Date: Aug 9, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
المندوب البريطاني الدائم لدى الأمم المتحدة: سوريا تحتاج إلى عملية انتقالية
لبنان وتركيا وإسرائيل عرضة لأثر بالغ الخطورة والعالم لن يقف مكتوفاً

وصف المندوب البريطاني الدائم لدى الأمم المتحدة السير مارك ليال غرانت الحكومة اللبنانية برئاسة رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي بأنها "منتخبة ديموقراطياً"، ورأى أنها يجب أن "تلتزم واجباتها الدولية" ومنها نزع سلاح "حزب الله" والجماعات المسلحة الأخرى وتمويل المحكمة الخاصة بلبنان وتنفيذ قراراتها الاتهامية والقبض على المطلوبين لديها وتسليمهم. وإذ تحدث عن "نفوذ ثقيل" لسوريا في لبنان، حذّر الرئيس السوري بشار الأسد من أن المجتمع الدولي "لن يقف مكتوفاً" حيال "وحشيته" في حق المدنيين في بلاده. وأكد أن ثمة حاجة الى "عملية انتقالية" لئلا ينزلق الوضع في سوريا الى حال من "الفوضى التامة" و"الصوملة التامة" على غرار ما يحصل الآن في اليمن، مما سيكون له "أثر بالغ الخطورة" على المنطقة بأسرها، بما في ذلك تركيا ولبنان واسرائيل. غير أنه استدرك بأن "الوقت لم يفت بعد" الأسد إذا اعترف مع المحيطين به بأن ثمة ضرورة لعملية سياسية ما تستجيب للتطلعات المشروعة لشعبه.

وهنا نص الحوار الذي أجرته "النهار" مع السير مارك  (اقتباسات):


■ كأنك بررت للبنان ممارسته "النأي بنفسه" خلال الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن عن البيان الرئاسي الخاص بسوريا. كيف تقوّم ممارسة لبنان خلال هذه الجلسة خصوصاً، وتجربة لبنان في عضوية مجلس الأمن عموماً؟
- أعتقد أن لبنان زميل ايجابي في مجلس الأمن... حين أتيت الى نيويورك، فوجئت بأن مجلس الأمن يمضي الكثير من الوقت في إدارة النزاعات ولكن من دون الكثير من الوقت للوقاية من النزاعات. ضغطنا بقوة بالغة كي ينظر المجلس في الوقاية من النزاعات أكثر منه في إدارة النزاعات. ولبنان، وبالتحديد مندوبه الدائم (لدى الأمم المتحدة السفير نواف سلام)، كان حليفاً قوياً لهذه المقاربة. ودليلاً على هذا الالتزام، يخطط لبنان لاجتماع لمجلس الأمن في أيلول على مستوى رؤساء الحكومات عن الوقاية من النزاعات... الآن، للبنان مواقف محددة في مواضيع عدة... عندما ناقشنا سوريا في الأيام الأخيرة، اتخذ لبنان موقفاً محدداً جداً... لم يعطل الإجماع، واعترف أين هو الرأي الوازن في مجلس الأمن. لذلك سمحوا باصدار البيان الرئاسي، ومن ثم تلوا بياناً أوضحوا فيه أنهم لا يوافقون على محتواه ونأوا بأنفسهم عنه. هذه ممارسة استخدمتها سابقاً في السبعينات من القرن الماضي الصين والولايات المتحدة. لذلك لم تكن هذه سابقة، ولكن من الواضح أنها غير عادية.


■ هل تعتقد حقاً أن لبنان لم يتحرر بعد من النفوذين السوري والايراني؟
- من الواضح أن في لبنان نفوذاً ثقيلاً لسوريا تحديداً، وتالياً لايران. نحن نفهم طبيعة السياسة في لبنان. لذلك هناك أعذار. كنا نفضل بالتأكيد ألا يدلي لبنان ببيان النأي بنفسه، لأنه يكشف حقيقة أن في لبنان نفوذاً ثقيلاً لسوريا. لا أعتقد أن هذا ايجابي لسيادة لبنان... على رغم ذلك، لبنان لم يمنع صدور البيان الرئاسي علماً أنه كان في امكانه أن يفعل ذلك. وهذه إشارة ايجابية.


