Date: Aug 30, 2011
Source: جريدة الراي الكويتية
لبنان أدار ظهره للإجماع العربي بعد الدولي حيال سورية
ترؤسه لمجلس الأمن الخميس يضعه أمام الاختبار الأصعب

| بيروت ـ من وسام أبوحرفوش |

بعدما سبق ان «نأى» لبنان بنفسه عن الاجماع الدولي حيال الاوضاع في سورية يوم «تنصل» من قرار مجلس الامن الدولي، ها هو اليوم يدير ظهره للاجماع العربي عبر «تنصله» المكشوف من البيان الصادر عن الامانة العامة لجامعة الدول العربية عقب اجتماع مجلس وزراء الخارجية، الذي اقر مبادرة في اتجاه سورية وكلف الامين العام نبيل العربي مناقشتها مع النظام في دمشق.


وتزامن نأي لبنان بنفسه عن الاجماع العربي بعد الدولي واظهاره المزيد من الالتصاق بالنظام في سورية، مع تعاظم العزلة الاقليمية والدولية لهذا النظام التي دهمت الاحتجاجات التصاعدية عقر داره مع انفجارها في انحاء مختلفة من دمشق، التي تصدرت «اخبارها» وسائل الاعلام، على وقع المزيد من خطوات المعارضة في اتجاه توحيد صفوفها، على غرار ما شهدته انقرة امس الاثنين.
ففي اللحظة التي نفض الرئيس التركي عبد الله غول يده من نظام الرئيس بشار الاسد، وقررت الجامعة العربية اطلاق مبادرة «الفرصة الاخيرة» في اتجاه النظام في دمشق، وعدّلت ايران من خطابها الذي يحض الاسد على الاستجابة لمطالب شعبه، واوفدت روسيا نائب وزير خارجيتها في محاولة لـ «انقاذ ما يمكن انقاذه»، غرد لبنان عبر حكومته خارج السرب في موقف قد يكون «باهظ الاثمان» لخروجه عن الاجماعين العربي والدولي.


ورغم محاولة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي استخدام ما امكن من «مساحيق التجميل» للتعمية على التنصل من هذا الاجماع وعلى الاضرار التي من شأنها ان تصيب سمعة لبنان والتزاماته ومصالحه، فان الدوائر المراقبة ترصد بـ «ريبة» الانعكاسات المحتملة لهذا السلوك، في الوقت الذي يوحي المجتمعان العربي والدولي بان صبرهما نفد ازاء سفك الدماء المتواصل في سورية.
هذا السلوك الذي يزيد من انكشاف الحكومة اللبنانية خارجياً، يتزامن هو الآخر مع تصدع مكانتها داخلياً، وهي المحاصرة بملفات من النوع الذي يجعلها في اختبار دائم، لملف المحكمة الدولية في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري والجرائم الاخرى ذات الصلة، اضافة الى مجموعة من «القنابل الموقوتة» المرتبطة بالاوضاع المعيشية والمالية في البلاد.


فعلى مشارف يومين من ترؤس لبنان مجلس الامن الدولي، طرحت دوائر ديبلوماسية علامات استفهام حول مدى قدرته على الاضطلاع بهذا الدور في غمرة الملفات البالغة الدقة التي سيناقشها المجلس الشهر الطالع وليس اقلّها موضوع إعلان الدولة الفلسطينيّة في الأمم المتحدة، والقضية السورية في ضوء مشروع القرار لفرض عقوبات على النظام السوري الذي بدأ يُخطّ بالحبر الأزرق.


وفي رأي الاوساط الديبلوماسية ان لبنان الذي كان تجاوز «قطوع» البيان الذي أصدره مجلس الامن اوائل اغسطس حول الوضع في سورية مستخدماً ورقة «النأي بالنفس» التي جعلته «يسير بين النقاط» فلا يمنح الـ «نعم» للبيان وفي الوقت نفسه لا يعرقل صدوره بعدما سارت به روسيا، سيكون في ضوء المهمات الملقاة على عاتقه كرئيس لمجلس الامن امام إحراجات أكبر لن يكون من السهل بإزائها استخدام سياسة «غسل اليديْن» لا سيما حيال الملف السوري وإلا كانت «الأكلاف» السياسية والأضرار الديبلوماسية بالغة على صورته «المهتزّة» اساساً كدولة «مغلوب على أمرها».
وبحسب الاوساط الديبلوماسية نفسها، فان خيار الـ «لا موقف» بإزاء البيان الذي صدر عن مجلس الامن قبل 27 يوماً، سيضع لبنان هذه المرة بحال كرره خلال ترؤسه المجلس ابتداء من الخميس خارج الاجماع الدولي وكذلك خارج الاجماع العربي الذي عبّر عنه الاجتماع الاستثنائي لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية والذي صدر عنه بيان حض السلطات السورية على الاستجابة للمطالب السياسية والاجتماعية للشعب السوري.


