|
سوسن أبو ظهر
دخلت أخيراً أستاذة جامعية لمادة الرياضيات الصف... بالنقاب، فخرج بعض الطلاب احتجاجاً. لم يكن ذلك في فرنسا، بل في صفاقس التونسية، في سابقة في تاريخ التعليم بالبلاد. هي برّرت نقابها بأنه خيار شخصي لا يحول دون "إيصال المعلومة أو التعامل مع الآخر". والدليل أنه "في لحظات حياة أو موت في غرفة العمليات يكون الطبيب بقناع على وجهه ويتواصل مع الجميع. والنقاب يشبه ذاك القناع". طبعاً ليس هدفنا الدخول في الجدل السياسي - الديني عن النقاب، بل رصد موجة "أسلمة" في تونس. فهذه الدولة ا
لتي منحت العالم العربي ثورته الأولى وأطلقت حلم التغيير الذي حط تالياً في مصر، ووطئ، وإن بدرجات مختلفة، اليمن وليبيا والبحرين وسوريا، لم تعد أولوية إخبارية، فما يُركز عليه الإعلام الغربي هو ازدياد الهجرة غير الشرعية. ولكن هل تمسك الثورة بزمام الأمور بعدما بالكاد تمكنت من إعادة الأمن، أم أن ثورة مضادة تتسلّل من المساجد؟
"مصادرة" المساجد عادت التظاهرات إلى شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة. أبطالها هذه المرة يرتدون "الزي الأفغاني" ويدعون إلى "فرض" الحجاب الذي حظره بورقيبة نفسه عام 1981 في المدارس والجامعات والإدارات العامة باعتباره "زياً طائفياً". كما سمحت وزارة الداخلية بصور بالحجاب لبطاقات الهوية، على نقيض ما ينص عليه قانون صادر عام 1993. وضعت ذلك في إطار "الإصلاحات المتواصلة لتكريس مبادئ الثورة المجيدة وضمان الاحترام الفعلي للحريات العامة والفردية".
لكن ثمة من يرى ردةً إلى الوراء في بلد طالما عُد طليعياً بالنسبة إلى حقوق النساء. ويحذر هؤلاء في الصحف والمدونات من "تونستان" و"الوهابية" و"السلفية"، وأموال تتدفق إلى الإسلاميين من السعودية وقطر لإقامة "دولة دينية"، اذا فازوا في انتخابات 24 تموز. ومع أن الثورة التونسية كانت "انتفاضة شعب مشحون بالغضب ومثقل بالأحزان والظلم"، على ما يقر عبدالفتاح مورو، أحد مؤسسي حركة النهضة الإسلامية، فإن المساجد اكتسبت في مرحلة ما بعد زين العابدين بن علي دوراً لا يمكن إنكاره.
تتحدث صحيفة "رياليتي" عن "مصادرة" الجوامع وتحويلها منابر للدعاية السياسية للإسلاميين، فالأئمة "يدعون إلى الهداية وينتقدون المطالبين بفصل الدين عن السياسة". يهاجمون العلمانية و"المؤامرة الغربية" لدعمها، لأن "الدولة العلمانية مناهضة للدين". طبعاً، ليس هذا بموقف جديد، لكنه صار منتشراً ومقبولاً. لنتذكر أن الأمين العام لـ"النهضة" راشد الغنوشي قال عام 1989 إنه "لا يمكن تصور مجتمع إسلامي وعلماني معاً إلا إذا تخلى عما هو أساسي في الإسلام. لا يكون مجتمع إسلامياً إلا إذا كان غير علماني".
الغنوشي العائد إلى تونس ليس فيها بن علي يدعو إلى "سياحة إسلامية" لا اختلاط فيها في الفنادق وأحواض السباحة، وحظر الكحول والأندية الليلية. ومورو يطلق إشارات متناقضة، فمن جهة يقول لصحيفة "الصباح" إن ابنته "لا تضع الفولار" وإن حزباً يريد تأسيسه سيكون "أكثر انفتاحاً من النهضة على خلفية احترام الشخصية التونسية والحريات الأساسية"، بينما يشدد في المساجد على أن "الدستور الأول هو الإسلام"، مُحرماً انتخاب أشخاص "يُعادون" الدين ولا يلتزمون الشريعة.
لم يعد للمساجد أئمة رسميون، بل أئمة يختارهم المصلون بحسب "رغبتهم"، كما قال الغنوشي في بيان في شباط. وإذا كان طرد المصلين أئمة شكلوا أداة دعائية لبن علي أمراً طبيعياً، فإن ذلك حوَل الجوامع فضاءات بلا رقابة لترويج كل ما كان ممنوعاً، الحجاب، النقاب، اللحى، تعدد الزوجات... ولم تكن دعوة وزارة الشؤون الدينية الأئمة إلى "عدم التدخل في توجيه الحياة السياسية" أكثر من ذر للرماد في العيون.
"ثورة الياسمين" ومع ذلك، لا يمكن القول إن "ثورة الياسمين" أجهضت، على رغم حوادث مقلقة أولها اغتيال كاهن بولوني وآخرها الاعتداء على السينمائي نوري بوزيد في 3 نيسان بسبب آرائه الليبيرالية، وبينهما تعرض غير المحجبات لمضايقات لفظية في بعض الأحياء. تقول الصحافية حنان زبيس لـ"النهار" إن "الثورة لم تسقط في أيدي الإسلاميين، وإن حاولوا الاستيلاء عليها. فهم لم يكونوا موجودين حين بدأت ولم يشاركوا فيها. لكن هذا لا يعني أن نقف مكتوفين، إذ يجب العمل على الأرض كما يفعلون ومواجهتهم كي لا يستفيدوا من الوضع الحالي".
ولعل الوجه العلماني للثورة سيواجه اختباراً مهماً الجمعة، إذ من المتوقع أن يتبنى مجلس الوزراء مبدأ المناصفة في الترشيح للانتخابات. نصف المتنافسين إذاً نساء، وهذا، كالنقاب، لا سابق له حتى في عهد بن علي. والأمر، وإن يكن فألاً حسناً، لا يضمن إبقاء هذا الحق في صناديق الاقتراع والحكومة التي ستلي الانتخابات.
ومع إقرارهم بأن "النهضة" تحظى بشعبية، فإن بعض العلمانيين يخشون ردها والجماعات الإسلامية اذا خسرت الانتخابات، مع العلم أنها نالت 20 في المئة من الأصوات في آخر انتخابات سُمح لها بخوضها. ويجنح المتشائمون إلى سيناريو شبيه بـ"العشرية السوداء" الجزائرية منطلقين من صلات قديمة بين الغنوشي و"الجبهة الإسلامية للإنقاذ" خلال إقامته في الجزائر حتى عام 1991 قبل انتقاله إلى السودان ثم بريطانيا. ويتذكرون أعمال عنف شهدتها تونس بين عامي 1989 و1992 على خلفية صدام بين الإسلاميين والنظام. ويتوجس البعض من "خميني آخر" وحُكم على النمط الإيراني. وهذه "فزاعة" تستخدمها أيضاً الأنظمة العربية التي لا تزال تقمع "الياسمين" في أراضيها. لكن أليس ثمة خيار غير الديكتاتورية العلمانية والاستبداد الديني؟ لنتابع مسار الأحداث في تونس وموقف الجيش، فالثورة لا تزال مستمرة...
|