Date: Mar 20, 2011
Source: جريدة الراي الكويتية
لبنان يلهو بـ «حروبه الباردة» مع انشغال المنطقة بحروبها الساخنة
تشكيل الحكومة يراوح في «غرفة الانتظار»

 | بيروت ـ من وسام أبو حرفوش |

 

... «إنه في أسفل السلم»، بهذه العبارة وصفت دوائر مراقبة في بيروت مكانة لبنان في سلم الاولويات «اللاهبة» في المنطقة. فرغم «الحرب الباردة» بين طرفي الصراع فيه فإن اوضاعه «تحت السيطرة»، وفي إمكانه ان يلهو الى اجل غير مسمى في البحث عن «جنس» الحكومة.


هذا «التوصيف» يستمد واقعيته من تسونامي التحولات الكاسحة في غير مكان من العالم العربي المترنح فوق فوهة من الغليان المتدحرج كـ «كرة نار» تخطف الانظار عما يجري في لبنان المسكون منذ امد طويل بصراعات على شكل «كر وفر» أمكن التعايش معها نظراً لاستحالة حسمها.


وبدا من الطبيعي انتقال لبنان، رغم الضجيج فيه، الى المقاعد الخلفية بعدما انفجرت الاوضاع وعلى نحو دراماتيكي في مجموعة من دول المنطقة ودفعة واحدة، بدءاً من تونس فمصر، مروراً باليمن وصولاً الى ليبيا فالبحرين، وسط مؤشرات على امكان انفجار الاحتجاجات في دول اخرى، كما يجري الآن في سورية.


وكشفت تقارير وصلت الى بيروت اخيراً عن ان العواصم الاقليمية الرئيسة تدير ظهرها للوضع في لبنان مع تصدر المشكلات المتفجرة في غير مكان سلم الاهتمامات، لا سيما تلك التي اطلت من ليبيا والتي في ضوئها يمكن ان تتقرر مجموعة «مسائل» في المنطقة، ومن البحرين التي تضج بإشكاليات بالغة الحساسية.


وانسجاماً مع هذه التقديرات، اكدت مصادر واسعة الاطلاع لـ «الراي» ان مهمة مستشار الملك السعودي، نجله الامير عبد العزيز في سورية اخيراً لم تتطرق الى الوضع في لبنان، بل كانت تتصل بالوضع في البحرين، وهو الامر الذي ترجم الزيارة الخاطفة التي قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم لطهران.
وإذ فهم ان المملكة العربية السعودية ارادت ايصال رسالة لمن يهمهم الامر وبـ «البريد السوري» بأن دخول «درع الجزيرة» الى البحرين يتم وفق معاهدات خليجية لحفظ امن البحرين وليس لأي اسباب من طبيعة مختلفة، فإنه كان من الصعب فهم الجواب.


وثمة اجواء في بيروت توحي بأن سورية «المشغولة» بأوضاعها الداخلية بدت اخيراً «مضطربة» في مقاربتها للوضع في لبنان، خصوصاً وانها لم تعد قادرة على توسيع الهوة مع المملكة العربية السعودية من جهة، ولشعورها بأنها تخضع لـ «المجهر» الدولي من جهة اخرى.
ومن غير المستبعد في هذا السياق ان تكون دمشق، التي تحفظت على الموقف العربي والدولي من نظام القذافي، قرأت جيداً قرار مجلس الامن وما تلاه من تحركات عربية وغربية حيال الوضع في ليبيا، الامر الذي يجعلها اكثر حذراً في سلوكها ازاء الملفات الداخلية والخارجية على حد سواء.


هذا «الانشغال» عن لبنان دفعه الى «الانتظار الثقيل» وسط «ستاتيكو» محكوم بـ «خواء سياسي» من جهة مرده الى حسابات داخلية وخارجية تعوق تشكيل حكومة جديدة، و«ضجيج» من جهة اخرى تقوده حركة «14 آذار» المعارضة في مواجهة سلاح «حزب الله» وتحكمه بالعملية السياسية.


وكانت بيروت عاينت امس المشهد «اللاهب» الذي يرتسم على امتداد «قوس الثورات» المتنقلة في العالم العربي، فيما بقي الملف الحكومي «في ثلاجة الانتظار» الذي يملأه فريق 8 آذار بمفاوضات «الخطوة الى الامام والخطوتان الى الوراء»، فيما تستفيد منه قوى 14 آذار لتعزيز «خطوطها الهجومية» التي «تتلاحم» فيها القيادة مع القاعدة تحت سقف سياسي اعلنت ان «لا رجوع عنه» وعنوانه «رفض وصاية السلاح».


