Date: Jul 4, 2011
Source: جريدة الراي الكويتية
هكذا اغتيل الحريري بمتفجّرة من زنة حرب في... «عيد الحب»
اغتيال الحريري... من المحكمة إلى... المحاكمة (4) / «الراي» تقلّب وقائع اليوم الذي قلَب لبنان رأساً على عقب

بعد ستة أعوام وأربعة أشهر ونصف الشهر على الجريمة التي هزّت لبنان والعالم، صدر القرار الاتهامي في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري ورفاقه عند الواجهة البحرية لمدينة بيروت.
ومع ارتداء «تيار المستقبل» وإعلامه وقوى 14 آذار شعار «على طريق العدالة»، استعاد اللبنانيون شريط ذاك «اليوم الأسود» الذي شكّل مفترقاً «انعطف» معه تاريخ لبنان ليدخل في الأعوام التي تلت مرحلة جديدة، سواء في العلاقات بينه وبين سورية، او بين مكوّناته السياسية والطائفية والمذهبيّة.


انه اليوم الذي «حُفر» في ذاكرة وطنٍ لم يكن يعلم انه سيدخل مع «تفجير» الحريري بمتفجّرة بزنة أكثر من طن كأنها «حرب»، في دوامة دموية من اغتيالات سياسية بدا كأنّ وراءها «قاتل متسلسل» انقسم اللبنانيون على هويّته ودوافعه على مدار «مسلسل» التحقيق الدولي وصولاً الى «المحكمة الخاصة بلبنان» التي باتت قاب قوسيْن من محاكمة المتَهمين.
كانت الساعة تشير الى الاولى إلا ربعاً ظهراً. كان يوم «عيد العشّاق» في 14 فبراير 2005. الجوّ السياسي كان متوتراً في لبنان رغم سطوع الشمس في واحد من أيام فبراير. كانت الغيوم السياسية مكفهرّة، وكان رئيس الوزراء يومها رفيق الحريري يتعرّض لحملة تخوين كبيرة.
في ذلك اليوم، كان موكب الحريري يعبر بهدوء أمام فندق «فينيسيا» بعدما انطلق من باحة مجلس النواب، حيث أجرى حديثاً سريعاً مع الصحافيين فيصل سلمان ومحمد شقير اكد فيه أن «لا أحد يزايد عليّ في وطنيتي وعروبتي».


قبل ذلك، طلب من مرافقه يحيى العرب أن يتصل بـ «الزعران»، أي سلمان وشقير، لأنه يريد أن يشرب القهوة معهما. فاتصل «أبو طارق» بشقير قائلاً له: «بدّو ياكن ضروري أو بقتلكن اليوم»؟ هكذا قال بالحرف، كأنه كان يعلم أن النهار لن يمرّ من دون قتل.
لم يكتف الحريري بدعوة واحدة، فطلب مرة ثانية أن يلاقوه «ع المدرسة»، قاصدا المقهى الواقع قبالة مبنى البرلمان، وبعث بالرسالة هذه المرة مع النائب علي حسن خليل من على درج مجلس النواب. قال له: «أنا فايت عند معلّمك (قاصداً رئيس البرلمان نبيه بري)، شف لي الزعران ويلاقوني عالمدرسة». فاتصل خليل بشقير: «عم يقول بدّو الزعران، دخل عند بري وسيلاقيكم».


لم تمض دقائق حتى أطلّ الحريري ولحق به النواب باسل فليحان وأيمن شقير وفارس سعيد وعاطف مجدلاني. جلس إلى طاولة ثالثة، بين «طاولة القرار 1559» التي يجلس عليها عادة مسؤول الاعلام في الامم المتحدة نجيب فريجي، و«طاولة اتفاق الطائف» التي يجلس عليها سلمان وشقير. واطلق على طاولته تسمية «قرار الامم المتحدة لمحاربة الارهاب».
بدأ الحديث عن الزيت واتهام جمعية خيرية تابعة له بتوزيعه «لاغراض انتخابية». قال لمجلسه الأخير إنه يريد أن ينسى ما حصل «لأن أي إثارة إضافية من قبلنا ستعتبر إسفافاً». وخاطب النائب وليد عيدو «ع السكيت، اعتبروها منتهية وقول للشباب (أي النواب) يضبضبوا الموضوع».


