|
عمان – من عمر عساف: لا يستطيع الاردنيون بأي شكل التغاضي عن الحراك الشعبي العربي الذي يدور من حولهم، والذي وصل بعضه الى حدودهم الشمالية (سوريا) وكاد ان يصل الى جنوبهم (السعودية). ولا يستطيعون كذلك الامتناع عن مقارنة التطورات المتسارعة جدا عربيا بالوعود الجوفاء التي يتلقونها محليا كل يوم على مختلف المستويات دونما آثار على الارض، سوى الاحساس بالغبن والاستهتار بعقولهم.
وباتت الاسطوانة المشروخة التي يرددها كثيرون ممن يعارضون الاصلاح (باطنيا) وخصوصا اولئك المتنفذون في اجهزة الحكم وما يرتبط بهم من وسائل اعلام، بان الاردن "ليس تونس ولا مصر... ولا ليبيا ولا اليمن ولا البحرين ولا سوريا" لا تجد آذانا صاغية من احد، خصوصا ان هذه الاسطوانة ترددت في كل بلد لفحته رياح التغيير بعد تونس.
وحقيقة ان "الاردن ليس ايا من هذه البلدان" لا يشكك فيها احد، كما لا يستطيع احد ان ينكر ان الوضع فيه لا يختلف عنه في هذه البلدان، وليس بافضل منها، ان لم يكن بعضها افضل منه، كما الوضع الاقتصادي في تونس وفي البحرين وفي ليبيا. ويرى استاذ العلوم السياسية في الجامعة الاردنية الدكتور عبدالله النقرش ان استبعاد الاردن عما يحدث في المنطقة العربية "لا يجدي نفعا". ويشرح ذلك، في مقالة اوردها موقع عمون الاخباري، قائلا: "لان الاردن يقع بكل بساطة في دائرة التأثر، ويعاني كل الظروف والتعقيدات والقضايا التي يعانيها الآخرون". وهو يحذر من ان تفاقم المشاكل والوصول الى حال القنوط ليس من مصلحة لاحد فيه، "فلقد تعب المجتمع من تكرار الوجوه ذاتها والوعود ذاتها والسياسات ذاتها والعبارات ذاتها".
نيات وإرادات صحيح ان المملكة الهاشمية سبقت غيرها في الحديث عن ضرورة الاصلاح والانخراط في العملية الاصلاحية جديا، لكنها كانت جدية في البقاء في دائرة "الحديث فقط" ودائرة النيات ولم يترجم اي منها الى افعال. وحتى عندما بدأت رياح التغيير تهب من الشرق، وتبعتها بعد ذلك من باقي جهات الارض، لم ير احد "خطوات او مؤشرات تدل على الجدية"، كما يقول رئيس اللجنة السياسية في جماعة "الاخوان المسلمين" الدكتور رحيل الغرايبة. الغرايبة الذي كان احد قياديي الحركة الاسلامية الستة الذين التقوا العاهل الاردني الملك عبدالله بن الحسين الشهر الماضي للمرة الاولى منذ توليه الحكم قبل 11 سنة، لم يكن متفائلا خلال حديثه الى "النهار" خلافا لما كان عقب اللقاء الملكي.
وهو دلل على ما يقوله بالاشارة الى انه "لا الحكومة ولا قراراتها ولا اللجان التي تشكل ولا اللجنة المشكلة للحوار الوطني وطريقة اختيارها واعضاءها توحي بجدية الاصلاح". وشدد على ان الاصلاح يقتضي التعامل مع الاصلاحيين ومن لديهم برامج اصلاحية وليس الذين مارسوا الظلم والفساد والكبت، لا التجييش ضد الاصلاحيين واطلاق البلطجية لاظهار دعوات الاصلاح كأنها ستجر البلاد الى خراب. ولاحظ الغرايبة، وهو من مؤسسي مبادرة الملكية الدستورية، ان من ينوي الاصلاح لا يبحث عن تشكيل لجان وينتظر ثلاثة او ستة اشهر للخروج بنتائج، وانما "يحتاج الى قرارات حاسمة تتخذ في يوم واحد وتطمئن الناس الى جدية النظام في هذا التوجه".
