل فقيد العائلة لكثرة استغلالهم لاسمه». ورد الحريري على كلامه من دون ان يسميه قائلاً: «لمن قال إن رفيق الحريري هو فقيد العائلة نقول: هذه عائلة رفيق الحريري، أنتم الموجودين هنا، وهو فقيدكم أنتم...».

وتحدث خلال المهرجان الخطابي 10 خطباء وقال الرئيس السابق رئيس حزب الكتائب أمين الجميل، إن «كُلَّ هَمِّ حزب الله هو بيروت وأزقتها وشوارعها ولاهاي. ونسي إسرائيل». وأضاف: «المشاريع الإقليمية ليست مشاريعنا ولعبة الأمم ليست لعبتنا وهي أكبر منا فلنكُفَّ عنها».

 

وقال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، إن «لا حياة لنا من دون دولة ولا دولة بوجود الدويلة»، معلناً «ثورة أرز ثانية لا ترتاح حتى زوال الدويلة». ودعا الى ترك الدولة تترجم خيار المقاومة.

وفيما أطلق المنسق العام لقوى 14 آذار فارس سعيد على تجمع الأمس اسم «انتفاضة الكرامة»، اعتبر رئيس «حزب الوطنيين الأحرار» دوري شمعون، أن «الفريق الآخر يستمر في تخويننا ويرفض الاحتكام الى صناديق الاقتراع، معتقداً انه بسلاحه وبالتحاقه بالمحور السوري -  الإيراني يسيطر على لبنان».

 

وباستثناء إشارة شمعون هذه، فإن خطباء الأمس والشعارات التي رُفعت تجنبت الإشارة الى سورية كما سبق أن حصل في تجمعات قوى 14 آذار منذ العام 2005.

وتميّز تجمع الأمس بتدابير أمنية شاملة أخذها الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي على طول الطرقات المؤدية الى ساحة وسط بيروت، وحلقت مروحيات للجيش اللبناني فوق ميدان التجمع، فيما انكفأ مناصرو «حزب الله» وحركة «أمل» في المناطق التي لهما نفوذ فيها في أحياء العاصمة، بناء لتعليمات من قيادتيهما لمنع الاحتكاكات، وهو ما لقي اشادة من مصادر قيادية في 14 آذار. وحصلت حادثة وحيدة حين نزل شبان بالعصي في منطقة بشارة الخوري لمواجهة العائدين من التجمع الشعبي بعد ارفضاضه، إلا ان القوى الأمنية حالت دون تطور الأمر الى تصادم.


حشود «14 آذار» تستعيد مشهد 2005 «رفضاً لوصاية السلاح»
بيروت - ناجية الحصري ومنال ابو عبس


استعادت امس، ساحة الشهداء في قلب بيروت مهمة بدأتها قبل ست سنوات. يومها رفعت الجموع التي احتشدت فيها شعار «معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة»، اما شعار الجموع امس، فكان «لا لوصاية السلاح».

 

وبين تاريخ 14 آذار (مارس) 2005 و13 آذار 2011 (استثناء) كمٌ من الاحداث السياسية والامنية التصاعدية التي تخللتها نجاحات وشابتها اخفاقات، وفخاخ، فوضعت البلد تارة على حافة حرب اهلية نتيجة الانقسامات المذهبية وتارة ادخلت مؤسساته الشرعية في الفراغ. وبين هذا وذاك تعرضت قوى 14 آذار لاهتزازات عنيفة... ومع ذلك فإن الحشود التي توافدت الى الساحة امس، لم تتغير، هي نفسها، وجوه عائلات كبر اطفالها وزاد عددهم، ولم تغير قناعاتها، ولا حماستها في التلويح بالعلم اللبناني، ومجموعات غير صغيرة «احتالت» على قرار حزبها عدم الانضمام الى الساحة فجاءت بتسميات اخرى وشعارات اكثر تأكيداً للانتماء الى هذه الساحة لا غيرها.

