|
صنعاء - "النهار": عادت جهود الحل السلمي لأزمة الاحتجاجات المطالبة بإسقاط نظام الرئيس اليمني علي عبدالله صالح أمس، وكشفت دوائر سياسية في المعارضة أن الرئيس عرض مبادرة تقترح نقل صلاحياته إلى حكومة انتقالية مع بقائه في منصبه حتى نهاية فترة ولايته الرئاسية سنة 2013. وقال قياديون معارضون إن السفير الأميركي في صنعاء جيرالد فايرستين عقد سلسلة لقاءات جمعت قادة أحزاب المعارضة في تكتل اللقاء المشترك وحزب المؤتمر الحاكم، لمناقشة تنفيذ هذه المبادرة، من طريق أعطاء المعارضة صلاحية اختيار رئيس للحكومة، على أن تشرف على الانتخابات حتى نهاية السنة الجارية، فيما أكدت مصادر أن الرئيس متمسك بخيار بقائه في السلطة الى حين انتهاء فترة ولايته الرئاسية.
وأكد فايرستين دعم واشنطن لأي مبادرات تضمن حلا سلميا للأزمة، وشدد على ضرورة أن يضطلع حزب المؤتمر الحاكم بدور في تحقيق ذلك. وأعلن المحتجون في إئتلاف شباب الثورة عدم اعترافهم بأي مبادرات لا تضمن رحيلا فوريا للرئيس ومحاكمة أركان نظامه، وتعهدوا تصعيد حركة الاحتجاجات بدعوة المواطنين إلى عصيان مدني شامل، وذلك لإرغام الرئيس علي صالح على التنحي من دون شروط.
وجاء ذلك فيما شهدت العاصمة اليمنية وبعض المحافظات تظاهرات استمرت حتى الليل، شارك فيها عشرات الآلاف الذين جابوا الشوارع وهم يهتفون: "الشعب يريد إسقاط النظام"، "لن نرتاح لن نرتاح حتى يسقط السفاح"، وسط انتشار أمني كثيف، مع تطبيق السلطات اليمنية إجراءات عسكرية استثنائية، بموجب خطة إعلان الطوارئ، إذ شوهدت عشرات الدبابات والمدرعات في الشوارع وفي محيط القصر الرئاسي، بعدما أقفلت الكثير من الشوارع المؤدية إليه.
ونظم المحتجون تظاهرات في محافظات صنعاء وتعز وإب وجابوا الشوارع حاملين لافتات تطالب الرئيس علي صالح وأفراد عائلته بالرحيل وبمحاكمة المسؤولين عن جرائم قتل تعرض لها المحتجون في ساحات الاعتصام في الفترة السابقة. وانضم مئات الرياضيين الشباب إلى المعتصمين في "ساحة التغيير" بجامعة صنعاء، وأعلنوا تأييدهم لثورة الشباب.
تداعيات في حضرموت وشهدت محافظة حضرموت تداعيات أمنية، غداة تشديد قوات الدفاع الجوي المرابطة هناك حصارها على قوات اللواء 27 ميكا بقيادة اللواء محمد علي محسن الذي كان أعلن في وقت سابق انحيازه إلى المحتجين المطالبين بتغيير النظام، بعدما رفض الرضوخ لقرار الرئيس علي صالح تعيين العميد الركن أحمد سعيد محمد بن بريك قائداً للمنطقة العسكرية الشرقية - قائداً للواء 27 ميكا باعتباره صادر عن رئيس غير شرعي للبلاد. وأبدى سكان المنطقة مخاوف من أمكان انفجار الموقف العسكري في أي لحظة، ودعوا السلطات إلى تجنيب منطقتهم أي نزاعات عسكرية وحض القوات العسكرية على التحلي بضبط النفس.
تحليق طائرات وأشاعت طائرات تجسس من دون طيار يعتقد أنها أميركية حلقت فوق محافظة أبين، الذعر في أوساط السكان، خوفاً من غارات جوية جديدة قد تستهدف جماعات مسلحة سيطرت قبل أيام على عتاد وذخائر من أحد مواقع الجيش في منطقة جعار. وفي محافظة شبوة الشرقية الغنية بالنفط، أفاد سكان محليون أنهم شاهدوا قياديين في تنظيم " القاعدة" ذوي جنسيات يمنية وعربية يتجولون في مناطق عدة بمحافظة شبوة بعدما كانوا ضمن الجماعات التي استولت على مرافق حكومية ومواقع عسكرية في محافظة أبين الجنوبية وقالت صنعاء إنهم أعضاء في تنظيم "القاعدة". وانتشر مئات من المسلحين من رجال القبائل وفي حوزتهم أسلحة متوسطة وثقيلة في الطرق الرئيسية التي تربط محافظات شبوة وأبين وحضرموت وفي محيط مشروع الغاز المسيل في ميناء بلحاف على بحر العرب بعد انتشار هؤلاء في ميفغة وعزان ونصاب. وعززت قوات تابعة للواء المشاة بحري المرابط في المنطقة حراستها حول شركة الغاز المسيل في منطقة بلحاف وسط مخاوف من هجمات قد يتعرض لها المشروع.
