|
اكتملت حلقات التصعيد السياسي المفتوح على سقوف مرتفعة منذ صدور القرار الاتهامي للمحكمة الخاصة بلبنان الاسبوع الماضي، لتدفع بكرة النار غداً الى مجلس النواب المرشح لان يتحول محطة منبرية للمبارزات الحادة طوال ثلاثة ايام إن لم يطرأ ما يمددها. فبعد الصخب الذي اثاره البيان الوزاري للحكومة وردود الفعل الواسعة على موقف الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله برفض القرار الاتهامي، حطت العاصفة رحالها أمس في لقاء "البريستول" لقوى 14 آذار التي لم تقف عند حدود تمسكها بالمحكمة الدولية والتزامات لبنان حيالها، بل أعلنت مواجهة مفتوحة مع الحكومة ورئيسها على قاعدة تخيير الرئيس نجيب ميقاتي بين اعلان التزامه القرار 1757 "أو إرحل".
واتسم بيان اللقاء بنبرة بالغة الحدة بحيث جاء متمماً للحملة التي اطلقتها قوى 14 آذار على "غلبة السلاح" غداة اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، خصوصا ان هذه القوى اعادت ادراج تلك الحملة في صلب بيانها الجديد. لكن النقطة البارزة في بيان "البريستول" تمثلت في شروع المعارضة فعلاً في حملتها لاسقاط الحكومة عشية جلسة مجلس النواب التي تبدأ غداً لمناقشة بيانها الوزاري والاقتراع على الثقة بها، مفتتحة بذلك الفصل الساخن الجديد من المواجهة بعدما وفرت لها الحكومة في الفقرة المتعلقة بالمحكمة المادة الخصبة، ومن ثم بعدما رسمت كلمة السيد نصرالله مساء السبت ما اعتبر "خريطة الطريق" للحكومة. وهي عوامل يعتقد المطلعون انها حاصرت الحكومة في موقع شديد الحرج والدقة على المستوى الداخلي مع احتدام المناخ السياسي، كما ستضعها امام استحقاق خطير للغاية في مواجهة ردود الفعل الدولية بازاء احتمال اخذ الحكومة بجريرة موقف "حزب الله" من القرار الاتهامي والمحكمة الدولية كلاً.
وعقب الاجتماع الموسع لقوى 14 آذار الذي ادخل تعديلات على المشروع الاولي للقاء، رأت قوى المعارضة ان الحكومة "لم تنقلب على الديموقراطية فحسب بل انها في مشروع بيانها الوزاري تتنكر لمطلب العدالة الذي التزمته الدولة اللبنانية امام الشعب اللبناني والمجتمع الدولي في البيانات الوزارية السابقة". واذ لفتت الى موقف نصرالله من غير ان تسميه "وبعدما سمعناه من منطق يعتمد غلبة السلاح والقوة على كل اللبنانيين مما اكد ارتهان الحكومة لهذا المنطق"، طالبت رئيس الوزراء "باعلان التزامه امام مجلس النواب صباح الثلثاء القرار 1757 بشكل صريح ومباشر (...) او فليرحل هو وحكومته غير مأسوف عليهما".
وتعهدت قوى 14 آذار التي تلا بيانها الرئيس فؤاد السنيورة "مواجهة المسار المدمر للعيش المشترك وللدولة وللنظام السياسي لكسر الغلبة القائمة على السلاح، ومباشرة العمل لاسقاط هذه الحكومة التي جاءت بانقلاب ابتداء من الثلثاء ما لم يعلن رئيس الحكومة التزامه تنفيذ القرار 1757، واطلاق حملة سياسية عربية ودولية لاخراج الجمهورية من أسر السلاح، والطلب من الحكومات العربية والمجتمع الدولي عدم التعاون مع هذه الحكومة في حال عدم تنفيذها مندرجات القرار 1757". واوضحت انها "ستقوم بكل الخطوات السلمية التي تراها مناسبة حفاظاً على دماء شهداء ثورة الارز ومستقبل العدالة والاجيال الصاعدة في لبنان".
