|
تعهد الرئيس السوري بشار الاسد أمس حزمة من الاصلاحات السياسية في غضون أشهر، بما فيها انهاء احتكار حزب البعث الحاكم للسلطة، من غير أن يبدي أي لين حيال موجة الاحتجاجات المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أشهر على حكمه، رافضاً الخضوع لـ"مخربين" ومستبعداً التوصل الى أي اتفاق مع المسلحين. وسارعت المعارضة الى رفض الخطاب، قائلة إنه يفتقر الى أية إشارة الى انتقال حقيقي الى الديموقراطية، وخرج الآلاف الى الشوارع في مدن عدة للتعبير عن خيبتهم وتأكيد مضيهم في حملتهم.
في خطاب نقل مباشرة على الهواء واستغرق 70 دقيقة، وهو الثالث له منذ بدء الاحتجاجات الشعبية مطلع آذار، كرر الاسد الحديث عن "مؤامرة بالتأكيد"،قائلاً ان "المؤامرات كالجراثيم لا يمكن ابادتها... انما يجب ان نقوي المناعة في أجسادنا...ولا اعتقد ان سوريا مرت بمراحل لم تكن فيها هدفا لمؤامرات مختلفة قبل او بعد الاستقلال". ولئن أقر بان مطالب الاصلاح محقة، تحدث عن أن "مخربين" يستغلون الوضع. ووعد ببدء حوار وطني قريباً يمهد الطريق لقوانين جديدة، بما في ذلك القوانين المتعلقة بالانتخابات النيابية ووسائل الاعلام والاحزاب السياسية والنظر في تعديلات دستورية محتملة. واوضح ان "هذا الحوار عملية مهمة جدا يجب ان نعطيه فرصة لان مستقبل سوريا اذا أردناه ان ينجح، يجب ان يبنى على هذا الحوار الذي يشارك فيه مختلف الاطراف على الساحة السورية". واضاف أن هيئة حوار وطني ستتولى دعوة اكثر من مئة شخصية في الايام القريبة لمناقشة اطار الحوار وآليته. وافاد ان "الحوار الوطني قد يؤدي الى تعديل دستوري او دستور جديد"، في اشارة الى امكان تغيير المادة الثامنة التي تنص على قيادة حزب البعث للبلاد والتي تطالب المعارضة بالغائها. وتنص المادة الثامنة من الدستور السوري على ان "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية". ولمح أيضاً الى احتمال توسيع دائرة العفو، اذ قال: "سأطلب من وزارة العدل ان تقوم بدرس ما هو الهامش الذي يمكن ان نتوسع ضمنه في العفو ولو في مرسوم آخر في شكل يشمل آخرين من غير ان يضرب مصلحة وامن الدولة".
المخربون ومع ذلك، أظهر نية واضحة لتجاوز موجة الاحتجاجات، والدفاع عن نظامه حتى الرمق الاخير. وقال: "علينا ان نميز بين الاصلاحيين الحقيقيين والمخربين. المخربون هم مجموعة فئة قليلة، فئة صغيرة طبعاً مؤثرة حاولت استغلال الآخرين، حاولت استغلال الاكثرية الطيبة من الشعب السوري من اجل تنفيذ مآرب عدة، فالتمييز بين الفئة الاولى والثانية هام جدا... سنعمل على ملاحقة ومحاسبة كل من اراق الدماء او سعى الى اراقتها... عندما نعمل على تطبيق القانون، لا يعني الانتقام باي شكل من الاشكال من اشخاص خرقوا القانون". وشدد على أن "لا حل سياسياً مع من يحمل السلاح ويقتل".
انتخابات ولم يحدد الاسد جدولاً زمنياً واضحاً للاصلاحات الموعودة، الا أنه أمل ان تكون الرزمة جاهزة بحلول أيلول. وقال ان "انتخابات مجلس الشعب اذا لم تؤجل ستكون في شهر آب، وسيكون لدينا مجلس شعب جديد اعتقد في آخر آب... وأعتقد أننا قادرون على انجاز هذه الرزمة حتى نهاية شهر اب، ولنقل أنه في ايلول تكون هذه الرزمة منتهية".
عودة المهجرين ودعا نحو عشرة آلاف شخص فروا من القرى المحاذية للحدود مع تركيا الى العودة الى وطنهم: "هناك من يقول ويوحي لهم بان الدولة ستنتقم، انا اؤكد لهم أن هذا الشيء غير صحيح. الجيش موجود من اجل امنهم ومن اجل امن ابنائهم، فنتمنى ان نراهم قريبا في قراهم".
الاقتصاد ووسط التقارير عن تضرر الاقتصاد السوري، قال: "من المهم ان نعمل جميعاً على استعادة الثقة بالاقتصاد السوري. اخطر شيء نواجهه في المرحلة المقبلة هو ضعف او انهيار الاقتصاد السوري وجزء كبير من المشكلة هو نفسي. لا يجوز أن نسمح للاحباط او الخوف ان يهزمنا... الحياة الطبيعية هي التي تؤثر معنوياً، والاقتصاد يتأثر بالحالة النفسية. طبعاً نعود الى الحياة الطبيعية قدر الامكان. الازمة تدمينا، نعم تؤلمنا، نعم تهزنا نعم تسقطنا على الارض نعم، ولكن شرط ان ننهض مرة اخرى بشكل قوي وبعناد من اجل متابعة حياتنا بشكل طبيعي". وأكد أن المؤامرة" على سوريا تزيدها "عزة ومناعة"، الا أن سوريا في "لحظة فاصلة" بعد "ايام صعبة".