علي محسن الأحمر صانع رؤساء أم رئيس قادم ؟
لم يكن لثورة الشباب المطالبة بالتغيير في اليمن أن تكسب هذا الزخم الواسع النطاق والذي أربك نظام الرئيس علي عبدالله صالح في وقت قياسي، لولا الموقف المؤيد للثورة الذي أعلنه اللواء علي محسن الأحمر (70 سنة)، الذي صار أسمه اليوم ملهما لكثيرين بقرب ساعة الحسم نحو تغيير سياسي في اليمن طال انتظاره .
ويشير البعض إلى موجة الانشقاقات التي طاولت نصف الجيش اليمني في ساعات غداة إعلان اللواء علي محسن صالح الأحمر الأخ غير الشقيق للرئيس اليمني قائد المنطقة العسكرية الشمالية الغربية وأركان حرب الفرقة الأولى المدرعة، دليلا كافيا على قوة الرجل وما أحدثه إعلانه في تأييد مطالب المحتجين والدفاع عنهم من شرخ في بنية نظام الرئيس علي صالح الذي كان اللواء الأحمر ذراعه الضاربة في كل الهزات التي شهدها حكمه مدى 33 سنة .
في حياته العسكرية التي تعود إلى الستينات من القرن الماضي، عرف اللواء الاحمر قائداً عسكرياً يخشى جانبه من وفي الهزات الكبيرة التي تعرض لها نظام الرئيس علي صالح منذ توليه منصب الرئاسة عام 1978 كان تدخله حاسما ولذلك يرى فيه البعض صانع رؤساء لا مصنع رئاسة، خصوصا انه فضل عدم تصدر المشهد السياسي في مقابل حضوره الكبير في المشهد العسكري. لكن الرجل، في المقابل، كان أكثر حضورا في مؤسسة الجيش ولاعباً مؤثراً في بناء هذه المؤسسة سواء على مستوى اليمن الشمالي سابقا أم على مستوى دولة الوحدة بعدما كان رأس حربة لنظام الرئيس علي صالح في حربه مع شريكه في الوحدة، الحزب الاشتراكي اليمني .
في مقابل الشخصية المتقلبة والعنيفة التي ميزت الرئيس علي صالح وما عرف عن أجهزته الأمنية والمخابراتية من بطش في الأزمات طالما خبرها قادة الجيش ووجهاء القبائل والمعارضون، كان اللواء الأحمر الوحيد الذي يمكن أن يواجه ذلك لما عرف عنه من تقارب مع محيطه وميله المتدين وصدقتيه، ولذلك حظي بتأييد واسع من رجال القبائل ومن قادة الجيش في آن واحد. أوجد لنفسه مكانة رفيعة من طريق دوره في بناء مؤسسة الجيش في الشمال، وتاليا في انتصاراته في حرب صيف 1994، بمن اعتمده من أساليب راوحت بين العنف الشديد والاستقطاب لقادة الجيش في الطرف الآخر فضلا عن إبقائه كل القنوات مفتوحة مع الجميع بما في ذلك القبائل ورجال الدين وأحزاب المعارضة الإسلامية وحتى الجماعات الجهادية.
رجل مهاب يشير البعض إلى أن مصدر هيبة اللواء الأحمر استخدامه القوة المفرطة مع الخصوم. وتبين ذلك في إدارته الحروب في المناطق الوسطى وحرب صيف 1994 حيث كان قائداً للجيش في جبهة عدن بمشاركة نائب الرئيس علي صالح حاليا الفريق عبد ربه منصور هادي، وكذلك في حروب صعدة الست، حيث أوقعت القوة المفرطة خسائر فادحة طاولت أكثر السكان والدولة . بعد حرب 1994، وكان قد سيطر على أكثر أركان الجيش وقياداته، زاد ذلك تحالفه مع "الإخوان المسلمين" و"المجاهدين" العائدين من افغانستان والقبائل، لكنه حافظ على ولائه للرئيس علي صالح على رغم أن تلك الفترة شهدت بداية الخصومة غير المعلنة بينهما .
