Date: Dec 29, 2010
Source: جريدة النهار اللبنانية
ممثلية فلسطين تنتظر قرار الحكومة اللبنانية لرفع مستوى العلاقات الثنائية
السلطة الوطنية تسعى إلى انتزاع اعتراف العالم ولا تعلن الدولة الموعودة

عباس الصباغ  

قبل اكثر من عامين، وتحديداً في 27 تشرين الثاني عام 2008، أقر مجلس الوزراء اللبناني مبدأ العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وفلسطين. لكن هذا الملف لا يزال في ادراج الأمانة العامة لمجلس الوزراء في انتظار انجاز الأعمال الإدارية والإجراءات اللازمة لـ "تطوير صيغة رفع مستوى ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية الى مستوى سفارة دولة فلسطين وفق ما ادلى به وزير الخارجية السابق فوزي صلوخ.


وبعيداً من العواطف يجوز السؤال: هل أضحت فلسطين دولة تستوي فيها الشروط البديهية؟ ام ان السلطة الوطنية الفلسطينية تهدف الى انتزاع اكبر عدد من اعتراف الدول بالدولة الفلسطينية لأنها قد تصل يوماُ الى اعلان هذه الدولة  وطرحه رسميا في المحافل الدولية ومنها الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بها في حال فشل المفاوضات مع اسرائيل؟


خلف فندق الماريوت في منطقة الجناح تعلو لوحة نحاسية حائط مبنى مؤلف من طبقات خمس وعليها "ممثلية دولة فلسطين". ويرفرف فوقها العلم الفلسطيني. فلسطين دولة كان اعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيامها في اجتماعه الشهير في الجزائر عام 1988. في ذلك العام، أعلن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات قيام دولة فلسطين وسط تصفيق حاد وأسئلة لافتة وجّهها الأمين العام لـ "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" حكيم الثورة الفلسطينية الراحل جورج حبش، ومنها ما يتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم، والقدس، وما اذا ستكون عاصمة للدولة الوليدة.
لم يحصل الحكيم على اجابات شافية من "الختيار"، علماً ان الاول كان يؤمن بالثورة المسلحة المتكئة الى البعد الماركسي في التحرر والتحرير.
 بعد أعوام قليلة على الحدث، جاء اتفاق اوسلو، وعادت منظمة التحرير الفلسطينية الى عاصمتها الموقتة في رام الله لتبني سلطتها الوطنية ولا تزال تسعى إلى إعادة دولة فلسطين الى الخريطة في مخاض ليس يسيراً ووسط تجاذبات وتعقيدات جمة.

عناصر الدولة: الأرض والشعب والسيادة


يجمع علماء السياسة والفقهاء الدستوريين على تعريف الدولة وعناصرها، وتتقاطع نظرياتهم عند ضرورة استيفاء الدولة لثلاثة عناصر، هي الأرض والشعب والسيادة. واذا عرضنا بايجاز هذه العناصر فلا نجد ان فلسطين اليوم تستوفي هذه العناصر فالإقليم غير كامل الأوصاف.


ويرى استاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية الدكتور محمد طي في مؤلفه "القانون الدستوري والمؤسسات السياسية" ان الدولة تتكون من ثلاثة عناصر: مجموعة بشرية تقيم على اقليم معين وتخضع لسلطة من نمط خاص، ويقول ان وجود الشعب في اقليم معين هو ظاهرة عادية تنجم عن عوامل متعددة، ولكنها ترتدي طابعاً حقوقياً في بعض أوجهها... وان علاقة الشعب بالدولة اصبحت من الوجهة الحقوقية علاقة المواطنية، حيث يشكل السكان الذين يحملون جنسية الدولة مجالاً لصلاحية قوانينها... وما السلطة في الدولة الا القدرة التي يتمتع بها الحكام الذين يقومون بحكم المجموعة البشرية على الإقليم المحدد.


ووفقا لهذا التعريف البسيط للدولة، وبعيداً من اي اعتبارات، فإن السلطة الوطنية الفلسطينية لا تتمتع بهذه المواصفات التي تنقلها الى مستوى الدولة رغم اعتراف عدد من الدول بالدولة الفلسطينية، والمفارقة ان السلطة الوطنية لم تعلن الدولة حتى اللحظة.