 

كثيرة هي الرسائل التي وجهتها ساحة الشهداء امس، في غير اتجاه. واذا كان موضوع رفض وصاية السلاح والتخوين الاساس، فإن ثمة رسائل وجهت الى الرئيس المكلف تشكيل الحكومة العتيدة نجيب ميقاتي، واخرى باتجاه طائفة لا احد يريد القطع معها. وحين صرخت الناطقة من على منصة «الشعب» التي خصصت للناشطين من المجتمع المدني «اننا نقول لك يا سيد حسن نصر الله اننا نحب عنفوانك لكن لا نحب التكابر، ونحب فيك محاربة العدو الاسرائيلي الذي هو عدونا جميعاً لكننا نكره توجيه السلاح الى الداخل»، علا تصفيق جامع وترافق مع هتافات مؤيدة حين رددت ما كان يقوله المرجع الديني الراحل السيد محمد حسين فضل: «الحقد موت والمحبة حياة وانا اريد الحياة ولا اريد الموت».

 

بيروت فتحت طرقاتها امس، امام الآتين اليها من كل لبنان، في الباصات والسيارات والشاحنات، ومشياً على الاقدام، قادتهم تعليمات الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي وسرية المجلس النيابي للسير على طرق رئيسة وصولاً الى ساحة الشهداء، ومنعت الدخول في طرق فرعية خصوصاً تلك التي قد تشكل احتمالاً لحصول احتكاكات مع مناصرين من قوى 8 آذار.

 

انتشر الجيش بملالاته في اكثر من موقع، وأخلى حاجزاً في المدفون شمالاً بعدما تسبب بزحمة سير خانقة اعاقت تقدم ارتال المركبات الآتية من عكار وطرابلس والبترون وبشري وغيرها من المناطق. واذا كانت اكثرية المشاركين انطلقت فجراً للوصول الى ساحة الشهداء قبل توقيت العاشرة صباحاً موعد الاحتفال الخطابي، فإن كثراًَ من اهل الشمال باتوا ليلتهم في بيروت وبعضهم في الساحة نفسها. واختار بعضهم البحر وسيلة للوصول الى بيروت، فأقلتهم قوارب من الشمال وجونية ترفع الأعلام اللبنانية.

وشاركت زغرتا الزاوية من خلال موكب موحد ضم وفوداً من «تيار المستقبل» و «القوات اللبنانية» و «حركة الاستقلال»، وحمل ركابها الاعلام اللبنانية ورايات قوى 14 آذار وصور الرئيسين رينه معوض ورفيق الحريري وصور رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع ورئيس «حركة الاستقلال» ميشال معوض.

 

اما طريق دمشق الدولية فلم تكن زحمة السير عليها اقل. من بلدات في البقاع الشمالي ومن البقاعين الاوسط والغربي، اكتظت الباصات والشاحنات المكشوفة بأطفال وشبان وشابات ونسوة ومسنين يلوحون بالاعلام اللبنانية، وقال سائق اجرة انه شاهد رتلاً من السيارات يمتد من الحازمية الى الجمهور من دون حراك، وكانت الساعة لم تتجاوز بعد الثامنة صباحاً. ورصدت «الوكالة الوطنية للاعلام» من بعلبك والبقاع الشمالي مشاركة 355 سيارة نقل عمومية وخصوصية و150 سيارة فان و5 بولمانات من الحافلات الكبيرة و5 بولمانات سعة 24 راكباً إضافة الى 15 سيارة بيك اب.

 

ومن الجنوب وتحديداً من صيدا، توجهت الســيارات والحافلات باتجاه بيروت، وذكر ان ثمة اشخاصاً رشقوا عند جسر المطار الآتين بسياراتهم والحافلات بحجارة، لكن الامر لم يؤثر في المــشاركة التي كانت حاشدة.

ساحة الشهداء فاضت بالناس الذين ظلوا يتقاطرون الى المكان من المداخل الجنوبية والشمالية والغربية حتى ما بعد الثانية عشرة ظهراً، وهي اتخذت هذه المرة صيغاً اخرى لمخاطبة الجماهير، فالمنصة الرئيسة صارت في وسطها وتحديداً في محيط تمثال الشهداء واحيطت بزجاج واق من الرصاص، وثمة منصة اخرى نصبت في ركن شمالي وسميت بمنصة «الشعب» وخصصت للمتحدثين  باسم المجتمع المدني.

