Date: Aug 9, 2011
Source: جريدة الراي الكويتية
لبنان يغرّد خارج «الإجماعين» الدولي والعربي حيال الملف السوري
«ساعة بيروت» في السياسة والأمن والديبلوماسية مضبوطة على توقيت دمشق

| بيروت - من وسام أبوحرفوش |

... اذا أردت ان تعرف ماذا يجري في بيروت فعليك ان تعرف ماذا يجري في دمشق و«حولها»، هكذا وباختصار يمكن وصف «الحال اللبنانية» المشدودة وبقوة الى «جارتها» السورية في لحظة توحي بـ «تحولات حاسمة» في مسار الزلزال الذي دهم سورية منذ الخامس عشر من مارس الماضي ويزداد دويه يوماً بعد يوم.
فبيروت لم تقم «وزناً» لجلسة مجلس الوزراء التي انعقدت امس الاثنين، ولم تول تكرار رئيس الجمهورية ميشال سليمان دعوته لمعاودة الحوار اهتماماً، ولا هي عابئة بقضاياها الملحة كشح الكهرباء وغلاء المعيشة، لان «لا صوت يعلو فوق ضجيج الدم» في سورية التي صارت حدثاً لبنانياً يطغى على اهتمامات النخب والشارع وهمومها على حد سواء.


هذا المزاج البيروتي جعل من التجليات اللبنانية للازمة السورية في صدارة الاحداث، بدءاً من «نأي لبنان بنفسه» عن الاجتماع الدولي المتمثل بالبيان الرئاسي عن مجلس الأمن حول سورية، وصولاً الى التظاهرات اللبنانية شبه اليومية تضامناً مع الشعب السوري و«الاحتكاكات» مع مؤيدي نظام الرئيس بشار الاسد، وصولاً الى زيارة وزير الخارجية عدنان منصور الى دمشق و«ملابساتها».


وبالتزامن مع هذه الشظايا السورية التي تصيب لبنان، بدت بيروت مهتمة بتكفيك «الشيفرة» الديبلوماسية والسياسية التي كثرت اخيراً حول سورية، والتي عبرت عن نفسها بالوقائع الآتية:
* الموقف الاول من نوعه والبالغ الدلالة الذي اعلنه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي استدعى السفير السعودي في دمشق، بعدما اعتبر ان «ما يجري في سورية اكبر من ان تبرره الاسباب».


* خروج الجامعة العربية عن «ترددها» في اعلان موقف من التطورات في سورية عبر اصدار بيان يطالب بـ «الوقف الفوري لاعمال العنف ضد المحتجين»، وهو الموقف الذي اعقب انتقادات لاذعة للقاء الأمين العام نبيل العربي بالرئيس الاسد قبل مدة.


* اقتران اول موقف لدول مجلس التعاون الخليجي من الاحداث في سورية بـ «خريطة طريق» تقوم على الوقف الفوري لاراقة الدماء والاستخدام المفرط للقوة، واعتماد اصلاحات جدية تحفظ حقوق الشعب السوري وكرامته وتصون وحدة سورية وأمنها.
فالدوائر المراقبة في بيروت رأت في المواقف الثلاثة تطوراً بالغ الاهمية انكسر معه «الصمت» العربي حيال ما يجري في سورية، ما يؤسس تالياً لمرحلة جديدة في مسار الازمة اللاهبة التي تعصف بها منذ اكثر من خمسة اشهر.


ولاحظت تلك الدوائر بان التحول اللافت في الموقف العربي ترافق مع تطورين بارزين هما:


? الاعلان عن ان التشاور بين الرئيس الاميركي باراك اوباما والفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الالمانية انغيلا ميركل افضى الى التفاهم مع اجراءت اكثر صرامة ضد النظام في سورية، وسط كلام اميركي واضح عن ان التفكير بدأ في «مرحلة ما بعد الاسد».


? اعلان رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان «ان الصبر نفد من النظام السوري»، عشية ايفاده وزير خارجيته داود اوغلو الى دمشق اليوم الثلاثاء لإبلاغ «تحذير اخير» الى القيادة السورية.
هذه الوقائع الـ «ما فوق عادية» حظيت باهتمام استثنائي في بيروت التي تلقت تقارير توحي بان «غرفة عمليات دولية ـ اقليمية» بدأت بمواكبة الملف السوري وبلوغه مستويات يصعب السكوت عنها، وسط تساؤلات عن اذا كانت في الأفق تحركات «اكثر من ديبلوماسية» لكبح جماح الاندفاعة الامنية لنظام الاسد.