ورغم ان بيروت سحبت اعترافها ببيان الجامعة العربية وتنصلت منه فيما كانت سورية «تفتح النار» عليه وتقفل الباب امام مهمة الامين العام للجامعة نبيل العربي التي كانت مقررة الى دمشق، فان الدوائر الديبلوماسية ترى ان نقل هذا السلوك الى مجلس الامن حيث يمثّل لبنان المجموعة العربية يمكن ان يهشّم كلياً صورته ويضعه في خانة «الانتحار الديبلوماسي».


وكانت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية اوضحت ليل الاحد ان اجتماع الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية الذي بحث تطورات الاوضاع في سورية «قد انتهى بالاتفاق على عدم صدور بيان أو الادلاء بأي تصريحات إعلامية عن الرئاسة الحالية للمجلس أو عن الامين العام للجامعة»، مشيرة الى ان «البيان الصادر لم تتم مناقشته خلال اجتماع المجلس الوزاري».


وأوضح وزير الخارجية عدنان منصور في تصرحيات صحافية ان «البيان الذي اصدرته الامانة لم تتم مناقشته خلال الاجتماع، ولم يكن متفقاً عليه». واذ نفى ان يكون تنصل لبنان من البيان جاء نتيجة الموقف السوري في الجامعة، «حيث كانت السفارة السورية قد ارسلت مذكرة احتجاج رسمية (...)»، لفت الى «أن الموقف اللبناني ليس مسألة تناغم او انسجام مع الموقف السوري، بدليل ان توضيح وزارة الخارجية لم يشر الى البيان السوري، ولم يكن القصد منه الدخول في انقسام لبنان، او سجال مع احد، وانما كان القصد فقط هو التوضيح بأننا في القاهرة لم نناقش بياناً اصلاً، وهذه حقيقة»، مضيفاً: «الاجتماع انتهى قرابة الثانية والدقيقة العاشرة فجر الاحد بحسب توقيت بيروت، وغادر الوزراء العرب، وبينهم انا حيث عدت إلى بيروت، لكنني فوجئت ببيان الأمانة، فأحببت أن اوضح امراً حصل في الشكل، ومن دون أن يكون لهذا التوضيح علاقة بالموقف السوري».


وفي موازاة هذا «الهمّ» الديبلوماسي، بقي الاهتمام الداخلي منصباً على «فك الاشتباك» بين مكونات الحكومة لا سيما العماد ميشال عون والنائب وليد جنبلاط حيال ملف الكهرباء الذي استُكملت الاتصالات في شأنه امس الاثنين في محاولة لرأب الصدع.


وعشية عطلة الفطر، بدا واضحاً ان فريق عون متمسك بإقرار خطة الكهرباء ككلّ مع امكان تسهيل ايجاد مخارج لا تمس الجوهر على ما جزم وزير الطاقة جبران باسيل (صهر عون) معلناً «الخطة هي كلٌ لا يتجزأ، فإما ان تُقبل وإما ان ترفض، وبالتالي فإنها لا تحتمل تسويات»، في حين برزت تسريبات تحاول «حشر» جنبلاط عبر ربط موقفه من ملف الكهرباء بتموْضعه السياسي حيال الأحداث في سورية غامزة من قناة انه «جسر للمعارضة» (14 آذار) في الحكومة، واذ خرجت من خلف غبار «معركة الكهرباء» معادلة «الحكومة في مقابل الكهرباء» التي وضعها العماد عون، اعلن ميقاتي بلهجة حازمة «ان هذه المعادلة مرفوضة تماما، والقبول بها يكرس سابقة خطيرة على صعيد العمل المؤسساتي، لأن ذلك يعني ان كل وزير يستطيع لاحقا ان يهدد بأنه إذا لم يأخذ مجلس الوزراء بمشروعه فهو سيستقيل من الحكومة او سينسفها»، منبهاً الى ان من غير الجائز ان يقال «إما ملف شهود الزور وإلا لا حكومة»، أو «إما خطة الكهرباء وإلا لا حكومة»، محذرا من انه إذا كان هذا المنطق سيسري فلا جدوى من مجلس الوزراء.