 

أقوال للصدر وشمس الدين

وكان زعماء يعتبرون مرجعيات جمهور فريق 8 آذار حاضرين بلافتات حملت أقوالهم في الساحة: الامام المغيّب موسى الصدر مؤسس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وحركة «امل» الذي اختفى في ليبيا عام 1978، ونائبه الامام الراحل محمد مهدي شمس الدين، والزعيم كمال جنبلاط قائد الحركة الوطنية ومؤسس «الحزب التقدمي الاشتراكي» الذي اغتيل عام 1977. ونال الصدر حصة الاسد من الأقوال الكبيرة المرفوعة، ومنها: «نريد أمناً كاملاً، لا سلاحاً ومسلحين. نريد حماية السلطات فقط للمواطنين» و «الدولة يجب ألا تمثل مصالح الاكثرية أو الأقلية، بل يجب ان تترفع وتكون بعيدة من الحزب والطائفة والفئة» و «هذا الوطن ليس ملكاً لأحد. الوطن للجميع ونحن نموت ونحافظ على وطننا» و «مبادئنا ليست آلهة من تمر نأكلها عندما نجوع». أما شمس الدين، فحملت اللافتة وصيّته الى الشيعة: «أوصي أبنائي الشيعة بألا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً». في حين حملت اللافتات المذيلة باسم «الشهيد كمال جنبلاط» أقوالاً له تشدد على معرفة الحقيقة، منها: «ان تحقيق الحرية يتطلب منكم التزاماً تاماً في الحياة، فلا يحق لكم الهروب من معركة البحث عن الحقيقة» و«الامر الوحيد الذي تستحقه الحياة هو أن تقول الحقيقة وتعمل لأجله».

 

وحمل وفد من الجبل صورة كبيرة لـ «الشهيد الاول لانتفاضة الارز غازي أبو كروم» (مرافق الوزير مروان حمادة من امن الدولة) رفعت بالقرب من المنصة الرئيسة، وتصدرت لافتة مبنى يقع قبالة الساحة كتب عليها «الف مبروك للاخوة في تونس ومصر واليمن وليبيا وعقبال العايزين»، ورفع العلم اللبناني فوق اكثر من مبنى في المحيط وعلى شرفات المنازل. وتعددت اللافتات التي حملتها الايادي ومنها «الله ما عندو سلاح»، و «ما مننسى 7 أيار وما بدنا نأخذ بالثأر بس ما تفكروا بالتكرار» وحملها شاب جاء مع رفاقه من عماطور الشوف، وكتب رب عائلة على لافتة صنعها من اوراق بيض علقها على خشبة «يا سيد حسن السلاح المقدس بوجه اسرائيل وليس بيروت» وعلى اخرى «يا سيد حسن لا تترك مجنوناً يقودك فيورطك». وأكد حاملها ويدعى عبدالرحمن وهو من بيروت انه جاء الى الساحة مع اولاده السبعة وترك طفلاً في المنزل، وهو يأتي كل سنة الى الساحة لتأكيد «اننا لسنا خونة ولا منافقين وانما شرفاء»، وقال ان ما قاله رئيس «تكتل التغيير والاصلاح» النيابي ميشال عون امس، (اول من امس) جعل من كان متردداً في النزول الى الساحة يحسم امره ويأتي». ورأى «ان حزب الله يرتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبته منظمة التحرير في لبنان في سبعينات القرن الماضي».

