Date: Jun 17, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
السعوديات ينشدن التغيير خلف مقود السيارة لكن مناخ المملكة غير مهيأ لـ"الربيع العربي"

سوسن أبوظهر

 

لئن صارت أيام الجمعة محطة أسبوعية للحراك في أكثر من بلد عربي، اليوم عنوانه "سأقود سيارتي بنفسي"، ومكانه السعودية، أحد البلدان الأكثر استقراراً، وربما جموداً، أمام "الربيع العربي". ليس الأمر دعوة إلى "إسقاط النظام" كما تهتف المدن اليمنية والسورية، وإن تحول مادة للجدل في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي.

يراهن أنصار الحملة على فتح كوة في جدار التمييز الجنسي. ويذَكرون السنوات الأولى للإسلام حين امتطت نساء الخيول والجمال، وسائل النقل آنذاك، وشاركن في القتال، وبينهن خولة بنت الأزور التي حسبها فرسانٌ خالد بن الوليد لشدة بسالتها في معركة أجنادين مع البيزنطيين عام 634. وبالتاريخ السعودي وفيه شخصية غالية بنت عبدالرحمن البُقمية التي قادت جيش قبيلتها وهزمت الحملة المصرية-العثمانية على تُربة، بوابة نجد، عام 1813.


منال الشريف مستشارة المعلوماتية المطلقة ذات السنوات الـ32 هي رمز حملة "سأقود سيارتي بنفسي". أوقفت في 22 أيار عشرة أيام بتهمة "الإخلال بالنظام العام"، بعدما ساقت سيارتها في الخُبَر وبثت صورتها على موقع "يوتيوب". وانشغل الجميع بهذه المرأة وما إذا كانت شيعية لتحدرها من المنطقة الشرقية، وكأن في هويتها المذهبية إدانة لها. وقيل إنها هُددت بخسارة عملها وحضانة ولدها وسجن والدها.
لكن العدوى انتشرت، ست نساء أوقفن الأسبوع الماضي لقيادتهن سيارات في العاصمة. وفي صحيفة "الرياض" نبأ عن اضطرار امرأة الى القيادة ليلاً بعدما طردها زوجها. وافادت "المدينة" أن سيدة أوصلت ابنها إلى المدرسة حين امتنع السائق. وعلى الانترنت أشرطة لسائقات يخرجن ليلاً في الرياض وجدة وجازان.


قضية "ثانوية"
أمام هذه الضجة، رأى رئيس لجنة حقوق الإنسان والعرائض في مجلس الشورى مشعل بن ممدوح آل علي أن قيادة النساء "من القضايا الثانوية". لكنها لا تبدو كذلك للخارج إذ سيُطلق ناشطون في العالم أبواق سياراتهم اليوم تضامناً مع السعوديات اللواتي وجه بعضهن كتاباً إلى وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون. والأمر لم يغب عن مراسلات سفارة واشنطن في الرياض التي نقلتها "الغارديان" عن "ويكيليكس". وفيها اعترض مبعوث الرئيس الأميركي باراك أوباما، ريتشارد إردمان، على تدهور أوضاع النساء أمام وزيري الداخلية الأمير نايف والخارجية الأمير سعود الفيصل، فرد الأخير بامتعاض: "تغيير العادات مهمة شاقة".


في مقابلته الشهيرة مع الإعلامية الأميركية بربارة والترز في تشرين الأول 2005، أكد العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز أنه "سيأتي يوم تستطيع النساء القيادة. في الصحارى والمناطق الزراعية تجدون نساء يسقن سيارات. المسألة تتطلب صبراً. ومع الوقت أعتقد أن هذا الأمر سيصير ممكناً". ونُسب أخيراً إلى ابنته الأميرة عادلة قولها: "أتمنى تجاوز مسألة منع المرأة من القيادة، لكن الأمر ليس بيدي".


لا "ربيع"
وإذ يوحي الحراك النسائي بمطالب أكبر، يستخدم البعض مصطلح "ثورة"، بعدما تجرأت سعوديات في الرياض وجدة والدمام والخُبر على الحضور إلى مكاتب التسجيل للانتخابات البلدية في أيلول، احتجاجاً على إقصائهن، كما في 2004، عن عملية الاقتراع. وأوقفت ثلاث في الدمام.
وتبنت الصحافية الكويتية منى كريم قضية بنات جنسها، فوضعت باسمهن بياناً تُرجم إلى سبع لغات يطلب منح النساء حقوق الترشح والانتخاب وتولي وظائف قضائية وديبلوماسية، و"الإلغاء التام لنظام الوصاية الذكورية أو ما يُسمى المحرم وولي الأمر" الذي تحتاج المرأة الى إذنه للتعليم والعمل والسفر والزواج والطلاق وتسجيل الأولاد دراسياً وحتى للخضوع لجراحة.
وبعد سقوط الرئيسين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك، دُعي عبر "فايسبوك" إلى "يوم غضب" سعودي، في 11 آذار و20 منه، لإقامة ملكية دستورية وسن دستور وإطلاق السجناء السياسيين وتأسيس أحزاب ومكافحة الفساد. وتحدثت "هيومان رايتس ووتش" عن اعتقال 160 ناشطاً، بينهم زعماء "حزب الأمة الإسلامي" المعلن حديثاً من دون ترخيص، وإطلاق الرصاص المطاطي على متظاهرين شيعة في القطيف، وتحركات شبه يومية لقريبات موقوفين من دون محاكمة. وجاء في تقارير غير مؤكدة أن الحرس الوطني نُشر في الرياض والظهران تحسباً لاحتجاجات.


وإذا كان محللون غربيون اعتبروا التقديمات الاجتماعية الهائلة التي قررها الملك عبدالله "جزرة ضخمة" لـ"قتل الربيع العربي"، فإن الباحث في مركز الملك فيصل للأبحاث والدراسات الإسلامية نواف العبيد لم ينكر في مقال نشرته "الواشنطن بوست" في 13 أيار "تصدع" العلاقات الأميركية-السعودية، ذاهباً إلى الجزم بأن بلاده "لن تسمح للاضطراب السياسي في المنطقة بزعزعة استقرار المَلَكيات العربية، بلدان الخليج والأردن والمغرب". وبعد ذلك بأسبوعين نقل المجلس التحريري لـ"النيويورك تايمس" عن رجل الأعمال الأمير الوليد بن طلال قوله: "نبعث برسالة أن الملكيات ليست هي المكان الذي يحدث فيه ذلك (الثورات). لا نحاول تحقيق أهدافنا بالقوة بل حماية مصالحنا". ثم أقر الأمير في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الأميركية للتلفزيون بأن على بلاده "إصدار قوانين جديدة تتيح للشعب مشاركة أكبر، بطريقة أو بأخرى". وحذر رئيس رابطة الحقوق المدنية والسياسية السعودية محمد القحطاني من أن "الأوضاع ستخرج عن السيطرة خلال سنوات، بصراع على السلطة أو على أيدي المواطنين".


على هذه الخلفية، ولأن السعودية تنتج للعالم 12 في المئة من حاجاته النفطية، وهي أهم بلدان الخليج وبوابته العربية في مواجهة إيران، تستثني واشنطن الرياض من مطالب الإصلاح. وذهب الديبلوماسي المخضرم مارتن إنديك إلى التحذير في "الواشنطن بوست" من أن "ثورة في السعودية ستُغرق رئاسة" أوباما.
لا أحد، في الداخل والخارج، يريد الغرق، إذاً تُرك الأمر اليوم لاستنفار شرطة المرور وسطوة "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"...