ثم تطرق الى العروبة والوطنية، فقانون الانتخاب و«الألغام» البيروتية فيه وصلاحيات وزير الداخلية الاستنسابية والعلاقة مع سورية، وصولاً إلى «أخطاء كانت وما زالت ترتكب». لم يكن يعرف أن خطأ أكبر على وشك الوقوع. كان يقول لمن حوله «من حاولوا اغتيال مروان حمادة لن يتجرأوا على الاقتراب مني لأن محاولة الاغتيال صنعت شبكة أمان وطنية ضدهم»، رغم التحذيرات الامنية التي وجهها إليه مسؤولون أمنيون وسياسيون محليون وعرب ودوليون.
«من شدة إيمانه كان لا يبالي بالاجراءات الامنية»، يقول محمد شقير. علماً ان الجميع كانوا يهمسون بامكان قتله أو قتل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وخصوصاً ان جريدة «الحياة» عنونت قبل يومين من الاغتيال «شيراك وبوش يحذران سورية من المسّ بسلامة الحريري وجنبلاط».


كان الحريري متلهفاً للقاء «الزعران» في «المدرسة»، إلا أنه لم يطل اللقاء معهم لأن «أبو طارق» همس له مذكراً إياه بموعد على الغداء، فقال له «جهّزوا السيارات» قبل ان يغادر مع فليحان.
ترك خبراً لمستشاره الاعلامي هاني حمود ان يلاقيه الى قريطم (مقر اقامته في غرب بيروت) ليكون حاضراً في استقبال ضيوف الغداء. وكان يريد اصطحاب النائب باسم السبع معه، لكن الأخير كان يحضر جلسة مناقشة قانون الانتخاب.
غادر، وكانت تلك المرة الأخيرة التي يراه فيها أحد حياً. في ايامه الأخيرة كان يسخر من الاجراءات الامنية. يتنقل بين قريطم والمناطق الاخرى كأنه ليس رفيق الحريري المهدّد المخوّن.


في الأحد الذي سبق اغتياله، أرسل شابين لينقلا مروان حمادة الى منزله لأنه اراد تمضية بعض الوقت معه. ثم أوصل حمادة بنفسه إلى منزله وراح يقود سيارته في شوارع بيروت من دون خوف. كتب فيصل سلمان لاحقاً: «كان بإمكاني التقاط ضحكته التي تركها قربي». واضاف أن الشهيد «تطاير كحبات التراب التي أحبها ولاعبها حتى كبرت وصارت مدينة، ولما اشتد ساعدها رموها في وجهه ناراً ورماداً».
غادر ساحة النجمة وما لبث ان سمع دويّ انفجار قوي. البعض ظنه جدار صوت لانه أتى على دفعتين. والبعض الاخر ظنه تفجيراً انتحارياً أو عبوة تستهدف مرافق سياحية. لكن الجميع ادركوا بعدها الزلزال الكبير الذي وقع.


امام فندق «سان جورج» كان بعض السياح قد خرجوا من فنادقهم للاستفادة من شمس فبراير. مشهد اعتادته المنطقة حتى الضجر. اما موكب رئيس الوزراء فكان ينساب من دون أبواق، على ما صرح عابرون. في الاولى إلا ربعاً، اهتزت بيروت ووصل ضغط اهتزازها إلى المناطق الواقعة على أطرافها وخارجها.
ظن اللبنانيون أنه اختراق آخر من تلك الإختراقات التي تقوم بها الطائرات الإسرائيلية. لكن الإنفجار تبعته سحابة من الدخان الكثيف راحت تغطي سماء العاصمة من جهة وسطها.


ثوان وتساقط زجاج أبنية المنطقة البحرية الممتدة من «سان جورج» حتى أطراف شارع فردان. بساط من الزجاج فرش الطرق التي حاول عابروها أن يصلوا إلى مكان ما لسماع نشرة الأخبار لمعرفة ما حصل. خطوط الهاتف توقفت. حركة السير شبه متوقفة بدءاً بشارع الحمراء (غرب بيروت) مروراً بكليمنصو وصولاً إلى مشارف القنطاري، حيث تهافت الأهالي لإخراج أطفالهم من المدارس. وعند تقاطع كاتدرائية مار جرجس، قطع شبان الطريق قبل ان يصل العناصر الامنيون لتطويق مكان الانفجار. المشهد يذكر بالحرب. الحرب تطل برأسها من أحدى المناطق السياحية. الشمس تختفي وراء سحب الدخان. السيارات تحاول الفرار من «منطقة الرعب». الجميع يبحثون عن مهرب، نزلاء الفنادق والعاملون فيها والعابرون. النار تلتهم عشرات السيارات والدخان يتصاعد. رائحة الحريق تصل إلى مشارف الحمراء. رائحة قوية تذكر ايضاً برائحة الحرب. زجاج الأبنية المجاورة يستمر في التساقط. الشارع قبالة مبنى «سان جورج» صار اشبه بفرن. النيران تأتي على كل شيء. واجهة الفندق العريق التي تخضع لصيانة عادت أسوأ من السابق. فبعدما كانت منخورة بالرصاص من زمن الحرب الاهلية بدت كأنها خاضت حربا كاملة في لحظات. عشرات السيارات تحترق. سيارات أخرى تضررت في شكل كبير بعدما تساقطت عليها شظايا السيارات المنفجرة. المبنى القديم قبالة «سان جورج» انهار في شكل شبه كامل فوق السيارات المتوقفة تحته.


