Date: Mar 27, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
حركة احتجاجات واسعة في "جمعة الكرامة" تمتد من درعا الى اللاذقية وأعداد القتلى الى ارتفاع
استمرار التظاهرات يضع الأسد أمام أسوأ تحدٍّ منذ 11 عاماً في السلطة

واجه الرئيس السوري بشار الاسد أشد ازمة في 11 عاماً له في السلطة مع سيطرة محتجين مناهضين للحكومة على مدينة درعا الجنوبية وانتشار الاضطرابات الى باقي مناطق سوريا واستمرارها امس في اكثر من مدينة من اقصى الشمال السوري الى اقصى الجنوب في حركة احتجاجات لا مثيل لها ولم تكن لتخطر بالبال قبل شهرين فقط في اكثر الدول العربية قيوداً على الاحتجاجات.
وغداة يوم غضب في ما اطلق عليه المحتجون "جمعة الكرامة" وشهد مواجهات دامية بين قوى الامن والمتظاهرين أدت الى سقوط اكثر من 20 قتيلا اول من امس، تواصلت الاحتجاجات امس في درعا ومدن اخرى.
 
اللاذقية
وابلغ الناشط الحقوقي السوري عمار قربي "رويترز" في اتصال هاتفي من القاهرة، أن قوات الأمن السورية قتلت امس اثنين من المحتجين حاولا إحراق مقر حزب البعث الحاكم في مدينة اللاذقية الواقعة على البحر الابيض المتوسط.
لكن مصدراً سورياً رسمياً قال ان قناصين تابعين لـ"مجموعة مسلحة" اطلقوا النار على المارة في اللاذقية مما ادى الى مقتل شخصين وجرح اثنين آخرين.
وكان مسؤول سوري رفيع صرح في وقت سابق بأن "مجموعة مسلحة احتلت اسطح ابنية في بعض احياء مدينة اللاذقية واطلقت النار على المارة والمواطنين وقوى الامن".

درعا
وفي درعا، التي انطلقت منها المواجهات الاسبوع الماضي، روى امس شاهد أن قوات الأمن السورية أطلقت الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المحتجين الذين نظموا اعتصاما في واحد من الميادين الرئيسية في المدينة وطالبوا بإسقاط حكم الرئيس بشار الأسد. وأضاف ان ثلاثة من الشبان المحتجين صعدوا الى ما تبقى من تمثال الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد الذي حطمه المحتجون الجمعة ورفعوا قطعة من الورق المقوى كتب عليها شعار "الشعب يريد اسقاط النظام".
وافادت منظمة العفو الدولية أن 55 شخصاً على الأقل، يعتقد انهم قتلوا خلال أسبوع من الاضطرابات في مدينة درعا، وفي محيطها، حيث جرت اشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن.
وقال سكان إن آلاف المشيعيين في قرية طفس قرب بلدة درعا أشعلوا امس النيران في مقر محلي لحزب البعث ومركز للشرطة أثناء تشييع جنازة محتج قتل الجمعة في درعا.


وفي حمص، اوردت الوكالة العربية السورية للانباء "سانا" ان "مجموعة مسلحة هاجمت نادي الضباط في المدينة وقامت بعمليات تخريب وإطلاق نار، ما ادى الى مقتل المواطن عادل فندي".
واشارت الى "أن مجموعة مسلحة هاجمت مقراً للجيش الشعبي في بلدة الصنمين محاولة اقتحامه حيث تصدى لها حراس المقر، واسفر الاشتباك عن مقتل عدد من المهاجمين".
وكانت مجموعة "يوم الغضب السوري" التي اثارت موجة التظاهرات، دعت الى "انتفاضة شعبية" امس في كل المدن السورية "لاغاثة مدينة درعا" غداة تظاهرات في المدن السورية الكبرى. وشددت على عبارة "قولوا الله يارجال" التي شاع استخدمها من الثوار ضد الاحتلال الفرنسي في مسلسل "باب الحارة" الجماهيري.

"جمعة الكرامة"


وكانت الاحتجاجات انتشرت في أنحاء سوريا اول من امس تلبية لدعوة على موقع "فايسبوك" للسوريين الى المشاركة في "جمعة الكرامة" في تحد لحكم أسرة الأسد المستمر منذ 40 عاما.
وسقط المزيد من الضحايا بعد صلاة الجمعة، مع اعلان تقارير ان 23 شخصا على الاقل قتلوا بما في ذلك للمرة الاولى في العاصمة دمشق.


وفي درعا شارك عشرات الآلاف في تشييع جنازات بعض القتلى وهم يرددون"حرية ". وفي ساحة في وسط المدينة اسقط محتجون تمثالا للرئيس الراحل حافظ الاسد قبل ان يطلق رجال أمن في ملابس مدنية النار من مبان مستخدمين بنادق آلية.
وبعد اسقاط التمثال في مشهد اعاد الى الاذهان إسقاط تمثال الرئيس العراقي الراحل اسقاط صدام حسين في العراق عام 2003 على يد القوات الاميركية، سكب بعض المحتجين الوقود على التمثال المكسور واضرموا النار فيه.