اجتماع نيابي واثر الاجتماع الموسع لقوى 14 آذار، عقد اجتماع آخر مغلق لنواب هذه القوى تخلله بحث في التحضيرات لجلسة مناقشة البيان الوزاري. وافادت مصادر نيابية مشاركة في الاجتماع ان النواب توزعوا الادوار بالنسبة الى جلسة المناقشة وشددوا على "ضرورة تجنب الوقوع في فخاخ الاستفزاز". وفهم ان عددا كبيرا من نواب قوى 14 آذار ادرجوا اسماءهم ضمن لائحة طالبي الكلام في الجلسة. وصرح النائب مروان حماده بأن البيان الصادر عن قوى 14 آذارت تضمن ثلاثة اجزاء: الاول كان لتوصيف الوضع لجهة ابراز غلبة السلاح، والثاني كان لاتاحة الفرصة امام الرئيس ميقاتي لاثبات التزامه القرار 1757 أو الرحيل، والثالث اكد تصاعد المعارضة المفتوحة ديموقراطيا، لافتا الى تشكيل هيئة طوارئ من المجتمعين ستكون اجتماعاتها مفتوحة في هذا الصدد.
ميقاتي: حملة تجن واثار بيان قوى 14 آذار استياء الرئيس نجيب ميقاتي الذي قالت أوساط قريبة منه إنه ادرج موقف المعارضة في إطار حملة تجن ظالمة وافتراء عليه. واضافت ان قوى 14 آذار نسيت ان ميقاتي لم يفرط منذ عام 2005 والى الآن في اي حقوق تعود الى رئاسة الحكومة، كما لم يفرط في الدستور ولا في المحكمة الدولية، علما انه هو من وقع البروتوكول الخاص بالمحكمة وحصلت اقالة الضباط الاربعة خلال ولاية حكومته. ورسمت علامة استفهام حول الحملة على ميقاتي متسائلة "هل يريدون الحقيقة والعدالة أم السلطة؟ وبدل ان يتابعوا مسار القرار الاتهامي كما وعد ميقاتي، اذا بهم يطالبونه بالتنحي والاستقالة ليجلسوا مكانه". وخلصت الى انه "اذا كان ميقاتي صمت كل هذه الفترة وتجنب الدخول في سجالات، فإن ذلك لا يعني انه سيستمر صامتاً في وجه حملات التجني الظالمة التي تشن عليه".
النبرة عالية في مخاطبة السلاح واجتماعات مفتوحة وهيئة طوارئ 14 آذار من "البريستول": إسقاط حكومة ميقاتي بدءاً من الثلثاء
اكتملت ظروف المواجهة السياسية أمس برد شامل من قوى 14 آذار على التحدي الذي أطلقه الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله في موقفه الرافض للقرار الإتهامي والمحكمة الدولية والتزامات لبنان تجاهها، فطغت على البيان - الوثيقة الذي أعلنته إثر مؤتمرها الخامس والإستثنائي في فندق "البريستول" نبرة المواجهة والتصميم على إسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بصفتها "مجرد واجهة للحزب المسلّح ونتيجة لانقلابه وأداة لعملية وضع يده بالقوة على الدولة". هكذا لم يترك موقف 14 آذار منفذاً ولو افتراضياً للرئيس ميقاتي سوى "إعلان التزامه أمام مجلس النواب صباح (غد) الثلثاء القرار 1757 (المتعلق بتشكيل المحكمة الدولية) في شكل صريح ومباشر، وكذلك إلتزامه الخطوات التنفيذية لهذا القرار، أو فليرحل هو وحكومته غير مأسوف عليهما".
المؤتمر الذي انعقد السادسة والنصف مساء تحت صور الشهداء وشعار "المحكمة طريقنا إلى العدالة" رافقته إجراءات أمنية مشددة حول الفندق، وجمع أقطاباً في الحركة الإستقلالية وممثلين لهم ونواباً حاليين وسابقين ووزراء سابقين وشخصيات مستقلة وناشطين في المجتمع المدني. كان أبرز الحضور حول الطاولات المربعة الرئيس أمين الجميّل والرئيس فؤاد السنيورة، وألقى الأمين العام لـ "تيار المستقبل" أحمد الحريري تحية الرئيس سعد الحريري إلى المشاركين، ومثله النائب جورج عدوان باسم رئيس الهيئة التنفيذية لحزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع الذي سافر أمس إلى دولة الإمارات العربية.
النشيد الوطني، فدقيقة صمت إجلالاً للشهداء. خرج المصورون والمراسلون الصحافيون. وألقى منسق الأمانة العامة لـ 14 آذار الدكتور فارس سعيد كلمة دخلت الموضوع مباشرة: "إن وصاية السلاح التي حلت مكان الوصاية السابقة تضعنا أمام خيار من اثنين: إما الخضوع لشروط حزب الله أو استقبال الحرب الأهلية (...). إن الحرص الذي أبداه الأمين العام لحزب الله على حكومة ميقاتي يجعلنا لا نضيع البوصلة. علينا انتزاع شرعية السلطة مجدداً لئلا يتحول لبنان وطناً أسيراً. يُمسك حزب الله بحكومة لبنان. علينا استرجاع حكومة لبنان. ولا يغيب عن بالنا أن هذه المعركة لا تربح بالضربة القاضية بل بالنقاط (...)".
