Date: Jun 18, 2011
Source: جريدة الحياة
أزمة سورية مفتوحة على كل السيناريوات ... لكن كلها ستغيِّر الشرق الأوسط

لندن، واشنطن - «الحياة»، رويترز - مع دخول الاحتجاجات الشعبية في سورية أسبوعها الثالث عشر، فإن ما ترتَّب على الأزمة حتى الآن من نتائج داخلية وإقليمية ودولية، يبدو أكبر من المدى الزمني الذي أخذته تطورات الأحداث حتى الآن، وذلك بسبب الدور المحوري الذي تلعبه دمشق في تفاعلات الشرق الاوسط والعالم واشتباكها في قضايا حساسة، مثل العراق وإيران وملف السلام ولبنان.
ويقول ناشطون وأكاديميون، إن ما ستسفر عنه الاحتجاجات الشعبية الواسعة في البلاد هو بمثابة «ملعب مفتوح» على الاحتمالات كلها، فهذه الاحتجاجات يمكن ان تؤدي إلى تأسيس نظام ديموقراطي تعددي، كما يمكن ان تؤدي الى حرب أهلية في مجتمع يتميز بالتعددية العرقية والدينية. ويقول الأكاديمي المتخصص في قضايا الشرق الاوسط ايفانجيلوس فنتز، من جامعة «ليدن» الهولندية، في مقالة نشرها موقع «بلوغ اكتف»، إن الازمة السياسية المستمرة في سورية أثرت على النظام من الداخل، كما أثرت على دوره الخارجي، موضحاً ان تصاعد التوتر السياسي في المدن والقرى السورية والطريقة التي يتعامل بها النظام مع حركة الاحتجاجات «أضعفت الدور الإستراتيجي -السياسي» لسورية.


ويلاحظ فنتز أن المجتمع السوري يتميز بتعددية عرقية لافتة وتعددية دينية أقل، وأن هذا سيكون أحد عناصر تحديد كيف تتجه الأزمة، فنحو 90 في المئة من السكان مسلمون، و10 في المئة منهم أصحاب ديانات أخرى، وأغلبهم من المسيحيين. أما من ناحية العرق، فهناك عرب وأكراد وأرمن وتركمان، ويظهر هذا التعدد العرقي خصوصاً في مدن الساحل وفي المدن الحدودية.
ويقول إن هذه التركيبة تجعل نموذج «الدولة القومية» في سورية ذا خصوصية مقارَنةً بدول أخرى في المنطقة، ففي مصر مثلاً، حيث الغالبية العظمى من السكان عرب مسلمون، لم يظهر في أي مرحلة من مراحل الثورة المصرية أن سيناريو الحرب الأهلية مطروح.
وفيما لم يؤثِّر التعدد العرقي والديني في سورية على لحاق شعبها بربيع الديموقراطية العربي، على خلاف لبنان مثلاً، إلا ان تركيبة سورية تجعلها عرضة لسيناريو حرب أهلية في حالة استمرت التظاهرات لفترة زمنية طويلة من دون إقدام السلطات على تنفيذ اصلاحات ديموقراطية ذات معنى حقيقي.


وحذر ناشطون سوريون ومنظمات حقوقية، مثل «المرصد السوري»، من ممارسات متعمَّدة تلجأ اليها بعض الدوائر الامنية داخل سورية، من اجل استغلال «ورقة الحرب الأهلية» لتجميد أي جهود دولية تبذل للضغط على سورية. وقال ديبلوماسي غربي لإذاعة «بي بي سي» البريطانية، إن دمشق تروِّج لذلك السيناريو لدى روسيا، وأيضا لدى تركيا، موضحاً ان موسكو تبدو مقتنعة فعلاً بمخاطر حركة الاحتجاجات على مستقبل الاستقرار في سورية.
اما العامل الآخر الهام في الأزمة، بخلاف طبيعة التركيبة السكانية، فهو طبيعة النظام السوري وعلاقته التاريخية مع التنظيمات الدينية، فمنذ تأسيس نظام البعث العام 1946، عمد النظام إلى إضعاف التيارات الدينية، وسادت بين الطرفين علاقة من الشك المتبادل، عززها ما حدث في حماه مطلع الثمانينات.