وردد المتظاهرون هتافات وصفت شقيق الرئيس ماهر الاسد بأنه "جبان" وطالبته "بإرسال قواته لتحرير هضبة الجولان" التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967.
وتفرق الحشد المؤلف من نحو ثلاثة آلاف شخص تحت وابل من الرصاص والغاز المسيل للدموع. وشوهد بعض الجرحى ينقلون الى سيارات وعربات اسعاف.
لكن شاهداً روى انه بحلول المساء بدا ان قوات الأمن اختفت وتجمع حشد من المحتجين مرة اخرى في الميدان الرئيسي واضرموا النار في مبنى حكومي.
وفي بلدة الصنمين التي تقع بمحاذاة درعا، افاد سكان محليون ان 20 شخصا قتلوا عندما اطلق مسلحون النار على حشد خارج مبنى تستخدمه المخابرات العسكرية وهي جزء من جهاز امني ضخم يتولى حماية حكم حزب البعث منذ عام 1963.
وقالت "سانا" ان قوات الامن قتلت مهاجمين مسلحين حاولوا اقتحام المبنى.


وفي حماة بوسط البلاد، افاد سكان أن متظاهرين تدفقوا الى الشوارع عقب صلاة الجمعة وهتفوا بشعارات داعية إلى الحرية. وكان الرئيس الراحل حافظ الأسد قد أرسل قواته إلى هذه المدينة في 1982 لسحق تمرد مسلح لحركة "الإخوان المسلمين" مما ادى الى مقتل الآلاف.
وفرق رجال الامن بسرعة تظاهرة صغيرة في دمشق، واعتقلوا العشرات من بين حشد ضم نحو 200 هتفوا بشعارات مؤيدة لدرعا.
كما أكدت شاهدة "ان قوات الامن فرقت بالقوة تظاهرة في حي العمارة في قلب العاصمة دمشق".


وفي وقت لاحق قال سكان ضاحية المعضمية بدمشق ان ثلاثة اشخاص قتلوا عندما واجه حشد رتل سيارات لانصار الاسد. وفي التل قرب دمشق قال سكان ان الف شخص تجمعوا ورددوا شعارات.
وفي المقابل، لوح آلاف من انصار الاسد بالأعلام وقاموا بمسيرات في دمشق ومدن اخرى لاعلان تأييدهم لحزب البعث والاسد.
واكد المرصد السوري لحقوق الانسان الذي يتخذ لندن مقرا، أن "نحو ثلاثة آلاف شخص تظاهروا في مدينة بانياس الساحلية" والتي سبق ان شهدت تظاهرة الجمعة الماضي.


كما بثت قنوات فضائية ومواقع انترنت عدة صوراً لتظاهرات في الشوارع او المساجد في مدن سورية عدة، لا سيما حمص وحماة واللاذقية، شارك فيها الآلاف من المتظاهرين في "جمعة الكرامة". وطالب بيان نشره "فايسبوك" على صفحة باسم اتحاد شباب سوريا "بتنحي الرئيس السوري وأركان النظام بشكل كامل وقيام حكومة موقتة تمثل كل مكونات الشعب السوري تقود البلاد عبر مرحلة انتقالية تطلق فيها الحريات وترفع حال الطوارئ وتطلق السجناء السياسيين".
واتهم مسؤولون حكوميون معارضين مسلحين بالمشاركة في التظاهرات، وقالوا ان استخدام القوة له ما يبرره. وفرضت السلطات قيودا على تحركات الصحافيين.

تغيير حكومي
وجاءت التظاهرات الجديدة على رغم اعلان القيادة السورية الخميس سلسلة اصلاحات "تلبي طموحات" الشعب في محاولة لاحتواء الوضع وتهدئة النفوس وقيامها باطلاق جميع الموقوفين على خلفية احداث درعا. كما اكدت منظمات حقوقية الافراج عن 260 معتقلا سياسيا ينتمي معظمهم الى حركات اسلامية وبينهم 14 كرديا.
ومن بين الاجراءات التي اعلن عنها على لسان مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان، دراسة الغاء قانون الطوارئ المعمول به منذ عام 1963، واعداد مشروع لقانون الاحزاب وزيادة رواتب الموظفين في القطاع العام.


كما اكد مصدر سوري مطلع ان الاسبوع الجاري سيشهد تغييرا حكوميا واسعا في سوريا. واشار الى ان هناك اجراءات لضم وزارتي الاقتصاد والصناعة في وزارة واحدة لتصير وزارة التجارة والصناعة مع دمج وزارتي الكهرباء والنفط بوزارة تدعى الطاقة، وكذلك ضم وزارة المغتربين الى وزارة الخارجية.