استحقاق أيلول


■ لبنان سيرئس مجلس الأمن الشهر المقبل وهناك الكثير من المواضيع التي ستطرح، بما في ذلك مناقشات الجمعية العمومية للأمم المتحدة والموضوع الفلسطيني وربما عاد أيضاً موضوع سوريا الى المجلس. ما هي نصيحتك للبنان في أيلول؟
- أيلول شهر غير عادي للرئاسة. وخلال ذلك الوقت لا يجتمع مجلس الأمن كثيراً... أعتقد أن الكثير من النشاطات عن عملية السلام في الشرق الأوسط وفلسطين ستتركز على الجمعية العمومية عوض مجلس الأمن...


■ حتى لو اختار الفلسطينيون الذهاب ربما أولاً الى مجلس الأمن...
- ... فهمي هو أنه من غير المرجح أن يفعلوا ذلك. إذا فعلوا ذلك، عليهم أن يذهبوا الى مجلس الأمن قبل أيلول، وهذا ما يحتمل أن يحصل إما في آب (الجاري) وإما ربما مطلع أيلول.


■ هناك مواضيع عدة للبنان على جدول أعمال مجلس الأمن... المحكمة الخاصة بلبنان ونزع الأسلحة بموجب القرار 1559 الى مواضيع أخرى. هل من الغرابة في شيء أن يرأس مجلس الأمن ومواضيع لبنان تثقل جدول أعمال المجلس؟
- هذا وضع غير عادي، بيد أنه ليس فريداً... وقت عملت مع لبنان في مجلس الأمن، تأثرت ايجاباً بالدور الذي اضطلعوا به، والدور الشخصي للمندوب الدائم نواف سلام كان ايجابياً جداً. ولكن من الواضح، عندما نناقش لبنان أو المحكمة الخاصة أو القرار 1559 أو القرار 1701، يتحدث لبنان بطريقة محددة جداً عن مشاكل بلدهم.


حكومة ميقاتي


■ هل أنت سعيد بأن رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي سيأتي الشهر المقبل لرئاسة الجلسة الخاصة عن الديبلوماسية الوقائية، علماً أنه يرئس ما يعتبره البعض "حكومة حزب الله" التي تسيطر على البلاد الآن؟
- هذه حكومة منتخبة ديموقراطياً، والسيد ميقاتي هو رئيس الوزراء... المهم هو أن يلتزم لبنان واجباته الدولية... أكان ذلك عبر نزع أسلحة جماعات غير تابعة للقوات المسلحة اللبنانية أم عبر حل نزاعاته الحدودية مع سوريا أم عبر التزاماته الدولية في المحكمة الخاصة... أياً تكن الحكومة الموجودة في السلطة في بيروت، عليهم أن يثبتوا على هذه الالتزامات الدولية.


■ ماذا إذا لم يموّلوا المحكمة؟
- حسناً، نتوقع منهم أن يمولوها. ونتوقع منهم أن ينفذوا أي قرارات اتهامية تصدر عنها إذا كانت لديهم القدرة على ذلك. إذا أتهم أفراد يقيمون في لبنان، ينبغي أن يعتقلوا وينقلوا الى المحكمة.


■ ثمة اقتناع عند البعض في لبنان بأن المجتمع الدولي لم يحم هذا البلد الصغير قط من العدوان الإسرائيلي، وتالياً فإن جماعات مسلحة مثل "حزب الله" ضرورية للمقاومة. من الواضح أن سوريا وايران تدعمان هذا الجدل. ماذا تعتقد؟
- نحن لا نوافق على هذا الجدل. الأمم المتحدة حمت لبنان من اسرائيل. (القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان) اليونيفيل مهمة حفظ سلام حمت سلامة الخط الأزرق، وتشجعنا في المناقشات الأخيرة التي أجريناها عن لبنان الشهر الماضي بأن القوات المسلحة اللبنانية تعزز وجودها في جنوب البلاد. الآن، من وجهة نظرنا، إن زيادة المجال والقدرة للقوات المسلحة اللبنانية تعني أنه حان الوقت الآن لنزع سلاح "حزب الله" والجماعات الأخرى التي لا تسيطر عليها الحكومة. هذا واجب عليهم. ونحن نشجع على حصول ذلك. ولكن ليست هناك مسألة أن يبقى مجلس الأمن صامتاً في مواجهة اعتداءات من اسرائيل. وفي كل المناقشات التي أجريناها في شأن لبنان، أنا وأعضاء آخرين في مجلس الأمن، نددنا بالانتهاكات الجوية الإسرائيلية ودعونا الى انسحاب فوري للقوات الإسرائيلية من شمال الغجر ونددنا بأي اعتداء عبر الخط الأزرق. لذلك، لا أعتقد أنه يمكن لبنان أن يقول إن مجلس الأمن لم يبال سيادته ووحدة أراضيه. وبصورة موازية، نحن قلقون من "حزب الله" ومن تخزينه الأسلحة في لبنان. نحن قلقون من التطوير المتزايد لهذه الترسانة والصواريخ الأكثر تطوراً الواردة من سوريا. ليست هناك إدارة ملائمة للحدود اللبنانية - السورية وهناك سماح بدخول الاسلحة الى لبنان. والحكومة اللبنانية إما أنها لا تريد، وإما أنها لا تستطيع الحيلولة دون حصول ذلك.


