Date: Jul 1, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
المغرب يقترع اليوم على "ملَكية دستورية ديموقراطية"
"نعم" كبيرة متوقعة و"20 فبراير" انضمت إلى المؤيدين

الرباط – سوسن أبو ظهر    

 

يسأل ضابط ختم الجوازات في مطار محمد الخامس في الدار البيضاء عن سبب زيارة المغرب، ويبدي استغرابه حين يعلم أنها لتغطية الاستفتاء على التعديلات الدستورية. كذلك يتساءل سائق سيارة الأجرة عن دوافع الاهتمام الإعلامي بحدث يراه ذا طابع محلي. معه حق، فالعالم لم يبال بالاستفتاء السابق عام 1996، أما اليوم فإن "النسائم" التي يحملها "الربيع العربي"، وما يتبعها من "عواصف" سياسية أحياناً، تضع أي حدث في المنطقة تحت المجهر، فكيف إذا كان في نظام ملكي تتطلع إليه كل الملكيات العربية الأخرى.

تشهد البلاد اليوم "تحولاً ديموقراطياً كبيراً" كما جاء في منشور يمكن الواصلين إلى البلاد الحصول على نسخة منه في المطار. وفي بعض المستديرات في الرباط دعايات تظهر مواطنين مبتسمين يقولون إنهم "حاضرون".


وذاك الشاب الجامعي حاضر لـ"الانتصار الديموقراطي في دولة عربية افريقية تعترف بكامل عناصر هويتها، وخصوصاً الأمازيغية والصحراوية وحتى اليهودية". ويقول سائق سيارة الأجرة :"نعم كبيرة ليأخذ كل امرئ حقه وتصير البلاد أفضل". ولكن يبدو أن هذا الرجل لم يطلع على مضمون التعديلات التي زادت عدد مواد الدستور من 108 إلى 180، وهدفها أن يكون المغرب "ملكية دستورية ديموقراطية برلمانية واجتماعية" كما جاء في خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس في 17 حزيران، إذ حين تسأله عن فحواها وماذا يؤيّد فيها، يكرر رده السابق.


"20 فبراير"
غداة احتجاجات 20 شباط التي أعطت حركة "20 فبراير" اسمها، قال وزير الإعلام خالد الناصري إن ما أراد المتظاهرون إيصاله "قد فُهم". ولأن هذه الحركة، كما بقية الهيئات الشبابية العربية، من رموز الحراك الشعبي في المشهد العربي الراهن، التقت "النهار" الناشط فيها عزيز إيدامين.
وإذ يؤخذ على الحركة عدم وجود زعامات موحدة لها، يشرح إيدامين أن نزول "20 فبراير" إلى الشارع جاء منسجماً مع نشاتها على "فايسبوك" منبراً لـ"الديموقراطية الأفلاطونية". هل يعرقل ذلك العمل واتخاذ القرارات؟ يجيب أن "الزعامات السياسية يمكن تدجينها، لذلك رفض الشباب قيادة واحدة". من هنا كانت الحركة مروحة واسعة من غلاة اليمين واليسار وحتى الإسلاميين، لكل منهم رؤيته للنظام السياسي الأمثل، ومنهم من يذهب مثلاً إلى الدعوة إلى "ملكية برلمانية في أفق الجمهورية"، وفي الأمر جنوح عن كون المؤسسة الملكية جزءاً من التراث والتاريخ المغربيين. كما أن في أدبيات مكوناتها الكثير من التلاعب بالألفاظ، مثل القول إن البلاد في حاجة إلى "انتقال ديموقراطي" أو الشروع في "الانتقال نحو الديموقراطية".


وخلافاً للاعتقاد الشائع، فإن معظم عناصر "20 فبراير" تتجه إلى "نعم" للدستور المقترح، وخصوصاً حركة "بركة" (كفاية)، ولا ينفي ايدامين أن ذلك "يمكن أن يكون بداية انقسام". وإذا كان شباب آخرون دعوا إلى المقاطعة من منطلقات "مثالية وطوباوية"، فإن إيدامين كان من أنصار الـ"لا" في صناديق الاقتراع، قبل أن يقرر التصويت بـ"نعم"، لأن "هذا الدستور قد يكون مرحلة تمرين للطبقة السياسية في احتكار السلطة بعيداً من الملك، وهذا يقتضي تقسيم السلطة بين الجانبين". وأضاف: "سأقول "نعم"، ليس رضى عن الدستور ولا اقتناعاً به، بل لأنني أمام مشروع سياسي بينما البديل شعارات لا جدول أعمال واضحاً لها".


