|
::غسان عبد القادر::
في باريس وبالتحديد في Café Le Liberté أي مقهى الحرية كان الموعد مع الدكتور برهان غليون، استاذ مادة علم الإجتماع ومدير مركز الدراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون والناشط السوري الأبرز في مجال حقوق الانسان. المفكر السوري الذي ولد في حمص ثم استقر منذ زمن في بلد الحريات فرنسا، كان في حديثه اقرب الى بلاده وشعبه ممن امتهنوا لسنوات سياسات القمع والارهاب النفسي، وحكموا شهوتهم للسلطة والتسلط بدل ضميرهم. غليون قدّم بشكل واضح رؤية المعارضة لسوريا المستقبلية، رؤية تضمن وحدتها، وسلمية ثورتها، وديمقراطيتها التعددية وكذلك رفض التدخلات الأجنبية. ومع هذا، رأى غليون أنّ الضغوط الدولية تساعد الشعب على قلب النظام الحاكم واسقاطه معتبراً أنّ الأسد بات مشكلة بالنسبة لدول العالم ولم يعد ضرورة كما كان من قبل. كما حذّر المفكر السوري حزب الله من مواجهة الشعب السوري لأن لا مصلحة له في ذلك واصفاً في الوقت عينه ايران بالحليف الوحيد المتبقي لنظام الأسد والذي لن يستطيع أن يؤهل هذا النظام ليحكم سوريا.
وحده الشعب السوري من يقوم بالتغيير أما الضغوط الدولية ستساهم بتفكيك النظام ومن ثم باسقاطه
بدأ الحديث مع الدكتور برهان غليون بالإستفهام عن مسار الثورة السورية فأجاب "لا شك أن السوريين قدموا تضحيات كبيرة في الأشهر الخمس الماضية، وهذه التضحيات لم تذهب سداً. واولى نتائج هذه التضحيات أن النظام غدا عارياً كاشفاً عن نفسه كنظام عنف قهري اما الرأي العام الدولي الذي بات ينظر له نظرة اشمئزاز، خصوصاً عندما يطلق النار بكثافة على المواطنين العزل في الشوارع. الثوار السوريون جردوا النظام كلياً من شرعيته واظهروا حقيقته كما هي، أي كشفوا عن جوهره العنفي الذي لا علاقة له بأي معاني الوطنية".
كما نفى الدكتور غليون ان نكون امام عملية تغيير تقودها الدول الأجنبية مؤكدا على "أنّ التغيير يقوم به الشعب السوري وحده، وهو من سيسقط نظام الأسد. نحن على علم وثقة أنه لا يوجد تدخل عسكري خارجي، وأن كل ما يمكن لدول العالم أن تقدمه هو دعم جهد الشعب لاسقاطه. النظام حالياً بات يعاني من قطيعة مع المجتمع الدولي لما اقترفه من ممارسات يندى لها الجبين، وغير مقبولة وفق المعايير الدولية. عيون العالم كله تنظر الى الشعب السوري نظرة تعاطف ودعم، وهو وحده الذي سيأخذ على عاتقه مهمة التحرر من الظلم. انا متأكد ان العالم سيكون له دور وكذلك المجموعة الدولية للقضاء على نظام الأسد ولكن لن يكون ذلك بالضربة القاضية بل عبر ضغوط ستقود لتفكيك هذا النظام ودفعه إلى الانهيار".
وعن الضغوط الدولية التي يراها مساعدة للثورة، أشار غليون إلى "أنّ هذه الضغوط ستتوزع بين دبلوماسية وقانونية واقتصادية وانسانية كذلك. فعلى دول العالم أن تقاطع كل اصحاب المشاريع الفاسدين الذين يمولون ويعززون حرب الأسد على شعبه، ويجب فرض حصار على جميع شخصيات النظام الحاكم. واعتقد ان مجلس الأمن لم يقم حتى الآن بما يكفي لإجبار النظام على فتح فضائه الإعلامي واستقبال لجان تحقيق تضطلع بدورها لكشف الجرائم البشعة التي ترتكب الآن في سوريا".