في هذه الأثناء، رصدت بيروت باهتمام بالغ عناوين عدة ظهّرت ان الساعة اللبنانية باتت مضبوطة بالكامل على «عقارب» التطورات المتسارعة في سورية، وأبرز هذه العناوين المتداخلة مع الوضع السوري:


* معاودة سورية توجيه اصابع الاتهام الى اطراف لبنانية بتهريب سلاح الى اراضيها، وهو ما عبّرت عنه وكالة «سانا» التي اوردت أنّ السلطات السورية «ضبطت في محافظة حمص مساء السبت سيارة نقل تحمل لوحة لبنانية كانت تنقل كمية كبيرة من الذخائر والأسلحة، كانت آتية من لبنان»، ناقلة عن مدير جمارك حمص، مجدي الحكمية، أن «السيارة ضبطت على معبر الدبوسية مع لبنان وهي محملة بكمية كبيرة من الذخائر والأسلحة تتضمن 248 قطعة سلاح».
وسرعان ما برز تبنٍّ داخلي لهذه الاتهامات المتجددة، اذ اعلن رئيس كتلة «نواب «حزب الله» محمد رعد ان «جهات سياسية في لبنان تهرب الأسلحة الى سورية»، مضيفاً: «أنتم تراهنون على أوهام، وتقرأون المتغيرات في المنطقة قراءة مسطحة غير عميقة، وتراهنون على أحلام وأنتم تفتحون ثغرة مع الثغر التي فتحت من أجل أن تدخل القوة الدولية لتقرير مصير شعوب المنطقة وأنظمتها».


* التقارير التي اشارت الى معاودة السلطات السورية قبل أيام ارسال مذكرات التوقيف الغيابية الصادرة بحق 33 شخصية سياسية وأمنية وقضائية واعلامية تنتمي الى فريق الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري، على خلفية الدعوى القضائية التي رفعها المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيّد في اطار ما يعرف بملف «شهود الزور» الذين يعتبر انهم تسببوا في توقيفه مع ثلاثة جنرالات آخرين لمدة 44 شهراً بدءاً من نهاية اغسطس 2005 في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. واشارت التقارير الى ان مكتب الانتربول في قوى الأمن الداخلي تسلّم مذكرات التوقيف المذكورة.
واعتُبر تحريك هذا الملف مجدداً اول رسالة ردّ سوريّة على الموقف «المدوّي» الذي كان أطلقه الرئيس سعد الحريري بعيد بدء اقتحام حماة ودان فيها «هذه المذبحة»، علماً ان الاستنابات القضائية التي صدرت في 4 اكتوبر 2010 سبق ان شكّلت اول «انتكاسة» في العلاقة التي كان الحريري بدأ بترميمها مع الرئيس الاسد من خلال اللقاءات التي عقدها معه في دمشق بين ديسمبر واغسطس 2010.


* التحرك الخارجي الذي يقوم به رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط حاملاً معه هواجسه في ما خص الملف السوري المتفجّر وآفاقه، والذي كان حمله في اليومين الماضييْن الى انقرة حيث التقى رئيس وزرائها رجب طيب اردوغان الذي «نفد صبره» من النظام السوري ووزير خارجيته داود اوغلو الذي يتهيأ لزيارة «صعبة» لدمشق اليوم الثلاثاء.
وبعيد عودته الى بيروت، قال جنبلاط في تصريحات صحافية انه ناقش مع الأتراك «الوضع اللبناني وأحداث سورية والمصالحة الفلسطينية»، منوها بأن الموقف التركي حيال كل هذه المسائل «جيد». وأشار الى أن حزب «العدالة والتنمية» لطالما وقف بثبات الى جانب القضية العربية والقضية الفلسطينية، وهو ما زال في هذا المسار».


* تردُّد اصداء الموقف الاستثنائي الذي أطلقه خادم الحرمين الشريفين حيال الاحداث في سورية في بيروت حيث اعتبر النائب عمار حوري (من كلتة الحريري) ان «من الواضح أنّ العالم بأسره سواء العالم العربي أو المجتمع الدولي يتابع حجم المأساة التي يعيشها الشعب السوري الشقيق»، مشيراً الى أن «الموقف السعودي تحدّث عن أنّ الخيارات هي بين الحكمة والفوضى، وعبّر بطريقته اللبقة والحازمة عن أن لا مجال بعد الآن لاستمرار هذه الجرائم في سورية».