خائفون فروا من المكان وقتلى يتفحمون داخل سياراتهم. السحابة تكبر وترتفع. انها الاولى والنصف. سيارات الإسعاف والإطفاء في كل مكان. أنباء عن تفكيك عبوة في مكان ما. البعض يتحدث عن اغتيال الرئيس الحريري ولكن لا شيء مؤكداً. في تلك الأثناء، بدأ أصحاب متاجر الحمراء والعاملون فيها ترتيبات الإقفال قبل أن يخلوا الشارع. جامعات المنطقة تفرغ من طلابها. شعاع الاضرار اتسع جنوباً حتى مطعم «انكل ديك» وشمالاً حتى حدود مبنى «ستاركو» حيث أفيد عن وقوع إصابات طفيفة.
الفنادق المحيطة بمكان الانفجار فرغت من نزلائها. طاولتها الاضرار في الخارج والداخل. مصاعدها توقفت عن العمل، وتوقف ضخ المياه في القساطل جراء ضغط الإنفجار. حتى ان بضعها قطع الكهرباء خوفاً من اندلاع حرائق. داخل الغرف، دمار كبير بسبب انهيار الزجاج على الخزائن واجهزة الكهرباء والأسرّة.


شيئاً فشيئاً اتضحت الصورة: انفجار ضخم استهدف الرئيس الحريري ومرافقيه واحدث حفرة عمقها نحو مترين وقطرها عشرة أمتار. وقرابة الثانية والنصف أصدر مستشفى الجامعة الاميركية بياناً أكد فيه أن الحريري وصل اليه وقد فارق الحياة مع نحو تسعة جثث وعشرات الجرحى. قطعت الطرق المؤدية الى «سان جورج»، ثم وصل اليها رئيس مجلس الوزراء انذاك عمر كرامي ووزير الداخلية سليمان فرنجية ونواب ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي جان فهد ومسؤولون أمنيون.
سرت اخبار ان النائب سمير الجسر كان يرافق الحريري وقد اصيب. لكن تأكد لاحقاً انه بخير بعدما اجرت احدى الاذاعات اتصالاً به. كما علم ان فريق «قناة أبو ظبي» نجا من الموت، اذ كان افراده يصورون في منطقة الفنادق، ومروا بالمكان قبل خمس دقائق من الانفجار.


«الراي» تضيء على الحيثيات القانونية التي أوصلت الجريمة إلى الأمم المتحدة

ماجد فياض: اغتيال الحريري حدث إرهابي هدّد السلم والأمن الدوليين

 

بيروت ـ من ريتا فرج:
مع الاعلان الرسمي عن القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري مصادَقاً عليه من قاضي الاجراءات التمهيدية في المحكمة الخاصة بلبنان دانيال فرانسين، عادت الأنظار مجدداً الى هذه المحكمة كجسم قانوني وقضائي وُجد بموجب القرار 1757 الذي صدر عن مجلس الامن للنظر في «التفجير الإرهابي» الذي وقع في 14 فبراير 2005.
في هذه الحلقة تضيء «الراي» على الوقائع القانونية التي أوصلت جريمة اغتيال الحريري الى أعلى منبر قضائي دولي تحت عنوان «الارهاب السياسي».
فما الجوامع المشتركة بين المحكمة الخاصة بلبنان والمحاكم الدولية الأخرى؟ وهل هي المرة الاولى تنشأ فيها محكمة دولية تحت خانة «الارهاب السياسي»؟ وماذا تعني المواءمة بين قانون العقوبات اللبناني والقانون الجزائي الدولي؟
في ما يأتي حوار حول هذه العناوين مع الخبير في القانون الجزائي الدولي المحامي ماجد فياض:

 

