Date: Sep 10, 2011
Source: جريدة الوطن الان المغربية
سمير العيطة لـ"النهار": لم تفهم السلطة عمق التحولات في المجتمع السوري
الكاتب السوري ورئيس تحرير "لوموند ديبلوماتيك" العربي

بقلم ديانا سكيني
سمير العيطة، المقيم في باريس، كاتب سوري، واقتصادي مرموق، ورئيس تحرير النشرة العربية من "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية. هو أيضاً من الشخصيات السياسية العلمانية المثابرة على دعم الانتفاضة الشعبية منذ آذار الماضي. العيطة الذي لا يحب أن يُقدّم للآخرين بصفته معارضاً لأنه لا يعتبر المعارضة موحدة أو قابلة للتوحد يستعد للمشاركة في مؤتمر 17 ايلول الذي تعقده قوى هيئة التنسيق الوطني في دمشق، حيث يراهن على بروز تيار سياسي وطني ديموقراطي قوي. في ما يلي اجاباته على اسئلة "النهار":

 

¶ أي أثر للسياسات الاقتصادية الانفتاحية التي اعتمدها النظام في السنوات الأخيرة، دون التخلص من اشتراكية النصوص، على ازدياد النقمة على الدولة ؟
- ليس هناك نقمة على الدولة في سوريا، هناك نقمة على السلطة. والفرق شاسع بين الأمرين. السوريّون يعتزّون بدولتهم، ويعرفون موظّفيها بشكلٍ جيّد، وأنّ هؤلاء لا يستطيعون أخذ القرارات، بل السلطة القابعة فوقهم بما فيها الأجهزة الأمنية. السياسات الاقتصادية الانفتاحية، دون حريات عامّة وعدالة اجتماعية، أرست في سوريا نظاما اقتصاديا يمكن تسميته "رأسمالية الأقرباء والأصدقاء crony capitalism"، حلّ محلّ رأسمالية الدولة التي أرسيت في عهد حافظ الأسد، والتي كانت انفتحت على القطاع الخاص في أوائل التسعينات، حتّى هدّد صعود هذا القطاع الخاص قبضة السلطة وطالب بالحريات السياسية والاجتماعية في منتصف هذا العقد. الرأسمالية الجديدة سارعت في تخريب كلّ النظم الاجتماعية والخدمات الأساسية في سوريا: الصحّة والتعليم وشبكات الحماية الاجتماعية ولم تستبدلها بشيء، فازداد الفقر والتهميش وهشاشة العمل. 80 في المئة من العاملين في سوريا خارج القطاع الحكومي يعملون دون عقود عمل وحماية صحيّة وتعويضات شيخوخة، إلخ. هذا هو الواقع، أمّا النصوص فهي مشكلة أخرى. هناك تضارب واضح في القوانين التي أرسيت مؤخّراً، خاصّة مع الدستور القائم الذي يحوي بنوداً واضحة تضع أسساً للعدالة الاجتماعية، كما الدساتير السابقة لسوريا. والسلطة القائمة دفعت السلطة التنفيذيّة كما التشريعيّة إلى تخطّي الدستور، هكذا دون الرجوع إلى الشعب مصدر الشرعيّة.


بين الطبقية والاستبداد


¶ هل يمكن القول إن العامل الطبقي كمحرك للمواطن السوري المنتفض هو اكثر تأثيرا من العامل السياسي المطالب بالتحرر من الاستبداد؟ الارياف والعشوائيات كمركز لانطلاق الاحتجاجات وضعف مشاركة الطبقة الوسطى نموذجاً؟
- وكأنّ الاقتصاد والمجتمع والسياسة تشكل مستويات غير مترابطة بشكلٍ وثيق مع بعضها، خاصّة عندما يتمّ تعريف السياسة على أنّها النضال من أجل الحريات والحقوق وليست صراعاً بين فردانيّات زعماء أو بين أحزاب. الاقتصاد في سوريا هو بشكلٍ لافت اقتصاد-سياسي، لا يسمح فيه مثلاً بلاعبين كبار مستقلّين عن السلطة السياسيّة (بما فيها الأجهزة الأمنيّة). والمجتمع أصلاً مخنوق في كلّ تعبيراته من قبل هذه السلطة، حتّى لتكوين أدنى جمعيّة. والثورة-الانتفاضة السورية ليست ذات طابع طبقي صرف، ولم تنبع من مطالبات عمّالية أو فلاحية. الثورة-الانتفاضة في سوريا جاءت نتيجة تراكمات كثيرة: جوهريّاً كما في بقية الدول العربية، إنّها ما أسميه التسونامي الشبابي الذي يأتي ليطيح السلطة المتحجّرة المهيمنة على الدولة، مع وعي ثقافي واجتماعي كبير. التسونامي الشبابي هو ظاهرة ديموغرافية اقتصادية اجتماعية تفسّر نوعاً ما خريطة توسّع الانتفاضة من درعا وحوران إلى مختلف المناطق السورية، وانتشارها خاصّة في المدن المتوسّطة والصغيرة وأقلّ من ذلك الى قلب المدينتين الكبريين: دمشق وحلب. ولكن التطلّع إلى الحرية والكرامة يشمل كلّ السوريين، بمن فيهم خاصّة الطبقة الوسطى، إلاّ المستفيدين مباشرة من السلطة وهم قلّة قليلة، وموزّعون في الأطياف والمناطق السورية.