وتابع: "أنا أعتقد أن هذه الضغوط الخارجية بالإضافة إلى الضغوط الداخلية القوية المتمثلة في المسيرات والاعتصامات والاضرابات التي ستعم البلاد ستؤدي لا محالة إلى تفكك النظام بما في ذلك داخل المؤسسة العسكرية والامنية. لكن الرهان الرئيسي سيبقى على المسيرات الشعبية السلمية التي طيرت صواب النظام ولم يعرف كيف يتعامل معها بالرغم من حملات الحسم العسكري التي لم يكف عن تكرارها كل أسبوع مع ما يرافقها من قتل واعتقال وتنكيل وتعذيب ونهب وتشريد".
نظام الأسد اصبح مشكلة ولم يعد ضرورة للمجتمع الدولي... لأنه بات غير قادر على الإمساك بالداخل
بالحديث عن المصالح الدولية التي قد تحكم العلاقة مع نظام الأسد، أعتبر غليون "أنّ الدول تبحث عن مصالحها. وحتى فترة قريبة، كانت معظمها تشعر، بما فيها روسيا والغرب، ان الأسد هو ركيزة من ركائز الاستقرار في المنطقة، وحتى الإسرائيليين بدورهم اعتبروه ضرورة لانه يضمن عدم وجود تهديد لحدودهم الشمالية، وظلوا يتعاملون معه على هذا الاساس حتى لو بالغ الأسد في مطالبه من فترة لأخرى. أما الآن وبعد ان هزته مسيرات الشعب السوري، وكشف عن ضعفه وبانت عيوب نظامه وتهافت بنياته وأظهر عدم قدرته على السيطرة على الوضع، فقد أصبح ينظر إليه على أنه مصدر للفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار. وهذا ما لا يتماشى مع مصالح أحد، خاصة في دولة ذات موقع استراتيجي حساس في منطقة شرق أوسطية شديدة الحساسية. الاستخدام المفرط للعنف أظهر ان لا قاعدة سياسية له وانه غير قادر على السيطرة على امور بلاده على المدى الطويل. لذا بدأت هذه الدول أنه تتطلع الى افق آخر. لقد اصبح بشار الأسد جزءا من المشكلة وليس من الحلّ. حتى الروس بدأوا يغيروا من مواقفهم لأنهم ظنّواّ ان وجوده هو الضامن لنفوذهم العسكري والسياسي في المنطقة وعلى الوفاء بالديون المستحقة لموسكو، ولكنهم الآن يرون أنه ليس في وضع يضمن لهم هذه المصالح، ومن الأفضل لهم التوجه وجهة أخرى ".
بالنسبة لموقف تركيا، أشار غليون أنّ "التركي من جهته له مصالح اقتصادية جمة في سوريا بعد ان ربط الرئيس الأسد الاقتصاد السوري بتركيا، وبموجب ذلك تحولت سوريا الى جسر لدخول تركيا الى العالم العربي. ولكن الأتراك يشعرون الآن بأن النظام اصبح عثرة على طريق تحقيق مطامحهم بأن يتفاعلوا مع السوق السورية ومع العالم العربي. ولكني يجب ان أعيد التأكيد على انه لا الأمريكيين ولا الأتراك ولا الغرب ولا مجلس الأمن لديهم العصا السحرية لتحقيق الديمقراطية التي يطمح إليها الشعب السوري. إنّ التغيير سينبع من تغيير ميزان القوى من خلال ضغط الشعب السوري على النظام وإنهاك قوى الأمن والمخابرات".
بالرغم من الدعم الإيراني، نظام الأسد لم يعد قابلاً للحياة... وادعو نصرالله لعدم ربط نفسه بنظام هالك
أما ايران، فوصفها بأنها "الحليف الوحيد المتبقي للنظام. وهي التي تقدم له الدعم اللوجستي والمعلوماتي والعتاد الحربي وأدوات القمع وخبرة القمع السياسي وخططه. فهي مشاركة مشاركة رئيسية في الحرب المعلنة ضد انتفاضة الشعب السوري والشعب نفسه. لكن لا ايران ولا اي دولة اخرى قادرة على اعادة تأهيل النظام الذي فقد أهليته بالنسبة للشعب السوري. ايران تستطيع ان تدعم قوته العسكرية والأمنية ولكن لا تستطيع ان تؤهله ليمسك بزمام الأمور من جديد. واريد التذكير بأنّ ما سماه الأسد بخطابه "بالجيش الالكتروني السوري" ما هم الا مجموعة تقنيين ايرانيين اكتسبوا خبراتهم في مواجهة التظاهرات الإيرانية، وهم من يأطرون ميليشيات قمع النظام في مواجهة المحتجين".
وبالنسبة لحزب الله قال غليون أنّ "السوريين ليس لديهم معركة مع حزب الله ولا من مصلحة الحزب الدخول في مواجهة مع الشعب السوري وهذا الشعب الذي دعم حزب الله في معركته ضد اسرائيل كان ينتظر أفضل من ذلك من قبل حزب الله الذي أعلن في فترة من الفترات ولاءه ودعمه اللامتناهي لهذا النظام. وأتمنى على الحزب ان ينظر الى مصلحة الشعب السوري ولا يربط مصيره بنظام هالك. السيد حسن نصرالله أخطأ كثيراً في تأييده لنظام الأسد مهما كانت علاقاته الإستراتيجية مع ايران، وعليه الآن ومن مصلحة حزب الله ومصلحة العرب ومصلحة لبنان إعلان تأييده لحقوق الشعب السوري وأن يعيد النظر في مواقفه السابقة وفي حق الشعب السوري بأن يقرر مصيره بيده ويحظى بحكومة منتخبة من قبله".
مشروعنا كمعارضة هي سوريا ديمقراطية مدنية تعددية...وأية تسوية مع الأسد هي خيانة للشهداء
وعن المشروع الذي تسعى لتحقيقه المعارضة، أوضح المفكر السوري "الشعب يقف الآن ليقول لا لنظام اغتصب حقه في السيادة وتقرير المصير وأصبح يتصرف كأنه وصي عليه وبأسلوب مهين لكرامته الوطنية ومبطل لحرياته الأساسية. الشعب الآن منتفض على هذه الانتهاكات يكافح لاستعادة حقوقه وحرياته، بما في ذلك حقه في حكومة منتخبة من قبله وخاضعة لإشرافه ومحسابته. وهو يرفض أن تكون سوريا مرتعاً للفساد ومزرعة لعائلة أو لإثنتين أو لمجموعة من اصحاب المصالح الخاصة من المتنفذين لدى النظام. البديل عن نظام الأسد هو نظام ديمقراطي خال من التعسف وسيطرة الأجهزة الأمنية على حياة الناس وتقييد الحريات. إنه بكل بساطة: سوريا ديمقراطية مدنية وتعددية تحترم حقوق ابناءها وتساوي بينهم. ونحن مجمعين على عهد وطني مفاده رفض أن يبقى في سورية جائع أو معوز، ورفض أن يكون فيها من تنتهك كرامته من دون عقاب أو من تقيد حريته خارج إطار القانون. ولن يكون في سورية الجديدة من هو فوق القانون أو محروم من حماية القانون ولا حكومة خاضعة لوصاية حزب أو قائد ملهم أو جيش أو أجهزة أمن ".
ونفى غليون نفياً قاطعاً احتمال "التوصل الى تسوية مع النظام لأنه أحرق جميع سفنه وقطع كل حباله مع الشعب وهو ليس اختيار مطروح في اي مكان. ربما كان هناك احتمال للتوصل إلى تسوية قبل ان تسفك هذه الدماء الزكية، أما الآن وبعد هذه التضحيات التي نقف امامها بإجلال والمستمرة الى هذه اللحظة فأي تسوية ستعتبر من قبل الشعب السوري على انها خيانة".
احتمال قيام دولة اسلامية في سوريا امر مبالغ فيه... والشعب لا يريد استبدال ديكتاتورية بأخرى
ورداً على التخوف من سيطرة محتملة للإسلاميين على مقاليد الحكم في سوريا، قلل غليون من شأن هذه التصورات معتبراً "أنّ في سوريا مبالغة في قضية الإسلاميين وبالتحديد الأخوان المسلمين اللذين تعرضوا لسنوات من القمع والنفي والسجن. والمناخ العام لدى السوريين اليوم يميل بغالبيته لعدم استبدال ديكتاتورية بأخرى بل لإقامة ديمقراطية حقيقية تعبر عن مطامح الناس وآمالهم ولا تفرض عليهم ايديولوجية معينة وهذا الذي ما زال السوريون يضحون في سبيله كل يوم في مسيراتهم السلمية. وبرأيي أهم عنصر في ثورة السوريين هو رفض سيطرة الاجهزة الأمنية التي روعت الناس وأحبطت جميع مبادراتهم وحرمتهم من حماية القانون ومن التواصل في ما بينهم، بل من تكوين شعب متكافل ومتضامن. وهذه السيطرة هي التي تقف أيضا وراء الفساد الشامل الكبير والصغير".
وأضاف "إن احتمال قيام دولة يحكمها الاسلاميون بدل الديمقراطية تكذبه أيضا الاحصاءات الكمية. فلا يجب أن ننسى أنّ 30% من الشعب السوري هم من غير المسلمين السنة وهؤلاء بعيدين كل البعد عن النزعات الإسلامية المتطرفة ويضاف اليهم ما يقارب النصف على الأقل من المسلمين السنة الباقيين الذين لا يأيدون الحكم الديني، مما يجعل أغلبية الشعب السوري بعيدة تماما عن مشروع إقامة دولة دينية على نموذج الدولة الايرانية. مع العلم أن الكثير من الإسلاميين أنفسهم يميلون الى نموذج ديمقراطي اسلامي يقبل التعددية على الطريقة التركية بعد أن رأوا بأم أعينهم نتائج النموذج الايراني القائم على فكرة وصاية رجل الدين. بالتأكيد الشعب السوري بأغلبيته مسلم محافظ ومتديّن ومؤمن ولكن الإيمان والتديّن لا يعني قبول حكم رجال الدين".
لا خلافات لدى المعارضة...ومبادئها: سوريا ديمقراطية، رفض التدخل، سلمية الثورة، ووحدة الشعب
وآزاء الكلام الكثير الذي نشر وكتب عن خلافات في اوساط المعارضة السورية، علق غليون قائلاً "المعارضة الحقيقية هم شباب الثورة الذين هم على الأرض والذين يشكلون أداة تغيير ميزان القوى في الداخل، وليست المؤتمرات التي تعقد في الخارج. اللذين غيّروا ميزان القوى هي الثورة وشبابها الذين اثبتوا في الخمسة اشهر الماضية انهم قادرون على مواجهة النظام وعلى تنظيم أنفسهم وتكوين قيادات حية وفاعلة. ليس هناك أي انقسام بين الثوار السوريين ونحن سنساعدهم للوصول الى النصر. وفي سوريا هناك أيضا احزاب وتكتلات لها تاريخ طويل من النضال ضد الحكم التعسفي منها اعلان دمشق وهيثة التنسيق الوطني واحزاب كردية متعددة وغيرهم، وانا اعتقد ان هؤلاء ايضاً لا خلافات بينهم ولكن لا تزال هناك صعوبة بالتواصل والتجمع في إطار واحد، و هذا نابع من 40 عاماً من القهر وغياب الحياة السياسية بالإضافة الى بعض الحساسيات الشخصية".
كما حدد الدكتور غليون اربعة اهداف تشكل اطاراً لجميع قوى المعارضة التي اتفقت عليها وهي":اولاً، تحويل سوريا الى دولة ديمقراطية وهو الأمر الذي يبدأ بإسقاط النظام الحاكم. النقطة الثانية الجامعة للمعارضة بالداخل والخارج هي رفض التدخل العسكري الخارجي بجميع اشكاله ومن اين ما أتى. ثالثاً هنا إصرار على سلمية الثورة وعدم اللجوء الى السلاح مهما كانت الظروف. وأخيراً، هناك نقطة في غاية الأهمية تتمثل في المحافظة على وحدة سوريا وعدم تقسيم الشعب السوري الى طوائف ورفض اي نوع من الفتن المذهبية التي يحاول النظام ان يدفع الناس اليها. وكل طرف معارض لا يحترم اي من هذه النقاط يتم استبعاده تماماً. واريد ان اذكر انه مع زيادة وتيرة الثورة اصبح هناك طلب من السوريين في الخارج على المشاركة في فعالياتها وبالتالي جاءت المؤتمرات التي تعقد التي حصلت في الخارج جاءت لتعبر عن رغبة السوريين المقيمين في الخارج في أن يصبحوا جزءا من الحراك الداخلي في الوطن وأن يشاركوا في تحرير بلدهم. وهذا يدل أيضا على الولادة السياسية الجديدة للشعب السوري الذي حرم من حقوقه السياسية لعقود طويلة متواصلة ".
|