• ما الفرق بين المحاكم الجنائية الدولية والمحاكم الى الخاصة ومن بينها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان؟
المحاكم الجنائية الدولية هي في حقيقتها محاكم خاصة استثنائية، تقع خارج النظام القضائي للبلدان التي تقع فيها الجرائم التي يعاقب عليها القانون الجزائي الدولي، كجرائم الحرب والجريمة ضد الانسانية والابادة الجماعية. ونستطيع اليوم مع إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان ذات الطابع الدولي، أن نضيف جريمة الاغتيال والارهاب السياسيين (إذا كانا يمسان بالسلم والأمن الدوليين) لنعتبرها أيضاً ضمن الولاية القضائية لهذه المحاكم. وتنقسم هذه المحاكم قسمين: محاكم دولية خاصة، ومحاكم مختلطة أو هجينة لأنها تستقي أنظمتها القانونية من القانون الجزائي الدولي بمعاييره التي أقرتها الأمم المتحدة ومن القانون المحلي الذي يتصل بدولة محددة، وهذه هي الحال في المحكمة الخاصة بلبنان، التي راوجت بين القانون الجزائي الدولي والقانون اللبناني، سواء لجهة أصول المحاكمات الجزائية اللبنانية أو لجهة قانون العقوبات.


• للمرة الأولى يتم تأسيس محكمة دولية خاصة تتعلق بحيثيات اغتيال رئيس وزراء سابق. ما الوقائع القانونية التي اعتمدت عليها الهيئات الدولية والمحلية لايصال هذه القضية التي صنفت ضمن الارهاب السياسي الى أعلى منبر قضائي دولي؟
لم يكن القضاء الجزائي الدولي معنياً بجرائم الاغتيال السياسي أو الارهاب، في المعنى الذي استقر عليه في القوانين الجزائية الدولية قبل اغتيال الرئيس الحريري وسائر الشهداء الذين اغتيلوا معه. وما كان لهذه الجريمة أن تقف أمام محراب القضاء الجزائي الدولي لولا أن سلسلة من الاغتيالات قد لحقت بها، فشكلت نموذجاً لحال إرهاب عامة. وقد نظر المجتمع الدولي الى اغتيال الرئيس رفيق الحريري بمنظار ما نجم عن هذا الاغتيال من ارتدادات سياسية، داخلية واقليمية ودولية سواء بسبب الحجم السياسي والحيز المعنوي الذي كان يحتله شخصياً، أو لجهة مجمل الاوضاع التي أحاطت بلحظة الاغتيال بما في ذلك وجود النظام السوري على الاراضي اللبنانية، وتأثيره في معطيات الحياة السياسية ما دفع البعض الى اعتباره نظام هيمنة ووصاية على سيرورة الحكم في لبنان.
وخلال هذه الظروف التي رافقت تشكيل لجنة تقصي الحقائق التي انتدبها مجلس الامن للكشف على الواقع الامني والسياسي في لبنان، وما تبعها من تقارير أشارت الى عجز المؤسسات السياسية والأمنية وعدم قدرتها على اجراء تحقيقات أمنية وقضائية بما يؤدي الى كشف طبيعة هذه الجريمة الارهابية وتحديد المتورطين فيها من مشاركين ومحرضين ومتدخلين، كل ذلك دفع مجلس الامن الى أن يعين لجنة تحقيق دولية وأن يولي الامين العام سلطة تعيين رئيسها لمساعدة السلطات اللبنانية في كشف واقعة الاغتيال السياسي، وذلك لأن مجلس الامن اعتبرها حدثاً ارهابياً يشكل خطراً على السلم والامن الدوليين.


• لماذا أدرجت قضية اغتيال الحريري في خانة الارهاب السياسي؟
جريمة إغتيال الحريري اعتبرت جريمة اغتيال سياسي لا شك في مضمونها أو في غاياتها لان من نفذها منظمة أو شبكة أو جماعة (أياً كان طابعها التنظيمي أو انتماؤها) تتمتع بقدرات مادية هائلة وبإمكانات تنظيمية على مستوى عالٍ سواء كان طابعها محلياً أو اقليمياً أو دولياً، فضلا عن كمية المتفجرات المستخدمة، وحيثيات تجميع هذه الكميات وإدخالها الى البلاد، وعمليات الرصد التي رافقت تنفيذها، وخصوصا ان الحريري كان يحوط نفسه بإجراءات حماية أمنية وتغيير للمسارات وتشويش على الاتصالات والردارات، عدا عن أن الاغتيال حصل في لحظة سياسية بالغة التأزم. كل ذلك يرجح أن الاغتيال لم يتم لدوافع شخصية أو في اطار خلاف بين اشخاص كما في الجرائم العادية.
الجريمة أوضحت بالكفاءة التنظيمية لمجرياتها ولطريقة حدوثها أنها من فعل محترفين منظمين، على درجة عالية من الاتقان والتنظيم.