وتكلم الرئيس الجميّل على صعوبة المرحلة الآتية وضرورة الخطوات العملانية، وتلاه الرئيس السنيورة مؤيداً ما قال الجميّل ومركزا على القرار 1757، ثم النائب عدوان الذي تحدث عن "حكومة الغطاء الشرعي للاشرعية" مما يوجب إسقاطها. وتكلم أحمد الحريري على وضع في المنطقة العربية لم يكن موجودا العام 2005 ويشكل دافعا للبنانيين المتمسكين بالحرية والسيادة والإستقلال. وانتقل الكلام إلى النائب مروان حماده "أول شهيد حي على طريق المحكمة" كما عرّف به سعَيد، فسرد انطباعات من وصوله إلى مطار بيروت للمشاركة في المؤتمر وجلسات البيان الوزاري، إذ كان أول مشهد طالعه إزالة الرصاص عن المدارج في مطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومحيطه. وقال إن كلام نصرالله السبت "كان إمعاناً في التزوير واستعمال المزوّر".
وتكلم رئيس حزب الوطنيين الأحرار النائب دوري شمعون وعميد حزب الكتلة الوطنية كارلوس إده فركزا على رفض دولة السلاح والحكومة التي تحميه. وتلا السيد نصير الأسعد مسودة البيان، ثم ألقيت مداخلات بإدارة النائب السابق سمير فرنجية دعا فيها المتكلمون إلى إدخال تعديلات على البيان، بعضها لفظي وبعضها جذري. فاقترحت النائبة والوزيرة السابقة نايلة معوض توضيح خطر العقوبات على لبنان للمواطنين، ولفت النائب السابق غطاس خوري إلى ضرورة اعتماد لغة واضحة حيال الحكومة فإما دعوتها إلى تطبيق القرار 1757 أو الدعوة إلى إسقاطها فوراً. وركز النائب روبير غانم على أهمية توضيح خطورة إخراج لبنان من الشرعية الدولية. وكانت للوزير السابق حسن منيمنة مداخلة دعا فيها إلى تبسيط البيان. أما النائب هادي حبيش فسأل: "ماذا بعد إسقاط حكومة ميقاتي؟ سيسألنا الناس هل نعود إلى حكومة تصريف أعمال؟ أقترح مع الدعوة إلى إسقاطها المطالبة على سبيل المثال بانتخابات نيابية جديدة".
وقدم النائب بدر ونوس والزميلة مي شدياق اقتراحات للتعديل، وطالب النائب إيلي ماروني بلهجة أقوى في البيان، وأيده في ذلك النائب حماده، فأوضح النائب السابق سعيد آلية وضع البيان، وقال العميد إده إن الحكومة هي حكومة "حزب الله" وسوريا أيضاً. ولفت نائب رئيس الكتائب سجعان قزي إلى تناقض بين مناقشة البيان الوزاري في البرلمان ودعوة الدول العربية والمجتمع الدولي إلى مقاطعة الحكومة. بينما توقف النائب ميشال فرعون عند ظاهرة عدم مشاركة الوزراء المسيحيين الـ 15 في وضع بند المحكمة الدولية في البيان الوزاري ومناقشته. وقدم الدكتور توفيق هندي اقتراحاً بالدعوة إلى حكومة انتقالية أو الإنتخابات النيابية، ثم تكلم النائب سامي الجميّل مركزاً على ضرورة ألا يكون القرار الإتهامي "الذي انتظرناه ست سنين" حدثا عابراً، واقترح وضع خطوات عملية للتحرك لا تستثني الإعتصام والتظاهر، محذرا من "تفويت 14 آذار الفرصة مرة أخرى وتخييب الآمال".