"مشروع فتنة"
واعتبرت المستشارة شعبان ان الاحداث التي تجري حاليا في سوريا تندرج ضمن "مشروع طائفي" يحاك ضد سوريا ولا علاقة له بـ"التظاهر السلمي" و"المطالب المحقة والمشروعة" للشعب السوري. وقالت في لقاء مع الصحافيين في دمشق "ان ما نحن بصدده ليس تظاهرات سلمية مطلبية تريد ان تسرع من وتيرة الاصلاح في سوريا" بل هو شيء "مختلف وليس له علاقة بالمطالب المحقة والمشروعة التي يتم تلبيتها تباعا". واضافت ان "ما تاكدنا منه حتى الآن بعدما اتضحت بعض الصور ان هناك مشروع فتنة طائفية في سوريا". واضافت: "اننا نمر الان بمرحلة دقيقة وحساسة واستهداف سوريا ليس جديدا".


وقالت ان سوريا افشلت في السابق "مشروع الفتنة"، مشيرة الى انه "في عام 1979 وقع اول حادث للاخوان المسلمين عندما قتل شيخ سني وآخر علوي في اللاذقية بينما كان كل منهما متجها لاداء الصلاة، حيث تبادل الطرفان الاتهامات". ووجهت اصابع اتهام الى فلسطينيين بالتورط في احداث وقعت في اللاذقية الساحلية الجمعة. وقالت "اتى اشخاص البارحة من مخيم الرملة (للاجئين الفلسطينيين) الى قلب اللاذقية وكسروا المحال التجارية وبدأوا بمشروع الفتنة، وعندما لم يستخدم الامن العنف ضدهم خرج من ادعى انه من المتظاهرين وقتل رجل امن واثنين من المتظاهرين".
 واعتبرت شعبان ان "العيش المشترك في سوريا هو احد الاهداف الاساسية" لهذا المشروع الذي "يسعى للنيل من عزة وموقف سوريا، وان هذا التجييش الطائفي يستهدف وحدة سوريا". وأشارت الى قدرة الشعب السوري الكفيل "بتجاوز هذا الاستهداف بوعيه وحبه وحكمته".

خدام
وقال نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام، الذي استقال وانشق عن حزب البعث الحاكم عام 2005، "إن دماء شهدائنا ستحرق هذا النظام وإن شعبنا سيدفنه في مدافن التاريخ". وقال:"أتوجه الى القوات المسلحة مرة ثانية. أدعوها لاتخاذ خيارها الوطني وتحديد مسارها، ان تحدِّد اذا كانت مع الشعب ام مع الاسرة الحاكمة المستبدة. ان خيارها مع الشعب يضعها في حضن الوطن وخيارها مع الاستبداد يضعها في حضن المسؤولية وفي حضن المساءلة".

تنديد
دوليا، دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من بروكسيل سوريا الى وقف العنف حيال المتظاهرين، مؤكدا ان رد فعل الاسرة الدولية "سيكون هو نفسه في كل مرة".
وقال ان "كل زعيم، وخصوصا كل زعيم عربي، يجب ان يفهم ان رد فعل الاسرة الدولية سيكون هو نفسه في كل مرة" بينما تشن فرنسا ودول غربية اخرى عملية عسكرية في ليبيا هدفها وقف هجوم القوات الليبية الموالية للعقيد معمر القذافي على الثوار.


كما نددت الولايات المتحدة بـ"القمع الوحشي" للتظاهرات في سوريا. وصرح الناطق باسم البيت الابيض جاي كارني، بأن "الولايات المتحدة تندد بشدة بالقمع الوحشي للتظاهرات من جانب الحكومة السورية، خصوصا العنف ومقتل المدنيين على يد قوات الامن".
واتصل الامين العام للامم المتحدة بان كي - مون هاتفيا بالاسد ليحضه على ممارسة "اقصى درجات ضبط النفس" من حكومة تواجه منذ فترة طويلة اتهامات باتخاذ اجراءات متطرفة لقمع المعارضة.


ودعت وزارة الخارجية التركية سوريا إلى الوفاء بوعود الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي في أسرع وقت ممكن في مواجهة الاضطرابات.
ونددت الممثلة العليا للاتحاد الاوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الامنية كاثرين آشتون امس بتعابير شديدة اللهجة بالرد "القاسي" الذي اعتمدته السلطات السورية على "المطالب المشروعة" للمحتجين.


واعرب وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الاوسط وشمال افريقيا اليستور بورت عن "قلقه الشديد ازاء استخدام العنف ضد المتظاهرين" في سوريا.
وحذرت المفوضة العليا لحقوق الانسان في الامم المتحدة نافي بيلاي سوريا من مغبة الدخول في "دوامة العنف" من جراء القمع العنيف للتظاهرات، ودعت الى استخلاص العبر مما جرى في الدول العربية الاخرى.
ورحبت منظمة المؤتمر الإسلامي بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أعلنتها سوريا في أعقاب التطورات والأحداث الأخيرة.
و ص ف، رويترز، أ ش أ، أ ب