• مقارنة بالمحكمة الخاصة برواندا التي تشكلت بصورة مستقلة عن النظم القضائية الوطنية، لماذا تأسست المحكمة الخاصة بلبنان على نوع من التوأمة بين القانون الجزائي اللبناني والقانون الجزائي الدولي؟
النظام القانوني القائم في لبنان ينتمي الى المنظومة اللاتينية، لكن القضاء الجزائي الدولي غالباً ما يتبع منظومة القانون العام، والفرق بين النظامين أن الاخير نظام اتهامي، في حين أن النظام اللبناني، كحال النظام الفرنسي، نظام مختلط بين النظام التحقيقي والنظام الاتهامي. والنظام القانوني اللبناني له تاريخ عريق، ذلك أن قانون العقوبات اللبناني كان مثالاً في اربعينات القرن الماضي، واحتذت به بقية القوانين، كالقانون السوري (قانون العقوبات السوري) والقوانين المصرية والاردنية والكويتية. وكان من الطبيعي أن يعامل هذا القانون ونظامه القضائي وأصوله الاجرائية بما يستحق من احترام للتجربة العريقة المستقاة من النظام القانوني القضائي الفرنسي.
من هنا، فإن دليل قواعد الاجراءات والاثبات الذي أقرته المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بما في ذلك النظام الاساسي المتعلق بها، تضمن مبدأ قانونياً يتعلق بالمحاكمة الغيابية التي تعني إمكان محاكمة المتهم غيابياً في حال لم يحضر المحاكمة، أو لم يمتثل لأمر الحضور أمامها على رغم إبلاغه قرار الاتهام. حتى انه تم اخيرا تعديل هذه القواعد للسماح بابلاغ المتهم قرار الاتهام بواسطة الوسائل الاعلامية المتاحة بغية تحقيق أمرين: إبلاغه وإلزامه الحضور أمام المحكمة، وفي حال تخلفه أو امتناعه إجراء المحاكمة العادلة والسريعة.
وهذه الاضافة الى القانون الجزائي الدولي تعتبر مستحدثة في أصول اجراءاته، وتفسح في المجال لعدم إفلات المجرمين من العقاب، وبالتالي فإن عراقة النظام القضائي اللبناني المستوحى من النظام القضائي الفرنسي، والمزاوجة مع أعلى معايير المحاكمة العادلة وفقاً لما أُقر منها في صكوك الامم المتحدة، كل ذلك دفع الى الجمع ما أمكن بين النظامين.


• لماذا اتجه النظام التأسيسي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان الى تسمية الأفراد وليس المواقع السياسية داخل أي دولة معنية بقضية إغتيال الحريري؟ وهل ثمة فروقات بينها وبين المحاكم الدولية الخاصة برواندا ويوغوسلافيا السابقة؟
من الناحية التحقيقية لا يمكن السؤال أن يستقيم، ذلك أننا لا نعرف ـ من الناحية القانونية ـ أي شيء عن هوية من سيتهم، وبالتالي كيف لنا أن نسمي اشخاصا محددين قبل أن يكون التحقيق قد ختم وصدر القرار الاتهامي الذي يفترض أن يحدد الوقائع ويورد الأسماء؟
اما ما عدا ذلك فلا يعدو كونه من الوجهة القانونية تسريبات إعلامية لا يمكن التأكد من صحتها. في المقابل، ومهما كان المسؤول الذي قد يكون فاعلاً في الجريمة أو محرضاً عليها او متدخلاً أو شريكاً فيها، فإن القاعدة القانونية العامة التي تقبلها مختلف الانظمة هي «شخصية العقوبة»، بمعنى أن العقوبة تقع على أشخاص تحددت مسؤولياتهم ولا تطاول من لم يكن مدرجاً في قائمة الفاعلين.
وعليه، يكون من الطبيعي التركيز على ان المحاكمة ستطاول هؤلاء وليس جماعة أو تنظيماً أو حزباً أو دولة، ما يطمئن أي جماعة أو تنظيم أو حزب أو دولة، كونها ليست مستهدفة في ذاتها. لذا فان العقوبة المرتبطة بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان تركز على شخصية العقوبة كما هي الحال في قانون العقوبات اللبناني ووفقاً للقانون الجزائي الدولي.