سوريا


■ ما هي الآن المظاهر الأكثر اثارة للقلق في رأيك للأزمة الراهنة في سوريا على لبنان؟
- الوضع في سوريا له تأثير مباشر على لبنان. ونحن قلقون جداً من الوحشية التي يضرب بها النظام السوري سكانه المدنيين. قوى الأمن السورية تستخدم الدبابات والمدفعية والقناصة لقتل المدنيين... هذا وضع يبعث على اضطراب عميق... إن حقيقة كون مجلس الأمن أصدر بياناً بموافقة بعض الحلفاء لسوريا كروسيا والصين تحديداً وحقيقة كون لبنان لم يعطل ذلك البيان، توجهان رسالة قوية جداً الى الرئيس الأسد أن المجتمع الدولي لن يقف مكتوفاً حين يواصل الوحشية ضد شعبه. ثمة حاجة الى عملية انتقالية، عملية سياسية، وثمة حاجة الى استجابة ما للتطلعات المشروعة للشعب السوري. الآن إذا لم يحصل ذلك واستمر العنف هناك، سننزلق الى وضع من الإنعدام التام للاستقرار ومن الفوضى التامة في سوريا، الأمر الذي سيكون له أثر بالغ الخطورة على المنطقة بأسرها، وهذا سيشمل تركيا وسيشمل لبنان وسيشمل اسرائيل.


■ الرئيس الأسد قال إن الشعب السوري يحبه ولديه نوع من المناعة ضد ما يسمى "الربيع العربي". يقولون الآن إن ما يحصل هو مؤامرة غربية هدفها صرف انتباه العرب عن المشكلة الرئيسية وهي اسرائيل. ماذا تقول؟
- هذا خيال جامح. بالطبع، هناك أناس يؤيدون الرئيس الأسد. لكن هناك بوضوح مئات الآلاف أو الملايين الذين لا يؤيدونه وهم يحتجون سلمياً في عدد من المدن المختلفة عبر سوريا. الردّ على تلك التظاهرات وعلى المدنيين غير المسلحين قاد الى هذا التصعيد في الاضطراب عبر سوريا. لذلك، فإن فكرة أن هذا اطلقه الغرب غير صحيح البتة... هناك ربيع عربي في كل المنطقة... ومن الواضح أن الحكومات الاستبدادية مثل سوريا عرضة تحديداً لذلك... ما رأيناه في تونس هو أن القيادة ردت بصورة معقولة وباعتراف بالحتمية. رأينا ذلك أيضاً في مصر. لم نر ذلك في اليمن، حيث لدينا الآن حال من الصوملة التامة، وهذا أمر مقلق جداً. والخطر في سوريا هو أن يكون لدينا أمر مماثل لذلك، إلا إذا اعترف الرئيس الأسد والمحيطون به بأن ثمة ضرورة لعملية سياسية ما تستجيب للتطلعات المشروعة لشعبه.


■ هل فوجئت بالتحذير الحازم من الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف لنظيره السوري إذا لم يجر اصلاحات؟
- لا، لم أفاجأ. أعتقد أن هذا اعتراف بالمحتوم. ونحن متشجعون باعتراف روسيا بقلقها، كقلقنا، مما يجري في سوريا، وأثره على المنطقة... أعتقد أن روسيا تلحق بركب تحليل قدمناه قبل بضعة أشهر.