خيبة المعارضة وفي ظل افتقار الخطاب الى خطوات واليات محددة وواضحة،أعربت المعارضة السورية عن خيبتها، معتبرة ان الاسد فشل في معالجة مطالب المحتجين المطالبين بمزيد من الحريات والذين يشكلون أخطر تحد لحكم الرئيس السوري منذ 11 سنة. وقال وليد البني أحد رموز المعارضة إن "النظام ليس مدركاً أن هذه حركة شعبية تطالب بالكرامة والحرية. لم يقل الاسد اي شيء يرضي عائلات 1400 شهيد الذين سقطوا او يحقق الامال الشعبية ويحقق الحرية والديموقراطية".
واعتبرت "لجان التنسيق المحلية" التي تضم أبرز ناشطي حركة الاحتجاج في سوريا ان الخطاب الذي القاه الاسد "يكرس الازمة"، وأعلنت استمرار "الثورة" الى حين تغيير النظام. ورأت الناشطة السورية سهير الاتاسي ان خطاب الاسد "لا يرقى الى مستوى الازمة" وسيؤدي الى تأجيج التظاهرات ضد نظامه. اما المعارض حسن عبد العظيم فقال ان "الخطاب لم يكن كافياً... فيه افكار كثيرة، لكن المسألة بقيت غير واضحة في الخطاب وغير مطمئنة". ولاحظ الحقوقي انور البني ان الخطاب "لم يتطرق الى المطالب الاساسية للمجتمع وتجاهل ان هناك ازمة سياسية تعصف بسوريا وازمة مجتمع وسلطة وحولها الى ازمة اقتصادية". وفي لندن، قال المراقب العام السابق لجماعة "الاخوان المسلمين" علي صدر الدين البيانوني إن الخطاب لم يأت بجديد "ولم يتطرق الى القضايا الأساسية مثل انسحاب الدبابات والجيش من المدن السورية، وعدم اطلاق النار على المتظاهرين العزل، ومحاسبة المجرمين الذين ارتكبوا جرائم بشعة في حق المتظاهرين السلميين".
تظاهرات وفور انتهاء خطاب الاسد، نظمت تظاهرات مناهضة للنظام في مدن عدة في سوريا. واعلن مدير المرصد السوري لحقوق الانسان رامي عبد الرحمن، ومقره لندن، أن المتظاهرين ساروا في مدينة حلب الجامعية في شمال البلاد، وسراقب وكفر نبل في محافظة ادلب بشمال غربها وفي حمص بوسطها، و انتقدوا الكلمة التي وصفتهم بانهم لا مخربون او متطرفون"، مؤكدين انهم "يطالبون بالحرية والكرامة". واكد ناشطون اخرون تنظيم تظاهرات في حمص وحلب، وان تظاهرات تنظم ايضا في حماه واللاذقية وفي البوكمال في شرق سوريا على الحدود مع العراق ومدينة درعا في الجنوب وبلدات اخرى في سهل حوران مهد الانتفاضة. وفي يايلاداغي وألتن اوزو وبيونيونجون وريحانلي في اقليم هاتاي التركي الحدودي، تظاهر نازحون احتجاجاً على خطاب الاسد، وأكدوا أنهم لن يغادروا تركيا ، ولن يعودوا إلى ديارهم قبل أن يتنحى وتبدأ محاكمته.
ونسبت وكالة أنباء الشرق الاوسط المصرية "أ ش أ" الى نازحين فى مخيم بيونيونجون أن المخابرات السورية تحاول اختراقهم واغراءهم للعودة إلى جسر الشغور كي يقعوا في أيدي أجهزة الأمن. جولة للديبلوماسيين وكانت السلطات السورية نظمت أمس زيارة للديبلوماسيين المعتمدين فيها لمدينة جسر الشغور بمحافظة ادلب في شمال غرب البلاد والتي دخلها الجيش الاسبوع الماضي لطرد "تنظيمات مسلحة" منها.
وشارك في الزيارة السفير الاميركي روبرت فورد وغالبية الملحقين العسكريين المعتمدين في سوريا. وأفاد مصور "وكالة الصحافة الفرنسية" ان الوفد قام "بزيارة مفرزة الامن العسكري" حيث قتل 120 شرطيا في السادس من حزيران في هجمات شنتها "مجموعات مسلحة" على قوى الامن، بينهم 82 رجل امن، بحسب الرواية الرسمية. وبحث وزير الخارجية وليد المعلم مع رئيس اللجنة الدولية للصليب الاحمر جاكوب كلينبرغر في التطورات الاخيرة فى سوريا، وما تقوم به الحكومة من اجل اعادة الامن والاستقرار الى البلاد.
(و ص ف، رويترز، أ ب، أ ش أ، ي ب أ)
|