|
استمرت حركة الاحتجاج في سوريا على رغم تحذير الحكومة المواطنين من مغبة التظاهر واقرارها حزمة مراسيم تشريعية يقضي ابرزها بالغاء حال الطوارئ المعمول بها منذ نحو نصف قرن. وعزلت السلطات السورية الرائد أمجد عباس من منصبه رئيساً لقسم الامن السياسي في بانياس، التي شهدت احداثاً دامية خلال الاسبوعين الأخيرين، للتحقيق معه في حوادث مرتبطة باعمال العنف في المدينة الساحلية. لكنها اعتقلت في الوقت عينه المعارض البارز محمود عيسى لادلائه بحديث الى قناة "الجزيرة" الفضائية.
وكشف مصدر رسمي رفيع لصحيفة "الوطن" القريبة من السلطة أن المراسيم التشريعية الثلاثة الخاصة برفع حال الطوارئ وإلغاء محكمة أمن الدولة وقانون تنظيم التظاهر السلمي التي أقر مشاريعها مجلس الوزراء ستصدر اليوم الاربعاء عن رئاسة الجمهورية. وتحدى المئات قرار منع التظاهر في مدينة حمص التي شهدت في الايام الاخيرة مواجهات دموية ادت الى سقوط ثمانية قتلى، وخرج المئات من جامع النور في وسط المدينة وهم يطلقون هتافات تدعو الى اسقاط النظام وتحيي الشهداء. كذلك خرج العشرات من طلاب جامعة حلب في تظاهرة مطالبين بالحرية أمام المكتبة المركزية في الجامعة، قبل ان يفرقهم رجال الامن واعضاء حزب البعث بالقوة.
تنديد أميركي ونددت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون بـ"العنف المستمر" الذي تمارسه الحكومة السورية ضد المتظاهرين، ورأت ان على دمشق "وقف العنف" واطلاق "عملية سياسية جدية" لانهاء الاحتجاجات الدموية . وأعربت عن شعور الولايات المتحدة بقلق خاص من الاوضاع في حمص . وقالت: "نحن ندين بشدة العنف المستمر الذي تمارسه الحكومة السورية ضد المحتجين السلميين". وكتبت صحيفة "تشرين" الحكومية "ان ما فعله الجناة في مدينة حمص هو الوجه الحقيقي الأسود للتطرف الديني الذي وضعت الولايات المتحدة الأميركية أسسه النظرية وتدريباته العملية في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي".
وخلصت صحيفة "الثورة" الى انه "لم يعد ما يجري في حاجة الى دليل او اثبات على ان طباخين اميركيين، وآخرين عربا مأجورين، هم من حدد نوع الطعام المسموم الذي أرادوا وضعه على موائد السوريين". واضافت ان "سوريا اليوم أمام مشروع خارجي تدميري مخرب"، مشيرة الى انها "اذ لم تتراجع أبدا عن مشروعها الإصلاحي، فإنها في صدد مواجهة هذا المشروع كأولوية لا يمكن تأجيلها أو العبث بها".
استمرار الاحتجاج
بدت حركة الاحتجاج السورية امس مرشحة للاستمرار على رغم اقرار الحكومة حزمة مراسيم يقضي ابرزها بالغاء حال الطوارئ في البلاد. فقد خرج امس مئات للتظاهر في حمص متحدين قرار منع التظاهر الذي اتخذته الحكومة الثلثاء، بينما تظاهر عشرات من الطلاب في جامعة حلب. وأكد ناشطون ارتفاع حصيلة الضحايا التي سقطت خلال تفريق قوى الامن بالقوة اعتصاما شارك فيه الاف الاشخاص في حمص ليل الاثنين مطالبين بسقوط النظام، الى ثمانية قتلى فضلا عن "عدد كبير" من الجرحى.
وافاد ناشط طالبا عدم ذكر اسمه ان "المتظاهرين خرجوا من جامع النور في مركز مدينة حمص وهم يطلقون هتافات تدعو الى اسقاط النظام وتحيي الشهداء".
وكانت وزارة الداخلية دعت الثلثاء الى الامتناع عن القيام بأي مسيرات او اعتصامات او تظاهرات "تحت اي عنوان كان"، من اجل "المساهمة الفاعلة في ارساء الاستقرار والامن". وفي رد مباشر على ذلك، صدر بيان باسم "اهالي حمص" اكد واضعوه استمرارهم في التظاهر السلمي وتمسكهم بمطالبهم، في مواجهة رواية السلطات السورية عن قيام "تنظيمات سلفية" بـ"تمرد مسلح" في بانياس وحمص. وجاء في البيان: "نحن السوريين الحمامصة لم نعلن تمردا مسلحا ولسنا سلفيين ونعلن أننا ما زلنا على مطالبنا التي عرفتموها من خلال تظاهراتنا السلمية ومن خلال اعتصامنا السلمي البريء". واضاف: "كنا معتصمين في ساحة الحرية (الساعة الجديدة سابقا) من كل الاجناس والاطياف في المجتمع السوري رجالا ونساء وشيبا وشبابا واطفالا وبكل سلمية". واشار الى ان "لا مطالب لنا الا الحرية والديموقراطية والمجتمع المدني ورفع حال الطوارئ ومكافحة الفساد والتعددية الحزبية والسياسية ومحاسبة كل من تلطخت يديه بدماء السوريين واطلق الرصاص على المعتصمين والمتظاهرين العزل والعدالة والمساواة على اساس المواطنة واسقاط اي معيار آخر". وقال الناشط نجاتي طيارة في اتصال مع "وكالة الصحافة الفرنسية" ان "المدينة شهدت اضرابا عاما حدادا على ارواح شهدائها"، مشيرا الى ان في حوزته اسماء "الشهداء الثمانية الذين قتلوا في تفريق الاعتصام". وأكد: "ان عدد الجرحى كبير جدا"، وان السلطات نفذت "حملة اعتقالات واسعة". وقال الناشط نوار العمر ان افراد الاجهزة الامنية "يسدون منافذ الاحياء الرئيسية في المدينة ويقيمون الحواجز".
حلب وفي حلب، روى ناشطون ان "عشرات من طلاب جامعة حلب خرجوا ظهرا في تظاهرة مطالبين بالحرية أمام المكتبة المركزية في الجامعة". وقالوا: "ان التظاهرة كانت في طريقها الى أمام مبنى شعبة الحزب (البعث) ولكن سرعان ما طوقتها الأجهزة الأمنية وفرقتها بالعنف وحولتها الى مسيرة مؤيدة". واوضح ان "عدد رجال الأمن كان أكبر من عدد الطلاب". وذكر ان "37 طالبا اعتقلوا وضربوا بالهروات على ايدي عناصر من اتحاد الطلبة والهيئة الادارية (الموالية للسلطة) بعدما لحقوا بالطلاب الى كلياتهم عقب التظاهرة وأخذوهم الى مبنى الحزب". واعلن ان بين المعتقلين "أنس خروب (طالب فيزياء سنة رابعة) ومالك خطاب (طالب رياضيات سنة رابعة)". وافاد ان تلك العناصر "استخدمت العنف والهراوات وأحزمة البنطلونات". ورفض الطلاب المعتصمين التفاوض مع رجال الأمن مطالبين بحضور رئيس الجامعة الذي رفض الحضور، عندها تدخلت قوى الأمن واتحاد الطلبة وفرقوا المعتصمين. وفي درعا، تظاهر المئات من طلاب المعاهد المتوسطة في المحافظة مطالبين بالحرية وبالاقتصاص ممن تسبب بمقتل عدد من أبناء المحافظة.
اعتقال معارض واعتقلت السلطات المعارض السوري البارز محمود عيسى "اثر حديث ادلى به الى قناة الجزيرة الفضائية". وقال رئيس المرصد السوري لحقوق الانسان رامي عبد الرحمن ان عيسى اجاب خلال اللقاء "عن سؤال المذيع حول قضية استشهاد العميد عبدو خضر التلاوي وولديه وابن شقيقه في حمص على ايدي مجهولين واكد انه يعرف الضابط شخصيا ويحترمه ولا يعرف من ارتكب هذه الجريمة، لكنه طالب الدولة بفتح تحقيق فوري والقبض على المجرمين". وكانت الوكالة العربية السورية للانباء "سانا" تحدثت عن مقتل الضابط وافراد من عائلته والتمثيل بجثثهم على ايدي "مجموعات المجرمين المسلحة".