وإذا أردنا الحديث عن محرّك أساسي فأنا اختصره بشعارات ظهرت خلال سيرورة هذه الثورة-الانتفاضة: أنّ "الشعب السوري لا يذلّ"، وأنّ "الشعب يريد "الحرية والكرامة"، وكذلك أنّ "النظام يريد إسقاط النظام"! ( ليس فقط أنّ "الشعب يريد إسقاط النظام"). إذ لم تفهم السلطة منذ البداية، مع أنّ الظواهر كانت واضحة حتّى قبل الشرارة الأولى، عمق التحوّلات الاجتماعية الاقتصادية السياسية، وأنّه لم يكن ممكناً الاستمرار بسوريا يمكن اختزالها بعائلة: "سوريا الأسد".


الشريحة المترددة


¶ من هي الشريحة المترددة اليوم من الشعب؟ كيف تصف مبررات حيادها السلبي؟
- الأمور في سوريا لن تعود إلى ما كانت عليه قبل آذار 2011. الكلّ يعي ذلك. وأولئك الذين لا يدعمون الحراك الشعبي بشكل صريح هم متخوّفون على الوطن وكيف يحصل التغيير بشكلٍ يوصله إلى برّ الآمان.


¶ هناك نظرية تقول إن البورجوازية السنية (في غالبيتها) مؤيدة للنظام بينما الطبقة الوسطى والفقراء من السنّة منقسمون في معارضتهم له. كيف تؤثر هذه المعادلة على العامل الطائفي كمحرك لطَيف من المنتفضين؟
- إذا أخذنا كيف تطوّرت الأحداث، انقسم الناس في دعمهم للانتفاضة-الثورة حتّى ضمن العائلة الواحدة، مهما كانت الطائفة أو المنطقة أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها. اللافت في الحالة السورية، على خلاف تونس ومصر، أنّ بشار الأسد كان يحظى بشعبيّة حقيقية قبل اندلاع شرارة درعا الأولى، بالرغم من رفض الجميع لمظاهر السلطة العائلية. كان السخط في سوريا يتوجّه نحو رامي مخلوف، لا بشار الأسد، في حين كان في تونس يتوجّه مباشرة نحو بن علي. اصطفاف الرئيس السوري مع عائلته (عاطف نجيب الذي قام بالتعذيب في درعا) ضد شعبه هو الذي صدم الناس وأفقده في زمنٍ قياسيّ معظم الشعبية التي كان يحظى بها.


لا أتصوّر أنّ ما تسمّيه البورجوازية السنيّة ولا حتّى العلوية والدرزية والمسيحيّة هي مؤيّدة للنظام. البورجوازية السورية هي شديدة الوطنيّة، بمختلف أطيافها، وليست "مغتربة" عن شعبها. إلاّ أنّها من الناحية الطبقية تخاف من الفوضى، وهذا طبيعي، في حين لم يعد للكثير من الفئات الشعبية ما تخسره، من حريات ومن كرامة. والمشكلة منذ الخطاب الأوّل للرئيس السوري لم تعد تأييد النظام كما كان، بل ما هو النظام الجديد الذي يجب أن يبزغ.


الحراك الشعبي كان حريصاً منذ البداية على نبذ زجّ أيّ بعد طائفي في الصراع، والمثال أولى تظاهرات اللاذقية. لكن السلطة وبعض وسائل الإعلام العربية وبعض ما يسمّى المعارضين هم الذين استمرّوا مع استطالة الأزمة واشتداد قسوتها في نفخ الكراهية الطائفيّة. شيخ سلفي على محطة عربية دينية يبثّ الفتنة مقابل قنوات للسلطة تخيف العلويين والمسيحيين على مصيرهم، و"معارض" لا أحد يثق به يعلن على محطات أخرى أنّه "إذا تغيّر النظام فهناك طائفة ستخسر" (كذا)، وفيديوات تبرز رجال أمن يهينون الناس ويطلبون منهم أن يقولوا أنّ بشار ربّهم.
المجتمع السوري وبورجوازيّته بأطيافها تداركت حتّى الآن كثيراً من حالات التقسيم الطائفيّ بوعيها، كما يحدث كلّ يوم في حمص أو في الساحل السوري، انطلاقاً من أحداث كان كلّ منها ليفجّر الوضع كليّاً في لبنان أو العراق.