واكد ميقاتي في حديث الى صحيفة «السفير» «ليكن معلوما انني أول من سيمشي إذا أحسست ان شروط بقاء الحكومة لم تعد متوافرة»، وقال: «ما دام ملف خطة الكهرباء المقترحة قد فُتح، وبما أننا دخلنا في صلب المشكلة، فلا بد من ان نخرج منها بتصور يحصن الخطة أكثر فأكثر، من دون ان ينسفها. والمطلوب ان تضع الحكومة بصمتها على المشروع من خلال إدراج ضوابط معينة يكون من شـأنها تشـذيب الخطة وتقليم أغصانها».


ورداً على سؤال، اوضح انه لمس أجواء مريحة في الرياض، معتبرا ان ما سمعه هناك «مقبول جدا». وبرغم انه لم يلتق الملك عبد الله، وبرغم انه سمع من بعض الدوائر في المملكة ملاحظات او تحفظات عن طريقة تكليفه وكيفية ولادة الحكومة، إلا انه أكد ان المسؤولين السعوديين الذين قابلهم لم يعبروا عن أي ملاحظة على أدائه كرئيس للحكومة، لافتا الانتباه الى ان الثقة المتبادلة قائمة، والأمور أصبحت أفضل من السابق.


وبالنسبة الى مصير ملف شهود الزور، شدد ميقاتي على ان هذا الملف لم يقفل، ولكنه تجنب إعطاء توقيت محدد لتاريخ إعادة فتحه على طاولة مجلس الوزراء، مشيرا الى «ان ما نحن بصدده الآن متابعة مسار المحكمة الدولية، وإذا تبين انها استندت الى إفادات شهود الزور فإننا سنتصرف، ولكن الظاهر حتى الآن انها تتكل على أشياء أخرى».


وفي هذه الأثناء، بقيت الانتقادات التي وجّهها النائب خالد الضاهر (من كتلة الرئيس سعد الحريري) لقائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي ومخابرات المؤسسة العسكرية وبعض الضباط على تفاعلاتها، لا سيما بعد الموقف المعبّر لعدد من نواب «المستقبل» في الشمال الذين اعلنوا التضامن مع الضاهر في وجه الدعوات الى رفع الحصانة النيابية عنه ومقاضاته.
وكان النائب احمد فتفت اعلن بعد اللقاء التضامني الذي حضره النواب محمد كبارة، معين المرعبي، كاظم الخير، والقيادي في »تيار المستقبل« النائب السابق مصطفى علوش أن «هناك ممارسات غير مقبولة من بعض الضباط، وتحديداً في مخابرات الجيش اللبناني، ولا نخجل أن نقول بكل صراحة إن بعض الممارسات تشبه بشكل واضح الممارسات التي كانت تقوم بها المخابرات السورية خصوصاً في الشمال، وسبق أن أوضحنا هذا الموقف لقائد الجيش والمسؤولين، ولكن للأسف لم تؤخذ الإجراءات».


اما النائب الضاهر فقال في حديث اذاعي امس الاثنين: «اننا في نظام ديموقراطي وليس عسكرياً، وبالتالي لا ضابط مقدسا، ولسنا مثل النظام السوري الذي كان ضباطه يمارسون القهر أيام الوصاية على لبنان»، مؤكدا ان «من حقي انتقاد السياسات الخاطئة، والنقد هو لإصلاح الخلل».
وأوضح انه لم يسئ الى اي مؤسسة «بل تحدثتُ عن ممارسات خاطئة بحق المواطنين وبكيدية سياسية من خلال ممارسات بعض الضباط في محاولة لإضعاف قوى الرابع عشر من آذار، وتركيب ملفات وإساءة الى الناس واعتقالات عشوائية».
وعن مطالبة النائب ميشال عون برفع الحصانة النيابية عنه، أجاب: «يا جبل ما يهزك ريح»، ونحن لا يهمنا هذا التهديد، ومن يستحق ان تسحب منه الحصانة هو العماد عون وقوى الثامن من آذار التي تمنع الجيش من أداء ابسط واجباته الأمنية».
واضاف: «ان يتم استغلال الجيش من ضباط وعناصر شبيحة، تعمل لمصلحة النظام السوري فهذا أمر مرفوض».