|
بدأت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، تشقّ طريقها الى بلورة بيانها الوزاري وصوغه وسط ظروف شديدة الاتجاهات السلبية حيالها داخلياً وخارجياً، ما يضاعف الحرج الذي ستواجهه في اعلان هذا البيان ومضمونه السياسي خصوصاً لجهة احترام التزامات لبنان الدولية. والواقع ان مباشرة ميقاتي مهماته امس في السرايا الحكومية التي عاد اليها للمرة الثانية منذ نحو ستة اعوام، وترؤسه الاجتماع الاول للجنة الوزارية لصوغ البيان الوزاري، جاء وسط مشهد داخلي وخارجي شديد الوطأة يصعب معه معرفة ما اذا كانت الصياغات المرنة المتوقعة في مضمون البيان ستكون كافية لتخفيف حدة ردود الفعل على حكومة اثارت بتركيبتها وبظروف ولادتها ما يفوق الغضب لرؤية لبنان يعود الى الدوران في فلك المحور السوري ـ الايراني فيما كل الوقائع والمعطيات الناشئة عن الانفجار داخل سورية تعاكس هذا التطور.
ومع ان القوى المشاركة في الحكومة تبدو مدركة للحرج الذي يواجهها في الاطلالة ببيان وزاري سيتوقف عليه رصد ردود الفعل الدولية للتعامل مع هذه الحكومة، فان مصادر سياسية واسعة الاطلاع تلفت الى ان لبنان يبدو مقبلاً على تجربة غير مسبوقة وتتجاوز حتى الحقبات التي شهدت مواجهات مع المجتمع الدولي مثل حقبة التمديد للرئيس السابق اميل لحود الذي ادى الى صدور القرار 1559 في سبتمبر 2004.
وتضيف ان صياغة البيان الوزاري ستضع ميقاتي وفريقه ومعه الرئيس ميشال سليمان والزعيم الدرزي وليد جنبلاط مجدداً امام تجربة «المونة» على حلفائهم من قوى 8 آذار لاتباع صياغات شديدة المرونة خصوصاً في موضوع الالتزامات الدولية والمحكمة الخاصة بلبنان، مع ان هذه الصياغات وحدها لن تكون ضماناً لتمرير فترة سماح خارجية وغربية معقولة للحكومة. ولعل النقطة التي لا تقل اهمية في هذا المجال، ان المشهد الداخلي الذي بدا لدى ولادة الحكومة في مطلع الاسبوع فاتراً الى حد ما، سرعان ما تحوّل عامل ضاغط بقوة عاكساً الغليان الذي تفاعلت معه قوة المعارضة الجديدة مع ملابسات ولادة الحكومة.
ولذا تقول المصادر ان حكومة ميقاتي لن تجد امامها اي مسلك ممكن سوى استعارة الكثير مما ورد في البيان الوزاري لحكومة خصمها الرئيس سعد الحريري، وهو امر يستدعي استبعاد كل ما يمكن ان يزيد استنفار الحالة السلبية الواسعة حيال الحكومة خصوصاً بعدما اوحت بعض التصريحات المتفلتة والمتسرعة لعدد من الوزراء الجدد باتجاهات متشددة في شأن ملف المحكمة الدولية. وترى ان الاتجاهات النهائية التي سيتضمنها البيان الوزاري لن تكون سوى بداية الرحلة والاختبار الصعب للحكومة مع الداخل والخارج، اذ ان احداً لن يتعامل معها الا على اساس الخطوات العملية والقرارات التنفيذية التي ستتخذها نظراً الى الفجوة الواسعة التي تفصل بين تعهدات يشكك المجتمع الدولي في امكان التزامها وتركيبة حكومية اثارت صدمة لديه، ولو ان بياناً وزارياً «مموّهاً» يمكن ان يساهم في مهادنة اولية للحكومة لن تكون طويلة بطبيعة الحال.
وكانت لجنة الوزراء التسعة اجتمعت امس برئاسة ميقاتي في السرايا الحكومية مطلقة الجولة الاولى من صوغ البيان الوزاري، الذي ذكرت معلومات ان رئيس الحكومة يفضّله مقتضباً وعلى شاكلة «بيان الصفحتين» الذي نالت حكومته الاولى الثقة على اساسه قبل نحو ستة اعوام. وفي حين لم يتطرّق اجتماع اللجنة الى تفاصيل البيان بل الى العناوين العريضة، لفت توسيع عدد أعضائها الى 11 بانضمام وزير الطاقة جبران باسيل اليها (صهر العماد ميشال عون) والوزير وليد الداعوق (من حصة ميقاتي).
وفيما ينتظر ان يتحدّد مع ولادة البيان الوزراء خط سير التعاطي الدولي مع الحكومة الجديدة لا سيما في ضوء الموقف من المحكمة الخاصة بلبنان الذي اعلن وزير العدل شكيب قرطباوي ان لجنة وزارية ستؤلف للبحث فيه، برزت التقارير الصحافية التي نُشرت في بيروت ونقلت عن مسؤول أميركي بارز أن تركيبة حكومة ميقاتي «مخيبة للآمال ولا نرى سببا كي نثق بأن هذا الفريق سينفذ التزامات لبنان الدولية». واضاف: «اذا لم تنفذ حكومة ميقاتي التزامات لبنان الدولية ستكون هناك عواقب»، موضحا ان هذه العواقب «لن تكون محصورة بالعلاقات الاميركية - اللبنانية بل بعلاقات لبنان الدولية خصوصا في ما يتعلق بعمل المحكمة الدولية». وما جعل هذا الموقف الاميركي بالغ الأهمية انه ترافق مع نشر صحيفة «وول ستريت جورنال» مقالاً حول «الشبهات المحيطة بعمل بعض المصارف اللبنانية» تحت عنوان: «لا تتعاملوا مع مصارف لبنان».
في موازاة ذلك، واصل ميقاتي بعث رسائل «مُطَمئنة» الى المجتمع الدولي، فأكد لإذاعة «راديو سوا» أن «لبنان ليس في صدد مواجهة المجتمع الغربي ولا المجتمع الدولي، ونحن جزء من هذا العالم وبلد يلتزم بالقرارات الدولية ولا يوجد أي تحد أو خوف من هذا الموضوع»، معلناً أن «المجتمع الدولي سيتعامل مع الحكومة اللبنانية الجديدة بناء على أدائها». وفي حين بدا ان ملف استقالة الوزير طلال ارسلان أخذ طريقه الى الحل على قاعدة توزير شقيق زوجته مروان خير الدين، كان بارزاً «الانشقاق العائلي» الذي سبّبه توزير فيصل عمر كرامي، اذ خرج معن كرامي، شقيق الرئيس السابق للحكومة (عمر كرامي)، معتبراً ان ابن شقيقه، الذي تخلى رئيس البرلمان نبيه بري له عن مقعد شيعي «هو الوزير الشيعي السادس في الحكومة ولا يمثل طرابلس».
|