¶ في أي لحظة يمكن الفئة البورجوازية التي ما زالت مؤيدة للنظام أن تتخلى عن موقفها؟
- لم تعد هذه البورجوازية منذ أشهر إلاّ في حالات نادرة مؤيّدة للنظام. مشكلتها ليست هنا، بل التخوّف من الفوضى والحرب الأهليّة. كثيرون في صفوفها بدأوا بـ"أخذ" منازل في لبنان أو الأردن أو تركيا، ويضعون أولادهم في مدارس في الخارج، وكذلك أموالهم. وهم يبذلون قصارى جهدهم كي يخرج تحوّل معقول نحو برّ الأمان، مع أنّ السلطة تأخذهم هم أيضاً رهينة لبقائها (بل ربّما لأنّها تتهدّدهم).


عند الهاوية


¶ هل سوريا مهددة بالوصول إلى شفير الهاوية اقتصادياً؟ وما حقيقة أن عوامل كقدرتها على تأمين أمنها الغذائي، مضافة الى علاقاتها الوطيدة مع روسيا وإيران، الى الحدود المفتوحة مع العراق ولبنان، تخفف من اثر الانهيار الاقتصادي المجتمعي؟
- لا ليست سوريا مهدّدة بالوصول إلى شفير الهاوية في المدى القصير أو المتوسط. ولن يتمّ التغيير بسبب الضغوط الاقتصادية، والسلطة القائمة ليست مستمرة فقط لأنّ هناك دولاً تدعمها.
وللمناسبة، ومع أنّني خبير في كثير من قضايا الاقتصاد السوري، امتنع عمداً عن التعليق على النواحي الاقتصادية. هذه المعركة هي معركة سياسية داخلية سورية من أجل "الحرية والكرامة"، ولا أرى مناسباً أن تستخدم جهات خارجيّة معلومات اقتصادية عن البلاد لتحوير الانتفاضة-الثورة في سوريا عن مسارها وأهدافها.


¶ قطع العلاقات من جانب تركيا، اي من البلدين يضر اقتصاديا؟
- الاثنان سيتضّرران اقتصادياً، خاصّة جنوب تركيا وشمال سوريا.


العقوبات


¶ ماذا عن العقوبات الغربية واثرها على المجتمع السوري؟
- لا أظنّ أن الحكومات الغربيّة تهتمّ حقّاً للديموقراطية أو لحقوق الشعوب العربية. إذ لم يكن للدكتاتوريات أن تستمرّ عشرات السنين دون دعمها. لها مصالحها، والحكم على عقوباتها هو بمقدار ما تخدم هذه المصالح أو الشعب السوري. هناك كثير من الدراسات توضح أن العقوبات الاقتصادية لم تؤدّ إلى تغيير أنظمة، بل إلى تحجّرها وإنهاك المجتمعات كي تتفسّخ. العقوبات الاقتصادية على العراق هي التي أدّت إلى تفسخ المجتمع العراقي، وجعله يرغب بالتحالف مع "الشيطان" فقط حتّى يخرج من الأزمة، ليتفجّر داخلياً بعد ذلك. والعقوبات الاقتصادية الشاملة التي تفرض على سوريا اليوم (على صادرات النفط أو المصرف المركزي، إلخ) لها المنحى نفسه.


إن منطق تدخل دول أجنبية في ثورات داخلية، حتّى عبر العقوبات، هو منطق غريب. كأن تطلب ثورة 1848 أو كومونة باريس مساعدة ألمانيا ضدّ السلطة القائمة في فرنسا حينها؛ وكأن تفرض سوريا حصاراً تجارياً على لبنان لفرض نجاح فريق سياسي. القمع يخلق احتقاناً، تنتج عنه أحياناً مطالبات داخلية بعقوبات شاملة أو حتّى بتدّخل أجنبيّ. هذا يأتي في لحظة غضب، ولكنّه لا يمثّل تطلّعات الشعب السوري.
الصبر ضروري، فقد انتصر الحراك الشعبي على السلطة وأثبت أنّ إرادته تفوق إرادة السلطة في البقاء، وأثبت أنّه سيبقى ثابتاً على قيمه السلمية المدنية الديموقراطية، ولا بدّ أن تأتي لحظة تحقّق التغيير. الصبر، الصبر.