وقد تحوّل قرار 14 آذار بـ «مصالحة» الشارع واستعادة «التفويض» من جمهورها ابتداء من مهرجان 13 مارس الجاري، ورقة ضغط على الوضع الداخلي ولا سيما على الرئيس المكلف، وإن كان «حزب الله» يتعاطى مع وضع سلاحه على طاولة «المشكلات الوطنية» على طريقة «لم نسمع شيئاً» على ما قال نائب امينه العام الشيخ نعيم قاسم، وذلك في إطار قرار الحزب برفض استدراجه الى سجال حول السلاح «بالتوقيت والمكان» الذي اختارته «المعارضة الجديدة».


على انه اذا كان «حزب الله» قادراً على اعتماد سياسة «لم نسمع، لن نردّ» انطلاقاً من واقعه تجاه جمهوره وموقعه في المعادلة الداخلية وامتداداتها الاقليمية، فان الرئيس ميقاتي بدا امام هامش مناورة يضيق كلما مرّ الوقت وهو محاصَر بـ «النيران الصديقة» التي تعبّر عنها «الشروط المتصلبة» لزعيم «التيار الوطني الحر» النائب العماد ميشال عون، كما بتحقيق خصمه رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري «تقدمات سريعة» في الشارع السني الذي نجح زعيم «المستقبل» في «استرداده» الى تحت جناحه بصورة كبيرة، وهو المشهد الذي ارتسم «تحت شرفة» منزل ميقاتي في مسقطه طرابلس حيث احتشد الآلاف في المهرجان الذي اقامه الحريري والذي خرج منه زعيم المعارضة الجديدة بـ «مظلة» سنية وازنة و«بوليصة تأمين» تغطي حركته (من ضمن 14 آذار) التصاعدية في تصعيدها السياسي والميداني «السلمي»، ما يضع الرئيس المكلف امام «خطوط حمر» تجعله غير قادر على تقديم تنازلات مكلفة في مسار تأليف الحكومة.


وفيما عاد الحريري ليل الجمعة الى بيروت استعداداً لجولات لاحقة في مناطق بقاعية وجنوبية وشمالية وفي جبل لبنان، نُقل عن مصادر ميقاتي بعيد كلمة زعيم «المستقبل» في طرابلس ان همّ الرئيس المكلف «هو تشكيل الحكومة وليس أي أمر آخر. ولكل فريق أن يتولى تأويل الامور كما يريد، لكنه لا يحق لأحد ان يختزل رأي أهالي طرابلس الذين عبّروا عن مواقفهم في أكثر من مناسبة».


وفيما يحاذر ميقاتي القيام بـ «خطوات ناقصة»، برزت المعلومات عن تمادي أزمة الثقة بينه وبين العماد عون وسط تقارير عن انه تناهى الى مسامع الرئيس المكلف أن زعيم «التيار الحر» يتجه إلى سحب الثقة التي أولاها له في الاستشارات النيابية الملزمة والتي أسفرت عن تسمية ميقاتي بـ 68 نائباً من بينهم 27 نائباً من تكتل «الاصلاح والتغيير»، منهم 21 نائباً من «التيار الوطني الحر»، وأنه أوعز إلى مراجع قانونية ودستورية درس مفاعيل هذه الخطوة، ما دام الرئيس المكلف لم يتجاوب معه في مطالبه ولا سيما بحصوله على ما لا يقل عن الثلث زائد في الحكومة مع حقيبة الداخلية.


وكان نائب الامين العام لـ «حزب الله» كسر الصمت الذي اعتمده الحزب منذ اسقاط حكومة الرئيس الحريري حيال مواقف قوى 14 آذار من سلاحه، اذ اعلن الشيخ قاسم ان «ما يجري اليوم في ساحة لبنان يبيّن بشكل واضح ان جماعة 14 آذار لا يتحملون لا القوانين ولا الطائف ولا الاختيار الشعبي ولا الآليات الدستورية»، وقال متطرقاً الى مهرجان 13 مارس: «درسنا هذا المهرجان وما حصل فيه لنجد هل ان المطلوب ان نتحدث بشيء او ان نرد على موقف سياسي. ولكن بكل صراحة لم نجد في 13 مارس اي شيء يستحق الرد، لاننا لم نسمع شيئا في السياسة يتطلب نقاشا، ولم نكن امام مشروع يتطلب حوارا، وانما كنا امام حفل طريقة التصرف فيه هم يتحملون مسؤوليتها، ولكن نحن لسنا معنيين بما قالوه وبما جرى، ولذلك لم نردّ ولن نرد على ما حصل».