وفي السياق اشار النائب معين المرعبي الى ان «الطريقة التي تجري فيها المجازر وقتل الاطفال في المدن السورية بالتأكيد ستوصل الى الاعتراضات التركية والسعودية والكويتية والتي ولو جاءت متأخرة قليلاً ولكنها أفضل من ألا تأتي أبداً، وهذا أقل ما تفعله الدول العربية لإنقاذ الشعب السوري من المجازر التي يرتكبها النظام».


* الزيارة «المثيرة للجدل» الداخلي التي قام بها وزير الخارجية عدنان منصور لدمشق يوم الاحد والتي التقى خلالها الرئيس الاسد ووزير خارجيته وليد المعلّم لا سيما وان قوى 14 آذار اعتبرت هذه الزيارة التي جاءت على وقع ارتدادات نأي لبنان بنفسه عن بيان مجلس الأمن الدولي حول الوضع في سورية دليل «تبعية والتصاق» الحكومة اللبنانية بالحكم في سورية واعتمادها سياسة «ربط مصير البلاد بمصير النظام السوري».


وكان لافتاً في هذا السياق الهجوم الذي شنّه النائب معين المرعبي على منصور من دون ان يوفّر رئيسيْ الجمهورية والحكومة اللذين اعتبر انهما «خاضعان للمخابرات السورية واصبحا تحت سلطة وزير الخارجية اللبناني الذي اتخذ قرارا في الامم المتحدة بناء على قرار الرئيس السوري».
ورأى ان «منصور هو وزير سوري بامتياز يطبق التعليمات بحذافيرها».
وكان الوزير منصور اطلع مجلس الوزراء اللبناني الذي اجتمع امس الاثنين برئاسة ميقاتي على حصيلة محادثاته في سورية التي نقل عن رئيسها «أنّ الأزمة التي تمر بها سورية عابرة وستخرج منها قريباً».
وقال منصور في تصريحات صحافية ان الاسد «شرح الهجمة التي تتعرض لها سورية بثوابتها ومواقفها، وتوقّف عند التدخلات الخارجية في الشأن السوري والسلاح الذي دخل الى سورية من مختلف المناطق المجاورة لها».
واذ ذكر ان الرئيس السوري «شكر للبنان على الموقف الذي اتخذه مجلس الأمن اخيراً»، كشف ان وزير الخارجية السوري اثار معه «موضوع تهريب السلاح الذي يحصل من الاراضي اللبنانية الى سورية» وابلغ اليه «ان السلطات السورية أحبطت 30 محاولة من هذا القبيل، وقبضت على المهرّبين وضبطت الاسلحة التي كان يراد ايصالها الى المناوئين للنظام، كما تم اكتشاف مخازن اسلحة تحتوي كميات كبيرة».


وعلى وقع هذه الوقائع تواصلت في مناطق لبنانية عدة التحركات الشعبية الداعمة للشعب السوري. والى جانب طرابلس التي باتت على موعد مع تظاهرات شبه يومية بعد صلاة التراويح، التحقت بلدة سعد نايل البقاعية بهذا التحرك وشهدت مسيرة شارك فيها العشرات ضد النظام السوري.


وفي سياق متصل، نظّم مثقفون لبنانيون من فئات وخلفيات سياسية مختلفة مساء امس الاثنين «وقفة تضامنية مع الشعب السوري في ثورته» وذلك في ساحة الشهداء في وسط بيروت معربين عن شجبهم «العنف الذي يُمارس ضد الشعب السوري»، ومعلنين «اننا نضيء الشموع، ونرسل من خلال شهداء 6 مايو اللبنانيين والسوريين رسالة تضامن الى الشعب السوري الشجاع والنبيل».
واوضح بيان اصدره هؤلاء المثقفون، وبعضهم يكتب في صحف محسوبة على 8 آذار، عن خلفية تحركهم في بيان قالوا فيه أنه «منذ خمسة اشهر والنظام الاستبدادي السوري يصمّ اذنيه عن المطالب المشروعة للشعب السوري. ما يريده السوريون لأنفسهم هو الكرامة الانسانية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وانهاء كابوس ديكتاتورية الجمهورية الوراثية».