Date: Jan 3, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
تفجير كنيسة الاسكندرية هزّ مصر وغضب الاقباط انفجر في شوارع القاهرة

القاهرة  - من جمال فهمي:


لم تظهر في الأجواء المصرية أمس أية علامة تشير إلى أن ساعات نهار وليلتين كاملتين كانت كافية ليتخفف المصريون من وطأة مشاعر قاسية اختلطت فيها الصدمة بغضب عارم وخوف وجودي زلزل قلوب غالبيتهم الساحقة لحظة أن دهمهم نبأ التفجير الدموي غير المسبوق الذي حصل منتصف ليل الجمعة - السبت الماضيين بعد دقائق من إطلالة السنة الميلادية الجديدة أمام بوابة كنيسة القديسَين بمدينة الاسكندرية، بينما كان مئات من المواطنين المسيحين يتدفقون منها إلى الشارع عقب إنتهاء قداس ليلة رأس السنة فسقط منهم 22 قتيلا على الأقل وأكثر من 90 جريحا بينهم ثلاثة من أفراد الشرطة المكلفين حراسة الكنيسة وعدد من المواطنين المسلمين الذين صودف مرروهم لحظة الإنفجار.


وبينما حض النائب العام المستشار عبد المجيد محمود ألاجهزة الأمنية على أن"تسرع في تقديم الادلة الجنائية حول كيفية وقوع الحادث وطريقة تنفيذه"، واصلت هذه الاجهزة  خلف ستار كثيف من السرية والتكتم جهودها لفك غموض الحادث والتوصل إلى مخططيه ومرتكبيه الذين استخدموا أسلوبا مستجدا لم تعرفه مصر لا في حوادث العنف الطائفي المتعددة التي تواتر حصولها في العقد الأخير ولا حتى أيام ذروة صعود جماعات الإسلام السياسي المتطرفة في التسعينات من القرن الماضي.


بيد ان تسريبات امنية اكدت  توقيف أكثر من 20 شخصا في الاسكندرية ومحافظات اخرى للاشتباه في ان لهم علاقة بالحادث الذي سارع مسؤولون كبار الى القاء المسؤولية عنه على جهات اجنبية، وقال الرئيس حسني مبارك نفسه في كلمة القاها بعد ساعات من حصول العملية انها "عملية ارهابية تحمل دلائل تشير الى تورط اصابع اجنبية تريد أن تجعل من مصر ساحة لما نراه من شرور الارهاب في منطقتنا وخارجها" (راجع العرب والعالم)، في اشارة الى تنظيم "القاعدة" الذي اطلق في نهاية تشرين الاول الماضي تهديدا باستهداف المسيحيين المصريين بحجة احتجاز الكنيسة القبطية زوجتي اثنين من القساوسة يقال إنهما اعتنقتا الاسلام.


وجاء في بيان أصدرته وزارة الداخلية المصرية مساء السبت أن نتائج معاينة الخبراء لموقع الحادث ترجح أن التفجير "ارتكبه انتحاري إندس بين المواطنين وهم يغادرون مبنى الكنيسة وفجر عبوة ناسفة محلية الصنع" ملفوفة حول جسده تقدر زنتها بنحو 10 كيلوغرامات من مادة شديدة الإنفجار، وكانت تحتوى على قطع وحبيبات حديدية "بهدف توسيع نطاق الإصابات" ، واستبعد البيان فرضية "استخدام سيارة مفخخة".


ولا يبدو ان التركيز الرسمي على اتهام اصابع واياد خارجية بالوقوف وراء الحادث المروع، الذي قفز بالاحتقان الطائفي المتفاقم الى مستوى اثار فزعاً وقلقاً واسعين، اقنع المواطنين الاقباط ولا أقنع النخبة المصرية على اختلاف تنوعاتها الفكرية والسياسية بأن نظام الرئيس مبارك لا يتحمل المسؤولية الكبرى عن الاوضاع والبيئة التي هيأت الظروف "لارتكاب تلك الجريمة التي جسدت امام المصريين الخطر المتصاعد الذي يهدد وحدة النسيج الوطني"، على ما جاء في بيان اصدرته صباح امس قوى واحزاب المعارضة المصرية واشارت فيه الى ان "الاستبداد السياسي والفساد الذي استشرى في البلاد  مدى ثلاثين عاما وما صاحبها من اوضاع مزرية اقتصادية واجتماعية وثقافية وتعليمية صنع حال احتقان طائفي لم تعرفه البلاد على امتداد تاريخها الحديث". وأكدت ان "جريمة الاسكندرية وإن بدت جديدة في الوسائل الاجرامية التي استخدمت في تنفذيها الا انها لم تكن الجريمة الاولى وانما جاءت كحلقة في مسلسل طويل من الاعتداءات والصدامات ذات الطابع الطائفي زادت وتيرتها باطراد خلال السنوات الاخيرة". وانتقد ممثلو القوى والاحزاب السياسية "الادعاءات المتعجلة" عن وجود اياد اجنبية خلف الحادث، واعتبروا ان هذا "امر يدفع الى الظن بأن هناك من يحاول التنصل من المسؤولية، ويحرف النظر عن اثر البيئة الداخلية وكذلك التقصير الفاضح من جانب اجهزة الامن في اتخاذ الاجراءات" الكفيلة بمنع تنفيذ تهديدات تنظيم "القاعدة".