هذا الرأي لا يوافق عليه النائب المخضرم عن المقعد المسيحي في الزرقاء، السياسي اليساري بسام حدادين، اذ يصف هذا التفكير بانه "نوع من النزق السياسي"، ويقول ان الامور تحتاج الى وقت وظروف موضوعية تتيح تغيير قواعد اللعبة السياسية من دون القفز في المجهول. ولكن، هل يملك الاردن ترف الوقت؟ مصر التي عاشت 30 سنة تحت حكم ديكتاتوري استبدادي عطل الدستور وفرض حال الطوارئ بلا مبرر، وتربت عليها ثلاثة اجيال، استطاعت في غضون شهرين فقط ان تزيح كل ذلك الركام وتخرج بمشروع دستوري جديد يولد في رعاية من الثورة الشعبية التاريخية التي جرت هناك. فلماذا لا يحدث الاردن تحولات سياسية سلمية بصورة توافقية من دون تضييع الوقت الذي قد لا يرضي الناس المتشوقين الى الاصلاح؟
مضيعة الوقت "غير المبررة" هذه، يعتقد الغرايبة انها تجعل الناس يشكون في صحة النيات وجديتها. وهو يخشى ان تكون مجرد "حبوب تسكين" وانتظارا لمعرفة ما قد تسفر عنه الاحداث في البلدان المحيطة، عسى ان تتمخض النتائج عن سيناريوات تبقي الامور في الاردن كما هي، فلا يضطر الى تقديم "تنازلات" يمكن تجاوزها.
ويقترب النقرش كثيرا من طرح الغرايبة، اذ لاحظ "اننا ما زلنا نتعامل مع الثورة العربية الراهنة بمنهج ادارة الازمة، وكأنها مجرد حدث عابر يمكن احتواؤه وتطويعه والالتفاف على مسبباته الكثيرة والمعروفة". وفي اعتقاده ان البلاد تحتاج الى "تغيير جوهري في الطبقة السياسية القائمة تأصيلا وتوريثا"، وهذا "جوهر ما هو مطروح عربيا واردنيا خصوصا". اما اذا كان ثمة من يرى ان الاردن يمكن او يجب ان يكون خروجا على القاعدة، فعندها، استنادا الى النقرش، يصير المطلوب "تغيير المجتمع وليس الطبقة السياسية".
الشد العكسي هذه الامور كلها دفعت كثيرين الى التساؤل عما اذا كان الملك يريد الاصلاح حقا، أم ان ثمة من يضع العراقيل في وجهه؟ يؤكد الباحث السياسي جمال الطاهات ان هناك فعلا من يريد ان يخرب على الملك ويمنع الاصلاح بأي وسيلة. وهو قال لـ"النهار" ان هؤلاء الاشخاص او القوى "غير ظاهرين للعيان" وإن تكن افعالهم تشاهد يوميا، وانهم يعملون على توريط الملك وزعزعة ثقة الناس به ومحبتهم له بحيث يبدو إما عاجزا عن قيادة الاصلاح وإما غير راغب فيه. ويتساءل عن المغزى من تسميم العلاقة بين الملك وقبائل بني صخر وبني حميدة وبني حسن والحجايا، التي يعمل معظم ابنائها في الجيش، من طريق اثارة موضوع اراضي الواجهات العشائرية التي زين بعض الساسة للملك ان يسجل بعضها باسمه. كما يشير الى التحشيد ضد الفلسطينيين بالاساءة الى قياديين اسلاميين ذوي اصل فلسطيني مثل الشيخ همام سعيد المراقب العام لـ"الاخوان المسلمين" والشيخ حمزة منصور الامين العام لحزب جبهة العمل الاسلامي، من دون التعرض لغيرهم من القيادات الاسلامية ذات الاصل الاردني.
ويعتقد ان التركيز على الملكة رانيا، قرينة الملك، والمبالغة في تضخيم دورها، والغمز من جانب اصولها الفلسطينية، وكذلك التحشيد الاحتفالي بالملك ضد مسيرات الاصلاح واظهار البلاد وكأن هناك طرفاً ضد الملك وآخر معه، هدفها "احداث فجوة حقيقية بين الملك والشعب تنفيذا لاجندات، تقترب كثيرا من الاجندة الاسرائيلية". ويتفق الغرايبة مع الطاهات على وجود من يخرب على الملك، ولا يستبعد ان يكون هناك "عملاء" لاسرائيل يسعون الى تنفيذ المخطط الاسرائيلي في الاردن، ويضيف ان "كل المنتفعين من الوضع الراهن هم كذلك ضد الاصلاح ويسعون الى اجهاضه ايا تكن الكلفة".
ويذهب الطاهات الى ان الاسرائيليين يجهدون لـ"خلط الاوراق في الاردن بما يقوض النظام الهاشمي، والسيناريو: اما ان يأتي اناس موالون، واما ان يأتي معارضون بما يبرر لاسرائيل التدخل وتنفيذ مخططها الثلاثي ضد الاردن: وطن بديل ومخزن وأيد عاملة ومجال حيوي ومنفذ الى الخليج العربي". فهل ان النظم السياسي يراوغ للقفز على المطالب الاصلاحية؟ ام ان ثمة فعلا من يخرب على الملك؟ وفي كلا الحالين، كم يصبر الشعب قبل ان يتدخل هو للحسم؟
|