من جهة ثانية، كرس القانون الدولي مبدأ التعامل بالمثل وهو توأم مبدأ المساواة، بمعنى أنه في حال ارتقاء ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية الى سفارة دولة فلسطين، هل يجب على لبنان افتتاح سفارة في فلسطين، او على الأقل قنصلية؟ ويجزم استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية الدكتور حسن جوني، ان لا علاقة ما بين الاعتراف بالدولة وافتتاح سفارة. ومن جهة ثانية، فإن لبنان لم يعترف باتفاق اوسلو، وبالتالي هو غير ملزم بأي موجبات تجاه السلطة الوطنية الفلسطينية.


ويقول: "ان الاعتراف مفصل اساسي في حياة الدولة، والأخيرة لا تستطيع ان تمارس سيادتها وان تتمتع بحقوقها تجاه الدول الأخرى الا اذا اعترفت بوجودها". ويشير الى ان الاعتراف عمل رضائي وليس الزامياً لأن "الدولة المعترفة حرة في الاعتراف بأي دولة تبعاً لما تقدره... ويجب التمييز ما بين الاعتراف بالدولة والاعتراف بالحكومة، لأن الاعتراف بالأخيرة هو اقرار بوجود سلطة سياسية في الدولة المعترف بها، علماً ان الاعتراف بالدولة يتضمن الاعتراف الضمني بحكومة شرعية معترف بها.

السلطة وزيادة عدد السفارات


ارتأت السلطة الوطنية الفلسطينية رسم استراتيجيا تقوم على زيادة عدد السفارات الفلسطينية في اكبر عدد من الدول، للافادة من ترسيخ شرعيتها وتقديم نفسها ممثلاً وحيداً للشعب الفلسطيني على غرار ادبيات منظمة التحرير الفلسطينية التي اعتبرت نفسها ولعقود، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة وفي دول الشتات، ورأت السلطة ان افتتاح اكبر عدد من السفارات يساهم في بلورة قيام الدولة الفلسطينية. ولم يتردد رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس في مطالبة رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة بفتح سفارة فلسطينية في بيروت لتحسين العلاقات الثنائية من جهة وللمساهمة في تحسين ظروف اللاجئين الفلسطينيين من جهة ثانية، وجارى الرئيس السنيورة ضيفه الفلسطيني ووضع هذا البند على جدول اعمال مجلس الوزراء.

عبيد: حملة ضد التوطين


قبل اعوام عدة والحكومة اللبنانية تبحث عن صيغة لشكل العلاقات مع الفلسطينيين، وفي عام 2003 اعد وزير الخارجية الاسبق جان عبيد تصوراً اولياً لمواجهة خطر التوطين من خلال التركيز على اقامة الدولة الفلسطينية وانجاز حق العودة بعدما كلفه مجلس الوزراء ترؤّس اللجنة الوزارية الخماسية التي ضمت الى عبيد، الوزراء بهيج طبارة ومروان حمادة وميشال سماحة واسعد حردان، ويقول: "كنا نتطلع الى انجاز حق العودة ومنع التوطين، ورأينا ان اقامة الدولة الفلسطينية يحقق هذه الأهداف".


ويذكر ان مهمات عدة يجب استكمالها، منها عدم توقيع اي طرف عربي خصوصاً الفلسطيني اي وثيقة تتضمن تنازلاً عن حق العودة او الموافقة على التوطين. ويختم: "ان الدولة الفلسطينية هي التصور والمرتجى، دولة ذات سيادة وتكامل واتصال وقابلية للحياة والاحترام، لا مناطق متقطعة او مقاطعات غير متصلة او شبه كلمات متقاطعة".