في ضوء هذه التركة والشك، قد لا يبدو أن النظام السوري سيكون قادراً على إدماج حقيقي للقوى الوطنية في اطار الحوار الوطني المرتقب، ما يعني إطالة أمد الأزمة وتهديد النظام نفسه. وفي هذا الصدد، قال ديبلوماسي مقيم في دمشق لـ «رويترز»: «تقييمنا هو أن النظام سيسقط. أمامهم ما بين ثلاثة وستة اشهر من القدرات العسكرية الفعلية لمواصلة هذا، لكنهم لا يستطيعون الإبقاء على استمرار عملية مطوَّلة لأجلٍ غير مسمى». وأضاف: «نعتقد بقوة أن النظام فقد شرعيته. ليست لديه رؤية بشأن كيفية اخراج البلاد من الأزمة. الوضع يتدهور... نحن واثقون أن هذا سيصل الى نهاية إيجابية مثل تونس ومصر».


وهو يعتقد، مثله مثل آخرين، أن الشلل الاقتصادي الذي تعانيه سورية، وسط تقارير مستمرة عن أن أموال الحكومة تنفد، وأنها بدأت تدعو الدائرة الداخلية الى توفير تمويل طارئ، هي عوامل ستُضعف النظام. وقال الديبلوماسي: «حين لا يستطيعون سداد رواتب الموظفين والجيش والشرطة والميليشيا... فإن هذه الازمة ستتضخم وتؤدي الى انهيار النظام... هذه كارثة في انتظار الحدوث».
وبدأت مؤشرات الموارد المضغوطة والولاءات المتضائلة تظهر بالفعل. وقال ديبلوماسي آخر يقيم في سورية: «انشق نحو 50 من الجنود وضباط الصف الثاني، وساندهم السكان المحليون، وأرسلت السلطات قوات لصدهم فقُتل 120»، نافياً الروايات الحكومية عن ما حدث في جسر الشغور.
ويشير هو وآخرون من النشطاء، الى التقدم المتزايد للانتفاضة، التي تستقطب دعماً من مختلف قطاعات المجتمع.

 

وقال الديبلوماسي: «بعد ثلاثة أشهر، هذه ليست انتفاضة فقراء. هناك تمويل كبير من مجتمع رجال الأعمال السوري والطبقة الراقية. يوفرون المال والهواتف التي تعمل بالقمر الصناعي والكاميرات والطعام والمياه والمؤن الطبية». وأضاف: «هذه حركة ذات قاعدة عريضة، لا تضم شباباً سوريين فحسب، بل أئمة مساجد ورجال أعمال، وحتى أعضاء سابقين في حزب البعث».
وفي ضوء الضغوط المتزايدة من الغرب على دمشق، فإن الاحتمالات المرجحة قد لا تخرج عن ثلاثة: الاحتمال الاول، أن يُجري النظام السوري اصلاحات سياسية ملموسة ترضي الشارع، وهذا يعني ضمناً تغيير طبيعة النظام الى تعددي مفتوح. الاحتمال الثاني، تغيير النظام، خصوصاً إذا ما اتفقت الدول الغربية على قرار من مجلس الامن يمهِّد الارضية لتدخل غربي.
اما الاحتمال الثالث، فهو إضعاف النظام السوري بجولات من العقوبات ثم عزله عملياً.


كل هذه السيناريوات تحمل في طياتها تغييراً حتمياً في طبيعة علاقات سورية مع حلفائها وأعدائها على حد سواء، من لبنان الى ايران، ومن تركيا الى حماس وحزب الله. وقال ديبلوماسي غربي لوكالة «رويترز»، تعليقاً على العقوبات الجديدة التي يبحثها الاوروبيون: «سنؤكد أننا على استعداد لتوسيع إجراءاتنا التضييقية (ضد سورية) في الأيام القادمة». فيما قالت المستشارة الألمانية أنغيلا مركل بعد محادثات مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، إنهما «سيضغطان على روسيا» كي تؤيد قرار الامم المتحدة ضد دمشق. لكن في هذه الحالة، سيكون الرد السوري «انتقامياً»، كما يرى ديبلوماسيون. وحذر ديبلوماسي مطلع في تصريحات لـ «رويترز»، من أن دمشق قد تثير مشاكل بالمنطقة من خلال محاولة التحريض على حرب أخرى بين «حزب الله» واسرائيل. وتابع: «السوريون لهم أياد في أمور كثيرة. لديهم الكثير من الادوات لممارسة الضغط على جيرانهم وإثارة مشاكل بين حزب الله واسرائيل، وبين السنة والشيعة في لبنان، وبين حزب العمال الكردستاني وحزب العدالة والتنمية في تركيا»، في إشارة إلى حزب رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان.