|
|بيروت - من وسام أبو حرفوش|
توقفت بيروت بـ «اهتمام» امام الدلالة الرمزية للمصادفة التي جمعت على «الشاشة» اطلالة الرئيس السوري بشار الاسد في المقابلة التي ابدى فيها «اطمئناناً غير مُطَمئن»، وتهافت المعلومات عن السقوط المريع لنظام الزعيم الليبي معمر القذافي وسط مشاهد دخول الثوار الى طرابلس الغرب على الهواء مباشرة.
واهتمت بيروت، التي دققت ملياً في كلام الاسد الذي خلا من اي اشارة الى الاحتجاجات الشعبية في بلاده، وفي آخر التسجيلات الصوتية للقذافي عن الملايين والجرذان، برصد اوجه الشبه والاختلاف بين الرجلين والثورتين، وبين المصير الذي ينتظر سورية وليبيا، بعد تونس ومصر ومعهما اليمن الذي لم يصبح سعيداً بعد. واكثر المفارقات التي استوقفت بيروت، التي تخضع نفسها لـ «فحص» المنسوب التصاعدي للتداعيات السورية عليها، ما قاله الاسد عن «مجازر الناتو» في ليبيا، متجاهلاً الثورة والشعب في لحظة انتصارهما على ما يصفونه بـ «الطاغية» الذي حكم بلاده بـ «الحديد والنار» على مدى اربعة عقود من الاستبداد والقهر.
ولم تشاطر بيروت الاسد، الذي بدا بحسب مراقبين وكأنه يحاور نفسه، اطمئنانه، فالاوساط الواسعة الاطلاع في العاصمة اللبنانية لم تجد في مواقف الرئيس السوري ما يوحي بأنه يبدي ميلاً لاستخلاص العبر مما جرى في تونس ومصر وليبيا، وتالياً فإن على لبنان الاستمرار في «ربط الاحزمة» لمجاراة المطبات الاكثر خطراً التي من المرجح ان تزداد في سورية في المرحلة المقبلة. فلبنان المنقسم على نحو منقطع النظير يواجه تحدياً مزدوجاً يجعله في عين عاصفة لم يشهدها الا لحظة انفجار الحرب فيه اواسط سبعينات القرن الماضي، فهو يعيش حالة من الاستقطاب الحاد حيال ما يجري في سورية بعد تمترس اطراف الصراع فيه على طرفي خط المواجهة هناك، فـ «حزب الله» اعلن انحيازه لنظام الاسد ووقوفه الى جانبه، و«14 آذار» اختارت التضامن مع الشعب السوري ونصرته.
غير ان التحدي الاكثر ايلاماً يتمثل في التداعيات «العميقة» للقرار الاتهامي في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، والقرارات المرتقبة في محاولتي اغتيال مروان حمادة، والياس المر واغتيال جورج حاوي، وما سيتبعها من اجراءات عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي من المرجح ان تبدأ المحاكمات في الخريف ... المخيف. فـ «رأس جبل الجليد» من اجراءات المحكمة كشف عن اتهام اربعة من «حزب الله» بالجرائم الاربع، الامر الذي رفع منسوب الحماوة السياسية في البلاد الى ذروتها على وقع عدم اعتراف «حزب الله» بالمحكمة ودفاعه عن المتهمين، ومطالبة «14 آذار» الحزب بتسليمهم الى القضاء الدولي ورفع الحماية عنهم.
وازدادت هذه الحماوة «اشتعالاً» في الايام الاخيرة مع المقابلة التي قالت مجلة «التايم» الاميركية انها اجرتها مع احد المتهمين في جريمة اغتيال الحريري، ونفاها «حزب الله» بعدما كان رئيس الحكومة السابق وزعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري شن هجوماً قاسياً على الحكومة ورئيسها على خلفية هذه المقابلة وما تضمنته من تحد للدولة.
وتفاعلت المضاعفات السياسية والقضائية للمقابلة الصحافية التي نشرتها مجلة «تايم» والتي اعلن فيها احد المتهَمين الاربعة ان السلطات اللبنانية تعرف مكان اقامته ولن تستطيع اعتقاله او توقيفه. وفيما كان مدعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا يستجوب الصحافي البريطاني مراسل «تايم» في بيروت نيكولاس بلانفورد حول المقابلة وملابساتها لا سيما في ضوء اعلان الاخير يوم الاحد انه ليس هو مَن اجراها بل شخص آخر، بقي «الغبار» السياسي الكثيف يلفّ هذا الملف وسط علامات استفهام حول اذا كانت المقابلة قد جرت فعلاً ام لا، ومَن أجراها ومع مَن، وفي اي توقيت ومكان؟ واذا كانت بعض الاوساط المراقبة سألت اين المصلحة السياسية لـ «حزب الله» في كشف حكومة ميقاتي امام المجتمع الدولي من خلال مثل هذا المقابلة التي نفاها؟ فان اوساطاً اخرى سألت: اين مصلحة المحكمة الدولية في «فبركة» مقابلة على طريقة الـ «سين جيم» تعلم ان «حزب الله» سينفيها تلقائياً ما يجعلها تقدّم «هدية مجانية» للحزب في اطار «الحرب الاعلامية» التي يشنّها على المحكمة؟
وبين هذين السؤالين، بقيت قوى الموالاة اي 8 آذار على موقفها من ان المقابلة مع احد المتهَمين باغتيال الرئيس الحريري «مفبركة» وهي ضمن «السياق نفسه لكل مسار المحكمة والتحقيق الدولي» وان هدفها دق اسفين بين الرئيس نجيب ميقاتي و«حزب الله» الذي اعلن احد نوابه انه قرّر إدراج قضية المقابلة في ملف الشهود الزور «الذي سيُفتح مجدداً»، وذلك في مقابل تأكيد المعارضة، اي قوى 14 آذار صحّة هذه المقابلة، ومتهمة «حزب الله» بانه يقف وراءها إمعاناً في «سياسة التحدي» وآخذة على الحكومة عجزها عن القبض على المتهمين الاربعة، و«تغطية حزب الله».
وفي حين ينتظر ان تشكّل المقابلة بنداً اضافياً في المؤتمر الصحافي الذي يعقده اليوم الثلاثاء رئيس كتلة نواب «حزب الله» محمد رعد لـ «تفنيد» ما جاء في القرار الاتهامي في جريمة الرئيس الحريري الذي نُشر الاسبوع الماضي وذلك في اطار «محاكاة تقنية» اعلامية له، فان مجمل هذا الملف سيحضر ايضاً في الكلمة التي يلقيها الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله يوم الجمعة المقبل اذ سيطّل عبر الشاشة في المهرجان الذي يقام في «حديقة إيران» في بلدة مارون الراس لمناسبة يوم القدس العالمي. وعلى وقع هذا المناخ المحتدم، توجّه مراسل مجلة «تايم» في لبنان الى قصر العدل في بيروت بعدما كان النائب العام التمييزي كلّف قسم المباحث الجنائية المركزية استدعاءه على خلفية المقابلة التي نُشرت مع احد المتهَمين الاربعة والذين لا تزال المحكمة الدولية تطالب لبنان بالبحث عنهم وتوقيفهم رغم انقضاء مهلة الثلاثين يوم عمل الاولى بإبلاغ بيروت الى المحكمة جواب «بحثنا عنهم ولم نجدهم».
وقد استجوبت النيابة العامة التمييزية بلانفورد الذي حضر الى قصر العدل برفقة محاميه حيث سئل عن المقابلة ومكانها وظروفها وهوية المتهم الذي أدلى بالتصريح والمسؤول في «حزب الله» الذي وردَ انه كان حاضراً. وكرر الصحافي البريطاني ما كان اعلنه من أنّه لم يُجرِ المقابلة مع أحد المطلوبين للمحكمة الدوليّة، بل إنّ ادارة «تايم» أرسلت اليه من نيويورك نصاً لمقابلة جاهزة قالت له انّها أُجريت مع متّهم من حزب الله وطلبت منه إعداد مقال تحليلي على أساسها. وأشار الى انّه «سأل عن المقابلة في نيويورك وقالوا انّهم متأكّدون من انّها اصلية»، مذكراً بان المقالة التي نشرها تعليقاً على المقابلة حملت توقيعه، فيما المقابلة في ذاتها (كان ثمة رابط ضمن مقاله لقراءتها كاملة) لم تحمل توقيع أحد، وانه لا يعرف من هو المراسل الذي قام بها.
وفي حين نقلت تقارير في وسائل اعلام قريبة من 14 آذار عما وصفته بانه مصدر مطلع في «تايم» ان احد نواب «حزب الله» هو من استدعى مراسلها في بيروت لإجراء المقابلة مع أحد المتّهمين الأربعة على خلفية مساعدة الحزب على تظهير براءته من تهمة اغتيال الحريري «وتوضيح الظلم اللاحق بالحزب وتوضيح الصورة في الصحافة الغربية»، اكد نائب «حزب الله» حسن فضل الله «اننا نفينا نفياً قاطعاً ان تكون هذه المقابلة حصلت، ونؤكد ان كل ما قيل غير صحيح»، معتبراً ان المتهَمين الاربعة «مقاومون شرفاء وهم مظلومون ويتعرضون لظلم كبير من الكيان السياسي المسمى «محكمة».
وفي سياق متصل، واذ لفت الناطق باسم المحكمة الدولية مارتن يوسف إلى ان المحكمة التي اتهمها حزب الله بفبركة المقابلة «ليس لديها في الوقت الحاضر أي تعليق على هذا الموضوع»، نُقل عن اوساط الرئيس ميقاتي ان الاخير «يأمل في ان تكشف الخلفيات الحقيقية في ضوء تضارب الروايات حول ظروف المقابلة ومضمونها»، مشدداً على «عدم استباق نتائج التحقيق، وعدم إطلاق مواقف مسبقة»، وقال إنه سيتابع الموضوع من خلال القضاء، مشيرا الى ان الحكومة ستتخذ الإجراءات اللازمة في ضوء ما سيترتب على نتائج التحقيق «بصرف النظر عن المواقف المعلبة والجاهزة والمعروفة الأهداف».
في موازاة ذلك، اعتبر رئيس «كتلة المستقبل» النيابية فؤاد السنيورة أن «هناك من يقول بطريقة أو بأخرى إنه يدافع عن المتهمين او يحميهم وأن التذرع بأنهم لا يقبلون بالمحكمة هو بمثابة اثبات لتهمة توجه اليهم». وشدد على ان «ليست هناك طائفة قاتلة وطائفة مقتولة بل هناك من ارتكب جريمة ويجب ان يحاسب».
وذهب النائب نهاد المشنوق (من كتلة الرئيس سعد الحريري) إلى تأكيد أن المشكلة هي مع «حزب الله» وليست مع الشيعة الذين هم منا ونحن منهم قائلاً: «المتهمون الأربعة ملتزمون سياسياً وعقائدياً ودينياً بحزب الله، وهو حزب ملتزم كذلك بالمرجعية الإيرانية، وأي قرار صدر بالاغتيال لا يمكن إلا أن يكون قد بدأ بطهران ومر بدمشق ونفّذ في بيروت، وأن ذلك تسلسل طبيعي ومنطقي في حال ثبت أن المتهمين مسؤولون عن اغتيال الرئيس الحريري».
|