وساهمت علاقته بالإسلاميين الذين ضمن لكثير منهم مناصب في قيادة الجيش في تعزيز الشكوك في صلاته بجماعات إرهابية من تنظيم "القاعدة"، والمشاركة في تدبير العمليات الإرهابية التي نفذها التنظيم الأصولي، ومنها الهجوم الذي استهدف المدمرة الأميركية "يو أس أس كول" في ميناء عدن عام 2000، وتعرض بعدها لضغوط كبيرة من واشنطن التي رأت فيه خطرا على أمنها القومي . يمكن القول أن مصدر خوف الرئيس علي صالح من اللواء الأحمر أن كثيرا من قادة الجيش، الذين اعتمد عليهم الرئيس في تثبيت نظامه، كانوا من الإسلاميين أو ذوي الميول الإسلامية ويدينون بولاء كبير للواء الأحمر.
وعلى رغم تصفية الرئيس علي صالح الكثير منهم بعد هجمات ايلول، إلا أن ذلك الولاء ظل حاضرا ومؤثرا وبرز إلى الواجهة سريعا عندما أعلن اللواء الأحمر في 21 آذار تأييد ثورة الشباب وتلاه طوفان استقالات من وجهاء القبائل وانشقاقات كبيرة في صفوف القادة الكبار في الجيش. وعندما أعلن الرئيس علي صالح أن ثمة مؤامرة انقلابية يديرها الأخوان المسلمون”، لم يكن في الواقع يقصد سوى قادة الجيش هؤلاء وغيرهم ممن أطاح بهم مشروع الرئيس للتوريث، ومنهم اللواء علي صالح الأحمر القائد السابق لقوات الحرس الجمهوري، الذي عزله الرئيس قبل تنصيب نجله الأكبر العميد احمد قائدا لقوات الحرس الجمهوري.
توقعات بعيدة كان ابعد ما يمكن أن يتوقعه البعض من اللواء الأحمر، أن ينشق عن نظام الرئيس علي صالح. فحتى وقت قريب، كان الذراع الضاربة للحكم وعامل توازن في بنية النظام السياسي لكن الوضع تغير كثيرا مع الحروب التي قادها في محافظة صعدة، إذ يعتقد أن دفع الرئيس علي صالح أياه إلى مستنقع الحرب في صعدة كان هدفه التخلص من هذا الخصم القوي . ويرى كثيرون أن طول أمد المعارك مع الحوثيين، كان سببه الدعم الذي خطوا به من النظام، لكسر شوكة اللواء الأحمر، زاد ذلك ما كشفته وثائق وزارة الخارجية الأميركية المسربة عبر موقع ويكيليكس عن تزويد المخابرات اليمنية سلاح الجو السعودي إحداثيات كانت في الواقع مقر العمليات العسكرية بقيادة اللواء الأحمر.
بعد الحرب الخامسة مع الحوثيين، كانت أسطورة علي محسن القادئد العسكري الذي لا يقهر قد اهتزت، بل ان البعض يرى ان هذه الحروب وفي مراحل عدة استخدمت لتصفية حسابات معه تجرأ فيها منافسوه الجدد على إضعافه لدعم مشروع علي صالح للتوريث، بالتوازي مع حملات تصفية شملت كثيرين من قادة الجيش المنافسين او من سمي "الحرس القديم" تحت شعار التشبيب ورفد القوات المسلحة بدماء جديدة.
ضمن أهداف أخرى، كان استمرار الحروب مع الحوثيين وتوسعها على صلة بملف التوريث، ولم يكن مفاجئاً ان القائد العسكري المحنك فوجئ بقرارات وقف الحروب وتسليح الحوثيين في مراحل معينة، أو تأخر الإسناد الجوي في المواجهات الحاسمة من دون مبرر.
نصائح مبكرة يسهل التكهن بدوافع اعلان اللواء الاحمر تأييد مطالب الثوار الشباب وتعهده الدفاع عنهم، ذلك ان موقفه هذا يشبه كثيراً تفسير ثورة الشعب الليبي التي لم تخرج قط من رحم المفاجأة. وطوال عقود، كان ينظر الى اللواء الاحمر منافساً قوياً للرئيس علي صالح، الذي اعتمد عليه كثيراً في تثبيت حكمه بعد جلسة خاصة تعاهدا فيها على ان تترك لعلي صالح الرئاسة ولعلي محسن القوة العسكرية، لكن قواعد اللعبة تغيّرت كثيراً مع ظهور وريث العرش العميد احمد علي عبدالله صالح، وعندها تحوّل الجنرال الحليف الى خصم محتمل.