البيان وأعلن فرنجية لجنة لإعادة صوغ البيان في ضوء اقتراحات التعديل ضمت النواب: حمادة، نهاد المشنوق، سامي الجميل، النائب السابق باسم السبع، والزميل نصير الأسعد. وبعد نحو ساعة، في التاسعة، أنهت اللجنة مهمتها وتلا الرئيس السنيورة البيان: "لقد أردتُم ايها اللبنانيون عيش الأحرار، فانتزعتم حقّكم، حقَّ شهدائكم في العدالة، العدالة هي ضمان استقراركم واستقلالكم، فضلاً عن كونها حقاً أقرَّته الشرائع السموية والشرعةُ العالمية لحقوق الانسان. ونرفضُ أن يأتي البعض ليضعنا أمام معادلةٍ ظالمة وغير أخلاقية، مفادُها أن العدالة تهدّد السلمَ الأهلي وأنها لن تطبّق في لبنان ولو بعد قرون.
إن موجات الاغتيال السياسي واعمال القتل والتفجير والارهاب التي شهدها لبنان، ما كان لها ان تبلغ هذا المدى الخطير من العنف، الا من خلال بيئة ترعرع فيها استخدام السلاح غير الشرعي. وإذا كان اتفاق الطائف، قد شدد على وضع حد لهذه الظاهرة، واكد اعادة الاعتبار لمكونات الدولة العسكرية والامنية، وحصرية امتلاكها للسلاح، فان تراكم الخروقات لهذا الجانب من الاتفاق، أعاد وضع البلاد من جديد، تحت رحمة البيئات المسلحة، والتي تقوم عمليا بدور الشريك السارق للدولة ومؤسساتها الشرعية في مسؤولياتها الامنية والعسكرية والقضائية (...).
إننا من موقعنا في المعارضة الوطنية والديموقراطية وبعد ما سمعناه بالأمس من منطق يعتمد غلبة السلاح والقوة على كلّ اللبنانيين مما أكّد ارتهان الحكومة لهذا المنطق، نطالب رئيس الحكومة بإعلان إلتزامه أمام مجلس النواب صباح الثلثاء القرار 1757 في شكلٍ صريحٍ ومباشر وإعلان إلتزامه الخطوات التنفيذية لهذا القرار أو... فليرحل هو وحكومته غيرَ مأسوف عليهما. لأن هذه الحكومة برئيسها ومجموع اعضائها وكل من يجلس إلى طاولتها، هي حكومة إنقلاب على اللبنانيين الذين انتصروا للعدالة والحرية، ووجدوا في المحكمة الدولية الجهة الصالحة والقادرة على محاسبة المسؤولين عن مسلسل الاجرام الارهابي الذي وقع على لبنان ورموزه الوطنية". ورفض التفريط بدم الشهداء، معلنا "تمسك قوى 14 آذار بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية كافةً، لا سيما القرار 1757 بكل مندرجاته والتزامها الآتي:
أولاً، مواجهة المسار المُدَمّر للعيش المشترك وللدولة وللنظام السياسي، والذي بدأ بالإستيلاء المسلّح على العاصمة العام 2008، والذي لم يَحُل دونَ استمراره وتفاقُمِهِ إتفاقُ الدوحة، ولا فوزُ قوى 14 آذار في إنتخابات العام 2009، ولا حكومات الوفاق الوطني، ولا سعيُنا الدائم إلى تغليب اعتبارات المصالحة الوطنية. وسنتابع النضال لكسر هذه الغَلَبة القائمة على السلاح.
ثانياً، مباشرة العمل لإسقاط هذه الحكومة التي جاءت بانقلاب، إبتداءً من الثلثاء ما لم يعلن رئيس الحكومة إلتزامه تنفيذ القرار 1757.
ثالثاً، إطلاق حملة سياسية عربية ودولية لإخراج الجمهورية من أسر السلاح، والطلب من الحكومات العربية والمجتمع الدولي عدم التعاون مع هذه الحكومة في حال عدم تنفيذها مندرجات القرار 1757.
رابعاً، ستقوم قوى 14 آذار بكل الخطوات السلمية التي تراها مناسبة حفاظاً على دماء شهداء ثورة الأرز ومستقبل العدالة والأجيال الصاعدة في لبنان.
خامساً، قرّر المجتمعون إبقاء اجتماعاتهم مفتوحة وتشكيل هيئة طوارئ لمتابعة التطورات واتخاذ المواقف المناسبة".
وختم: "لقد كُنّا مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وسنبقى معها لإحقاق العدالة، وحفظ كرامة اللبنانيين وحقّهم شهداءَ وأحياءً، وصَون الحياة السياسية من ممارسات الإغتيال. لا لحكومة حزب الله. نعم للحرية والعدالة. نعم للعيش المشترك، والديموقراطية والدستور. المجدُ للبنان، والخلودُ لشهدائنا الأبرار". إيلي الحاج
|