عبدالله: احترام سيادة لبنان


بعد نحو ربع قرن على رحيل منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، اعيد افتتاح مكتب ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في 15 ايار عام 2006 بعد قرار اتخذه مجلس الوزراء وقضى بإعادة فتح مكتب تمثيلي للمنظمة. ويقول ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عبدالله عبد الله: "كما كانت توجهات الرئيس ابو مازن بضرورة تعاطي المنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني مع الشرعية اللبنانية المتمثلة بالدولة والحكومة اللبنانية على اسس واضحة ترتكز على احترامنا لسيادة وامن واستقرار هذا البلد الشقيق. اضف الى ذلك وجود هذا العدد الكبير من ابناء شعبنا الفلسطيني اللاجئين قسرا عن ارضهم نتيجة للاحتلال الاسرائيلي، وبالتالي هم يحتاجون الى مرجعية سياسية تتحدث باسمهم وترعى مصالحهم وتؤمن حاجاتهم وتحل مشكلاتهم. فكان القرار بتعيين الاخ عباس زكي ممثلا للمنظمة في لبنان بعدما شغل هذا المنصب المناضل الراحل شفيق الحوت منذ انشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964.


ويضيف: "ثم قرر مجلس الوزراء اللبناني في جلسته التي عقدت في القصر الجمهوري برئاسة الرئيس ميشال سليمان في 27 تشرين الثاني عام 2008 الموافقة على اقامة علاقات دبلوماسية مع دولة فلسطين، على ان يحدد لاحقا تاريخ بدء الاجراءات الثنائية الآيلة الى وضع هذا القرار موضع التنفيذ".


من جهة ثانية، اعيد طرح بند رفع مستوى العلاقات الديبلوماسية على جدول اعمال جلسة مجلس الوزراء في 25 تشرين الاول سنة 2010 الفائت، ولكن لاسباب غير سياسية تم تأجيل البحث في هذا الموضوع. ونحن على اتصال مع كل القوى السياسية في البلد من اجل شرح وجهة نظرنا في هذا الموضوع، وسنستمر في المطالبة بتحديد الوضع القانوني للتمثيل الدبلوماسي الفلسطيني في لبنان، وخصوصا ان القيادة الفلسطينية تعمل على توسيع نطاق الاعتراف الدولي بحقنا في اقامة دولتنا الفلسطينية واسهاما منها في دعم الحق الفلسطيني في الاستقلال والسيادة".

العلاقات اللبنانية الفلسطينية واضحة المعالم


يصف عبد الله العلاقة بين السلطة الوطنية والحكومة اللبنانية بـ"الواضحة المعالم، لجهة الاحترام المتبادل ما بين الشرعيتين اللبنانية والفلسطينية، والتي يمارسها الرئيس عباس من خلال الزيارات التي قام بها الى لبنان في الاعوام الماضية. كما ان وجود سفارة لدولة فلسطين سيعزز وقوف لبنان الى جانبنا في نضالنا المستمر لتحقيق اهدافنا الوطنية، والمتمثلة بدحر الاحتلال الاسرائيلي من ارضنا وقيام دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الى ارضهم. فالعلاقة الفلسطينية اللبنانية محصنة من اي اهتزازات يمكن ان تصيبها، وقد ظهر ذلك جليا في اكثر من موقف: وقوفنا الى جانب الدولة اللبنانية في حربها على تنظيم فتح الاسلام الارهابي في مخيم نهر البارد رغم الضريبة الكبيرة والفادحة التي دفعها ابناء المخيم بتدمير مخيمهم... وبالنسبة الى علاقتنا مع ابناء شعبنا في المخيمات، فإنها ستبقى كما هي وسيحافظون على وضعهم المنصوص عليه في القانون الدولي بانهم لاجئون الى حين عودتهم الى وطنهم. وسنبقى المرجعية السياسية لابناء شعبنا في المخيمات ونقدم لهم كل ما نقدمه الآن من مساعدات على الصعد الاجتماعية والتربوية والصحية".
ويلفت الى ان الفلسطينيين يقفون على الحياد في النزاعات اللبنانية الداخلية.

•••


ويشار الى ان العديد من دول العالم رفعت مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني لديها خلال الشهرين الماضيين، كاليونان وفرنسا واسبانيا والبرتغال والنروج والبيرو والبرازيل والارجنتين.