■ أتعتقد أن الأسد انتهى؟
- سيكون الأمر صعباً جداً للأسد، لأن الأحداث سبقته بطرق عدة. كانت هناك فرصة لديه كي يرد بطريقة ايجابية. أنا لا أقول إن الوقت فاته الآن. ربما لا تزال هناك فرصة، ولكن أعتقد أن عليه الآن اتخاذ اجراءات حاسمة وبسرعة كبيرة. وخلاف ذلك، سيجد أن موجة الاحتجاجات تتقدم.


■ لذلك لم يفته الوقت بعد...
- ليس علينا أن نقول إن وقته فات أو لم يفت. هذا شأن للشعب السوري. ما دعونا اليه وقلناه في البيان الرئاسي الذي صغناه إنه يجب أن تكون ثمة عملية إصلاح شامل بقيادة سورية... إذا كان ذلك سيقوده الرئيس الأسد أو سوريون آخرون، فهذا شأن  السوريين، لا الغرب ولا المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة أو أي كان.


الدور الإيراني


■ هناك ادعاءات في الغرب أن ايران تساعد النظام السوري في قمع احتجاجات الشعب السوري...
- نعم هناك دليل واضح على ذلك. لدينا أدلة على أن ايران تساعد الأسد وتنصحه باستخدام العنف ضد المحتجين وتقدم تجربتها الخاصة كما هاجمت بوحشية المتظاهرين في طهران.


■ ما نوع الدليل الذي لديك؟
- لا يمكنني أن أفصح عن تفاصيل الدليل. ولكن لدينا الدليل على أن ذلك يحصل.


فلسطين


■ ما الذي ينبغي القيام به على الجبهة الفلسطينية - الإسرائيلية الآن؟
- هذا موضوع ملح جداً أيضاً. نعتقد أن للفلسطينيين مثل سائر الآخرين في العالم العربي الحق في أن يأخذوا مصيرهم بأيديهم. ولا ينبغي منع الشعب الفلسطيني من الانضمام الى الربيع العربي. سعيهم الى دولتهم واستقلالهم جزء من الربيع العربي، وينبغي أن يعاملوا كذلك من وجهة نظرنا. لذلك نعتقد أن ثمة حاجة ملحة للأطراف الى ان يجتمعوا على أساس الأبعاد التي حددها الرئيس (الأميركي باراك) أوباما ووافقت عليها الرباعية، ووافقت عليها حقاً الجمعية العمومية في الماضي. ينبغي للأطراف أن يجلسوا ويبدأوا التفاوض على تسوية سلمية تؤدي الى دولتين مستقلتين، على أن تكون القدس عاصمة لدولتين.


■ هل هذا ممكن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؟
- نأمل في أن يكون ممكناً. لا يمكن أن ننتظر من الزعماء السياسيين المختلفين أن يتفقوا تماماً. المهم هو أنه كائناً من كان رئيس الوزراء الإسرائيلي أو الزعيم الفلسطيني أو الرئيس الأميركي، ثمة حاجة الآن الى توافق واضح ومناقشة التسوية على أساس الأبعاد المعروفة... الجميع يعرفون ماهية التسوية وما هو اطار العمل للمفاوضات. ثمة حاجة الى ارادة عند كل الأطراف لجعل ذلك يحصل. نحن نعمل مع الرباعية... وعبر مجلس الأمن وسنعمل في الجمعية العمومية. نحن نحاول ونشجع على ذلك... كان هناك حديث كثير في الأسابيع الأخيرة عن الاعتراف بفلسطين وعضويتها في الأمم المتحدة. هذا بالطبع مهم، لكنه ليس الموضوع الأكثر حرجاً. الموضوع الأكثر حرجاً هو تسوية متفاوض عليها بين اسرائيل وفلسطين. وسنحكم على كل مقاربتنا في الأسابيع والأشهر المقبلة ضد مؤشر تقديم امكان التوصل الى نتيجة ناجحة.


■ هل تساعدون الفلسطينيين في الحصول على عضوية الأمم المتحدة في أيلول؟
- نصيحتنا للفلسطينيين هي أن عليهم أن يركزوا على الأدوات، أن يركزوا على العودة الى المفاوضات مع اسرائيل. هذه هي الأولوية وهذا هو الجوهر. كل المواضيع الأخرى ليست بمركزية هذا الموضوع.