 

«شباب الجبل»

وعلى رغم اعلان رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» النائب وليد جنبلاط عدم مشاركة الحزب في التظاهرة، فإن مشاركة عدد من الاشتراكيين وكثير من «اهل الجبل» كانت لافتة. هؤلاء أتوا منذ الصباح من الشوف وجزء من قرى عاليه وتجمعوا قرب دار الطائفة الدرزية في فردان في بيروت، وانتقلوا سيراً الى ساحة الشهداء، فيما حضرت الوفود الآتية من قرى قضاء راشيا والمتن الاعلى وبعض قرى عاليه عبر طريق الشام الدولية وصولاً الى بشارة الخوري وساحة الشهداء. وفي الساحة برزت بينهم مجموعات شبان وشابات أرادوا تمييز أنفسهم عن المشاركين الآخرين، فارتدوا سترات بيضاً عليها من الامام عبارة «شباب الجبل» وشعار قوى 14 آذار، ومن الخلف كتبت كلمة واحدة: لأ. كما لفوا حول رقابهم وشاح ثورة الأرز 2005 الابيض والاحمر. بعضهم حمل رايات للاشتراكي وراية طائفة الموحدين الدروز بالالوان الخمسة، في حين رفع آخرون لافتات عليها: «اهل الجبل كانوا ولا يزالون وسيبقون عشاقاً للحرية والسيادة والاستقلال» و «يا وليد عن دربك ما منحيد، وولاية الفقيه ما منريد»، و «الشوف رافع رايتو الشعب كلو معارضة» و «عذراً منك يا وليد بيك جنبلاط. هذا رأينا وذاك رأيك. لا للسلاح غير الشرعي. وما مننسى 7 ايار...» و «ثورة هي أم الثورات العربية وقّعت باسم احفاد كمال جنبلاط»، والأطرف بينها لافتة حملت تعليقاً على مقولة وليد جنبلاط الشهيرة: «الى اين؟ الى مزيد من التقوقع؟»، وقد استبدلوها بأخرى هي: «الى اين؟ الى ساحة الحرية».

 

امام احدى اللافتات كانت 3  سيدات يرتدين السترات البيض يتبادلن الاحاديث عن عدد المشاركين، وتشير كل منهن في اتجاه للدلالة على ان اعداداً اضافية لا تزال ترفد الساحة. السيدات الثلاث أتين من الشوف للمشاركة. وتقول آمال العياش جمال، وتشاركها جارتاها الرأي: «عندنا عتب كبير على وليد بيك، اكيد نحن مناصرون له ومعه، لكن ليس علينا أن نغيّر موقفنا كلّما فعل هو. هو ربما كان مضطراً لهذا التغيير، لكننا لسنا مضطرين مثله. نحن اصلاً شباب 14 آذار، ونحن اكيدون أنه معنا في 14 آذار بقلبه، لكن المسدس برأسه. هو ضمناً مرتاح لأننا موجودون هنا، وهو محتار لأنه سواء كان مع 14 أو 8 ففي الحالتين راح يأكلها»، ويضيف شاب يقف بقربها: «اذا نسي هو 7 ايار فنحن لم ننس». ويؤكد فراس الدنف الآتي ورفاقه من بعلشميه أن قرار المشاركة كان فردياً.

في وسط الساحة كان الحضور طاغياً للآتين من البقاع والشمال والذين احتلوا اماكنهم في الساحة منذ الصباح الباكر وحملوا صور الرئيسين رفيق الحريري وسعد الحريري.

 

الحاج محمد الحجيري جاء وعائلته وأقاربه من عرسال في حافلات انطلقت عند السادسة صباحاً. ويقول: «جئنا لنقول لا للسلاح، ونعم للحرية والاستقلال، ونجدد ثورة الأرز»، ويشير الى أن المشهد «يذكرني بمشهد ثورة الارز عام 2005» وان «الذين انطلقوا بحافلاتهم والباصات من عرسال وغيرها من البلدات عالقين على المديرج، وسيصلون عند الثانية عشرة ظهراً».