ويتحدث إيدامين عن إيجابيات منها "دسترة الخيار الديموقراطي كثابت لا تراجع عنه" وحماية حقوق الإنسان وتجريم التعذيب والاعتقال التعسفي". والأهم في نظره هو مناقشة الدور الديني للملك، فـ"إمارة المؤمنين كانت حقلاً سياسياً خارج البنية الدستورية". ذلك أن الفصل 19 الشهير في الدساتير السابقة انقسم اثنين في الوثيقة المقترحة. الفصل 41 ينص على أن الملك هو أمير المؤمنين ويتولى التشريع الديني، وبذلك "سيّجنا إمارة المؤمنين وبتنا نعرف حدودها". كما أنها "يمكن أن تشكل صمام أمان في وجه الإسلام السياسي المتطرف". والفصل 42 يتعلق بالدور المدني للملك الذي بقي شخصاً لا تنتهك حرمته. ولكن تعزَز دور الحكومة والنواب في السياسة العامة.


"ميثاق جديد"
الاستعدادات الرسمية للاستفتاء حدثنا عنها الوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف تحديث القطاعات العامة سعد العلمي، وهو كذلك عضو في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال الأقدم في البلاد، والذي رأى الدستور المقترح "ميثاقاً جديداً بين الملك والشعب يؤسس لملكية مواطَنة، وهذا مفهوم حديث أي أن يكون الملك المواطن الذي يعيش مشاكل شعبه".
وتوقع مشاركة واسعة اليوم في الصحراء "المغربية منذ تحررها"، مستبعداً أي حوادث أمنية ومقللاً شأن تحذيرات "جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب" (البوليساريو) من "تداعيات" إدراج المنطقة في الاستفتاء.


ورأى العلمي أنه "من المنطقي أن تكون هناك انتخابات مبكرة بعد الدستور، إذ يجب قيام برلمان جديد تنبثق منه حكومة تمثل الغالبية، وتالياً رئيس الوزراء (الذي لم يعد يعينه الملك). ما هو مطروح حالياً وضع تصور عام للمسار الذي سيؤدي إلى انتخابات، على الأرجح قبل موعدها في تشرين الأول 2012، ربما بحلول نهاية السنة الجارية أو الربيع المقبل. حتى ذلك الحين تبقى الحكومية الحالية تمارس مهماتها".


وسط أجواء التفاؤل التي تخيم على المغاربة بمختلف انتماءاتهم، تفاؤل تلمسه في شعارات التأييد الذي شذت عنه التيارات الماركسية وجماعة "العدل والإحسان" التي تنادي بإقامة دولة الخلافة، وقد قررت هذه وتلك مقاطعة الاستفتاء، يؤكد العلمي أن مستقبل المنطقة العربية مرتبط بمدى ترسيخ الديموقراطية، "الشعوب تعي ذلك، وعلى الأنظمة أن تفعل لأن ليس من الحكمة معاكسة مسار التاريخ". ولعل المغرب، كما يقول عزيز ايدامين، أمام "اللبنة الأولى لإقامة الملكية البرلمانية وبناء الديموقراطية".


إذاً، الـ"نعم" متوقعة اليوم، وبنسبة كبيرة، وهي تفتح مساراً طويلاً لأن تطبيق الدستور الجديد يتطلب وقتاً قد يصل إلى أشهر طويلة بالنسبة إلى بعض الأمور، منها ترجمة دسترة الأمازيغية وإنشاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية. وإذ يتساءل الإعلام الغربي، الفرنسي تحديداً، هل ينبغي تهنئة المغرب أم انتقاده لأن المطروح لا يماثل الملكيات الدستورية بمفهومها الأوروبي، لا يمكن إغفال إيجابيات كثيرة أبرزها المساواة بين الرجال والنساء وتجريم الاعتقال التعسفي والتعذيب، وهي أمور متقدمة عما شهدها المغرب نفسه قبل سنوات غير بعيدة. وسواء أكان ما يختبره المغرب اليوم من الثمار الطيبة لـ"الربيع العربي" أم فاكهة محلية صرفة، يبقى جديراً بالاهتمام والمتابعة والانتظار قبل أي حكم مسبق.