امن بانياس وعزلت السلطات السورية رئيس قسم الامن السياسي في بانياس الرائد امجد عباس للتحقيق معه في حوادث مرتبطة باعمال العنف في المدينة الساحلية. وكان الرائد عباس ظهر في شريط فيديو اورده موقع "يوتيوب" في 12 نيسان وظهرت فيه قوى الامن السورية وهي تعتدي على اهالي سكان البيضا المجاورة لبانياس. كما اكد شهود من بانياس ان "السيارات التي اطلقت النار في مدينة بانياس فجر الاحد ما قبل الماضي كانت قد انطلقت من امام مكتب الرائد رئيس القسم". ابلغ شاهد "وكالة الصحافة الفرنسية" في 10 نيسان ان "سبع سيارات تابعة لقوى الامن وقفت امام جامع ابو بكر الصديق في بانياس عند موعد صلاة الفجر الاحد واطلق الموجودون فيها النار على المسجد". واضاف ان "خمسة اشخاص اصيبوا بجروح كان احدهم داخل المسجد واربعة في محيطه".
"لغة التخوين" وأقرت صحيفة "الوطن" السورية شبه الرسمية، بأنه "قريباً سيكون على كل السوريين أن يقبلوا الرأي الآخر، ويعترفوا بوجوده داخل مؤسساتهم وربما بيوتهم... ستلغى لغة الإلغاء ولغة التخوين والعمالة وهي لغة استخدمها الطرفان في المرحلة الأخيرة، ونقصد هنا كل من أطلق على نفسه لقب "ثائر" وأيضاً الحزبيين والموالين". واضافت: "لنبدأ بسحب الألقاب والتهم ونستمع إلى الآخر ونحاوره، ولكن قبل كل ذلك علينا الفرز بين المتظاهر الشريف الذي يريد بناء سوريا أفضل والمخرب والمسلح الذي يريد تدمير سوريا وقتل أبنائها". مدير "سانا" وأصدر وزير الإعلام السوري الجديد عدنان محمود قرارا بتعيين أحمد ضوا مديرا عاما لوكالة سانا، وهو كان يتولى منصب مدير التحرير سابقا قبل أن يعين مديرا عاما للوكالة. ويشار إلى أن عدنان محمود كان مديرا عاما للوكالة قبل تعيينه وزيرا للإعلام.
البريطانيون في لندن، نصحت بريطانيا رعاياها بمغادرة سوريا. وقالت وزارة الخارجية البريطانية في بيان انه نظرا الى "تدهور الوضع في سوريا على الصعيد الامني" فقد تم ابلاغ الرعايا البريطانيين ان "عليهم التفكير في مغادرة سوريا عبر الرحلات التجارية". واضافت: "في الوقت الراهن هناك حرية تنقل نسبية في كل المحاور الرئيسية، المطارات لا تزال مفتوحة وشركات الطيران تواصل تسيير الرحلات التجارية المقررة بالقدرات المتاحة. لذلك من الممكن ان يغادر الرعايا البريطانيون هذا البلد اذا ارادوا". واعتبرت منظمة العفو الدولية التي تتخذ لندن مقرا لها ان التعهدات السورية للإصلاح تبدو جوفاء مع ارتفاع عدد قتلى الاحتجاجات، ودعت الرئيس بشار الأسد إلى أن يقرن تعهده الإصلاح بإجراءات فورية وملموسة لانهاء الموجة المستمرة من عمليات قتل المحتجين على أيدي قوى الأمن التابعة له.
فرنسا في باريس، وصفت وزارة الخارجية الفرنسية موافقة الحكومة السورية على رفع قانون الطوارئ في البلاد، بانها خطوة "في الاتجاه الجيد" اذا ترجمت "بشكل ملموس لوضع حدّ للقمع"، مبدية قلقها من التقارير عن استمرار أعمال العنف في سوريا. كما دعت إلى إجراء حوار سياسي شامل في سوريا لتطبيق إصلاحات فعلية تلبي الطموحات الشرعية للشعب السوري مساهمة في استقرار البلاد.
|