وأدت تراكمات على صلة بتسليح اللواء محسن، ومحاولات الرئيس أضعافه لمصلحة تعزيز قوة أبنائه وخصوصاً العميد أحمد المرشح لوراثة العرش والذي خاض مواجهات مع اللواء محسن بعد فترة قصيرة من قيادته قوات الحرس الجمهوري، الى اخرى على صلة بوثائق وزارة الخارجية الأميركية التي سربها موقع ويكيليكس، وتأثير علماء الدين وبعض الأكاديميين الذين التفوا حوله اخيراً في اطار مشروع مركز الدراسات والابحاث الذي اسسه في صنعاء، الى تشكل موقف نهائي وحاسم لديه حيال بقاء الرئيس علي صالح، بعدما أرجأ هذا الموقف سنوات، تحسباً لكون أي مشروع انقلابي سيترك آثاره الخارجة عن السيطرة، بما في ذلك من تعقيدات عسكرية وقبلية. ويقول المقربون من اللواء الاحمر انه كان اول الناصحين للرئيس علي صالح بالتخلي عن السلطة سلمياً، وخصوصاً بعد التساقط المريع لنظامي الرئيسين حسني مبارك وزين العابدين بن علي، خصوصاً ان السنوات الاخيرة كانت مداً وجزراً بين اللواء الاحمر والرئيس علي صالح.
وجبهت محاولاته لإقناع الرئيس علي صالح بالتنحي بصد وتصلب، الى ان جاء يوم الجمعة الدامي، الذي كان عاملاً حاسماً في دفعه الى اعلان تأييد مطالب الشباب وثورتهم السلمية، فضلاً عن موقف رجال الدين الذين أعلنوا تأييد ثورة الشباب من اليوم الاول، مما دعاه الى التصريح بأن نهاية حكم الرئيس علي صالح صارت امراً لا بد منه. ورأى الرجل ان تأييد مطالب المحتجين الشباب في التغيير ستعمل على خنق النظام تماماً من دون جر البلاد الى أتون حرب طاحنة ستدمر الجميع.
واضطلع علماء الدين المقربون من اللواء محسن بدور في التأثير عليه لاتخاذ موقف حازم بعد مقتل 53 محتجاً من المحتشدين في ساحة التغيير بجامعة صنعاء، ولأن اللواء الأحمر قد خبر الرئيس علي صالح، كان مدركاً انه سيمضي في مواجهة ثورة الشباب بالعنف المسلح، ولذلك أعلن تأييده مطالب المحتجين والدفاع عنهم بل وعد بإنجاح ثورة الشباب أياً كان الثمن. وأخفقت كل محاولات الرئيس علي صالح لإعادة الرجل الى احضانه، بعدما كادت موجة الانشقاقات في الجيش تطيح الرئيس الذي فشل كذلك في حشد الجيش لمواجهة قوات علي محسن، وأجرى تالياً معه سلسلة مفاوضات خلصت الى اتفاق على تحديد آلية للرحيل آمن للرئيس، قبل ان يعود علي صالح ويتراجع عنها.
صانع رؤساء وأفصح اللواء محسن بموقفه من الثورة الشبابية عن احتقانات كبيرة وعميقة غير بعيدة من قضية التوريث، التي شرع فيها الرئيس علي صالح في السنوات الاخيرة بصورة واضحة، أثارت حال استنكار واسع وقادت الى أزمة متفاقمة مع أحزاب المعارضة. لكن إعلان اللواء الأحمر استعداده للرحيل مع الرئيس علي صالح لانهاء الأزمة ضمن مبادرة رعاها الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، كان حدثاً كبيراً، ففي حين كانت التوقعات تشير الى ان حسم قضية رحيل الرئيس علي صالح ستأتي من خارج الاسرة، جاء هذا التطور من داخله ما اشر لسوء الوضع الذي يعيشه النظام اليمني، ناهيك بإعلان صهره التخلي عنه والانضمام الى ثورة الشباب. واستناداً الى تصريحاته التي اكد فيها عزوفه عن الرئاسة بعد عمر طويل في الحياة العسكرية، يشير اكثر الترجيحات اليوم الى ان اللواء الاحمر قد يساهم في صنع وجوه الحكم الجديد المجهول الملامح حتى الآن، وهو يشعر بأن الثمن الذي سيحصل عليه هو ان يترك ذكرى لرجل الجيش القوي، الذي أنقذ اليمن في أكثر أزماتها خطورة. صنعاء – من أبو بكر عبدالله
|