ودعا ممثلو قوى وأحزاب المعارضة إلى إعلان يوم عيد الميلاد عند الارثوذكس الاقباط، السابع من كانون الثاني، "يوم عيد للوحدة الوطنية في مصر". كما دعوا الى مؤتمر شعبي حاشد في هذا اليوم لاعلان التضامن مع اهالي الشهداء، والى وقفة تضامنية بالشموع في ميدان التحرير، اكبر ميادين العاصمة المصرية، مساء الخميس المقبل.
أما مظاهر الغضب وعدم اقتناع المواطن

ين المسيحيين المصريين، الذين يعدون اكبر طوائف مسيحيي الشرق، بالتبريرات الحكومية للحادث، فقد اتخذت اشكالا اكثر صخبا وعنفا، اذ لم تنقطع امس التظاهرات والتجمعات الغاضبة. فبعد ساعات من الاحتكاكات والاشتباكات بين مئات المواطنين الاقباط وقوى الامن امام كنيسة القديسين التي استمرت طوال نهار السبت، سارت امس تظاهرات واسعة النطاق في محافظات عدة اقواها شهدتها القاهرة حيث تجمع المئات من الشباب القبطي على مقربة من مقر وزارة الخارجية وعطلوا المرور في الشارع الرئيسي الذي تقع فيه الوزارة قبل أن تتولى قوات الشرطة تفريقهم بالقوة. لكن أعدادا أخرى أكبر تمكنت من معاودة التظاهر وقطع طرق ومحاور رئيسية في مناطق مختلفة من العاصمة.


وكان بطريرك الاقباط الارثوذكس والكرازة المرقسية في مصر الانبا شنودة الثالث قطع اعتكافه المعتاد وعاد إلى مقره في القاهرة حيث رأس بنفسه قداساً أقيم أمس لتهدئة نفوس ضحايا الحادث ، واستقبل بعد انتهاء القداس وفدا جمع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ومفتي الديار الدكتور علي جمعة ووزير الأوقاف حمدي زقزوق، وقدم الوفد التعازي وعبر عن التضامن مع "أخوة أبرياء استهدفتهم يد الغدر والارهاب". لكن جماهير غاضبة كانت محتشدة في باحة الكاتدرائية انفجر غضبها في وجه المسؤولين الثلاثة، وبعدما اطلقوا هتافات صاخبة نددوا فيها بنظام الرئيس حسني مبارك واجهزته الامنية،  حاول بعضهم التحرش البدني بالزائرين وهاجموا سيارة شيخ الازهر، الا ان مسؤولي الكنيسة تدخلوا وابعدوهم.


وليلا (رويترز)، قال شهود عيان ان مئات من الشبان المسلمين والمسيحيين اشتبكوا في شارع رمسيس احد أهم شوارع القاهرة بعدما انفض سرادق في الكاتدرائية المرقسية لتلقي العزاء بضحايا كنيسة القديسين في الاسكندرية.


واضافوا ان مئات من الشبان المسيحيين خرجوا الى شارع رمسيس واقفلوه في ختام سرادق العزاء، ثم رشقوا الشرطة بالحجار. واشاروا الى ان عشرات من الشبان المسلمين تجمعوا في شارع جانبي في الوقت عينه، ثم هاجموا الشبان المسيحيين بالحجار وهم يهتفون "اسلامية... اسلامية" و"بالروح بالدم نفديك يا محمد".
وكان الشبان المسيحيون يرددون لدى خروجهم من الكاتدرائية هتافات منها "بالروح بالدم نفديك يا صليب".