 

في المساحة القريبة من الصيفي رفعت صورة للامين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، وعليها عبارة «شهيد الوطن»، وعلى بعد خطوات منها، تقف مجموعة شبان وشابات بسترات سود ضيقة وعليها بالابيض: «هذه ايضاً قمصان سود»، في اشارة الى نزول مناصرين لقوى 8 آذار عشية استشارات التكليف لرئاسة الحكومة بالقمصان السود. وتقول بليندا ان هذه الخطوة تأتي «رداً على حملة القمصان السود خاصتهم، لكن هذه المرة بطريقتنا وبفكرنا. لا نريد أن نرعب أحداً كما فعلوا، لكننا نريد ان نقول اننا لسنا خائفين»، وتعبر عن استيائها من «مضايقة تعرض نا لها» من عناصر الجيش اللبناني المكلفين حفظ الامن في محيط الساحة، وتقول: «منعونا من ادخال اللافتات الى الساحة، مع انني قلت له اننا هنا لندافع عن سلاحكم. لكنهم أخذوا منا اللافتات، ما عدا مجموعة تمكنا من تهريبها. قالوا ان الشعارات ممنوعة وانه يسمح فقط بإدخال العلم اللبناني».

 

ومن اللافتات التي حملها الأتون من الاشرفية: «مووو ظني. مووو اتهامي... نهائي» في اشارة الى القرار الاتهامي المتوقع صدروه عن المحكمة الدولية و «السلاح معكم، الى متى؟» و «يا (إمّا) كلنا، يا ما حدا» و «الشعب يريد الطلاق»... كما رفعت لافتة بالانكليزية تغمز من قناة رئيس المجلس النيابي اللبناني منذ العام 1992 نبيه بري، وعليها:

- «زين العابدين بن علي: 1987-2011

- حسني مبارك: 1981- 2011

- نبيه بري: 1992- 2011».

وكان لافتاً رفع اعلام لعدد من الدول العربية، ومنها علم الاستقلال الليبي الذي يحمله الثوار في ليبيا والعلم المصري والعلم السعودي والعلم التونسي. كما رفعت في منتصف المهرجان الخطابي صورة عملاقة لخادم الحرمين الشرفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على واجهة احد الابنية في ساحة الشهداء.

 

منصة «الشعب»

الناشطون على منصة «الشعب» الذين رفعوا صورتي سمير قصير وجبران تويني مذيلة بعبارة «بدمكم انكتب استقلال لبنان»، عبروا عن رأيهم بالسلاح على طريقتهم، فقالت غادة صاغية: «نحن اصحاب حق ولا نخافكم وسلاحكم لا يخيفنا، ونحن اخوة بالوطن ولبنان هو المقدس وليس السلاح، وكفوا عن الصراخ في وجهنا، نحن لا نخاف من تداول السلطة لاننا مصدر السلطة، نحن الشعب».

وقال الاعلامي نديم قطيش: «انا هنا من اجل ابنتي ناي، من اجل مستقبلها ومستقبل كل طفل لبناني اولاً»، ورأى ان مسؤولية قوى 14 آذار «الا تتنازل عن مشروع الدولة». وكان على لائحة المتحدثين اسماء كثيرة لكن اخطاء فنية حصلت وانقطع التواصل ما بين المنصتين، لتنطلق بعدها كلمات السياسيين والحزبيين من على المنصة الاخرى، واستهلها النائب السابق سمير فرنجية بإبلاغ الجموع بأن ما يحصل اليوم هو «انتفاضة الكرامة».

 

وانشغل المشاركون في  التصفيق تأييداً أو الهتاف تنديداً بما يقال. وقوبل صعود رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع على المنصة باطلاق مناصريه بالونات بيض وحمر وخضر في الهواء، في حين قوبل صعود رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري على المنصة بموجة تصفيق وصراخ وهتاف، ورد رجال في الساحة على خلع الحريري سترته وربطة العنق ورفع اكمام القميص بأن غطوا بأكفهم اعين زوجاتهم او صديقاتهم بجوارهم تعبيراً عن «غيرتهم» من الحريري.

مع انتهاء الاحتفال، وعودة المشاركين فيه الى منازلهم، تردد ان شباناً ظهروا يحملون عصياً في محلة بشارة الخوري الا ان التواصل بين الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي من جهة ومسؤولين في «حزب الله» وحركة «امل» الذين اكدوا انهم يرفضون حصول اي مشكلة، ادى الى تطويق الحالة وواكب الجيش الناس الى خارج المنطقة.