Date: Nov 15, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
ليبيا تعيش "لحظات الحيرة" في فوضى ما بعد القذافي
بلحـاج رجـل المرحلـة وامتعاض أوروبي من النفوذ القطري

سوسن أبوظهر

في 31 تشرين الأول، أنهى حلف شمال الأطلسي مهمته، تاركاً ليبيا لندوب اقتتال أهلي وفوضى عارمة، فالسلاح في كل مكان والثأر سيد الأحكام والفتاوى تطلق يميناً ويساراً. غاب الحضور الدولي في منتصف الطريق، وبقيت قطر، تحصد التشكيك بقدر العرفان.
لا دولة بالمعنى الحقيقي تخلف النظام السابق. ذلك أن "المجلس الوطني الانتقالي" ليس كياناً متجانساً، والإعلام الغربي يشبهه بتحالف الشمال الأفغاني. وإذا بدت المقارنة بعيدة كالمسافة بين بنغازي وقندهار، فلنعد إلى حقبة هزيمة الاتحاد السوفياتي. في حينه تقاتل رفاق السلاح بعدما كانوا "حرروا" كابول آتين من أقاليم بعيدة، مثل طرابلس التي دخلها مقاتلو مصراتة والزنتان. ولنتذكر أن حلف

شمال الأطلسي كان ساند تحالف الشمال لإسقاط نظام "طالبان" بعد هجمات 11 أيلول 2001، قبل قيام حكومة حميد كرزاي التي صارت نموذجاً لسلطة هشة يخشى الليبيون مثلها.


تناحر الفصائل
في عاصمتهم الآن عشرات الآلاف من المسلحين، 25 ألفاً منهم يتبعون المجلس العسكري لطرابلس بقيادة عبدالحكيم بلحاج الذي قاتل في أفغانستان، وللآخرين مرجعيات أخرى مثل رئيس مجلس ثوار طرابلس عبدالله ناكر وقادة فصائل المدن.
وأقر الرئيس المستقيل للمكتب التنفيذي لـ"الانتقالي" محمود جبريل في حديثه أخيراً الى قناة "العربية" بفشله في إقامة غرفة أمنية موحدة لطرابلس تجمع السلاح، وأشار الى أن احتلال المؤسسات والفوضى الأمنية أعاقا فتح المدارس.


وفي أعنف قتال داخلي منذ مقتل العقيد معمر القذافي الشهر الماضي، سقط عشرة قتلى في معارك استمرت ثلاثة أيام في منطقة الماية على مسافة 27 كيلومتراً غرب طرابلس وانتهت أمس. ولكن لم تعرف بالضبط هويات المتواجهين، ثوار الزاوية ومسلحي قبائل وَرشَفانة المتصارعين على معسكر ضخم، أم أن النظام السابق بدأ هجوماً مضاداً، إذ نقلت مواقع الكترونية ليبية عن مقاتلي الزاوية أنهم يواجهون "جيشاً" يحمل اسم "جحفل الشهيد معمر القذافي" ويقوده نجله سيف الإسلام.
مهما يكن من أمر، ليس هذا حادثاً معزولاً. أربعة قتلى وسبعة جرحى سقطوا في 31 تشرين الأول في اشتباك دام ساعات بين مقاتلي الزنتان وطرابلسيين منعوهم من دخول المستشفى الرئيسي في العاصمة لتصفية جريح.


وفي اليوم عينه انتقدت منظمة "هيومان رايتس ووتش" تهجيراً جماعياً لـ30 ألف شخص من تاورغاء على أيدي مسلحي مصراتة المجاورة ثمناً لولائهم للقذافي.
ودارت مواجهات في ساحة الشهداء، الخضراء سابقاً، ومطار معيتيقة العسكري، وانتقد آمر كتيبة الزنتان مختار الأخضر "تجاوزات" ضباط عمليات قطريين. واحتجز مقاتلو مصراتة رجال أعمال للحصول على فدية. ولا ينكر محمد المهداني، أحد قادة ثوار الزنتان، أن رجاله غنموا قوارب سريعة وشاشات تلفزيون عملاقة، و... فيلاً من حديقة الحيوانات.
وفي 5 تشرين الثاني، حصل تبادل كثيف للنار في حي الأندلس الراقي طالب بعده أحد أعضاء "الانتقالي" برحيل "الزنتانيين". وثمة دعوات عبر "اليوتيوب" إلى "ثورة" في طرابلس على "الأجانب"، ويُقصد بهم أبناء الجبل الغربي، على رغم الدور الكبير الذي اضطلعوا به في فك الطوق عن الزاوية ثم دخول العاصمة. ويشكو هؤلاء، وخصوصاً البربر، من التهميش، بينما يبدو مقاتلو مصراتة على علاقة أفضل ببلحاج.


الصعود الإسلامي
وثمة جانب ديني للفوضى السائدة. تحدثت جريدة "عروس البحر" عن لجان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تهدد صالونات التجميل وقاعات الأعراس، واتهمت بلحاج بدعم فتاوى بإلزامية النقاب وتحريم عمل المرأة وقيادتها السيارة. وعزا رجل دين تأخر "النصر" على القذافي إلى سفور النساء، مع أنباء عن فرض للبرقع في بعض الأحياء. وشكا مثقفون من منع عودة المسارح ودور السينما والمعارض الفنية. ولوحت إدارة جامعة بنغازي بـ"إجراءات تأديبية" في حال جلوس طالب بجانب زميلة له... إلى تحطيم ضرائح لأولياء على أيدي "سلفيين" و"وهابيين".


تلك مظاهر تتفشى مستفيدة من واقع سياسي متغير. جبريل ابتعد أو أبعد لأسباب منها اعتراضه على ما سماه "انحياز قطر إلى فئة"، في إشارة واضحة إلى بلحاج الذي حصل منها على أسلحة وأجهزة اتصالات. وتخلى المندوب الليبي لدى الأمم المتحدة عبدالرحمن شلقم عن اللياقة الديبلوماسية، مهاجماً "جنون العظمة" في الدوحة، ومؤكداً أن "ليبيا لن تكون إمارة تابعة لأمير المؤمنين".


ولا يستبعد صحافي أسوجي غطى الثورة أن يكون غياب جبريل عن إعلان التحرير اعتراضاً على ذكر الشريعة في خطاب رئيس "الانتقالي" مصطفى عبدالجليل بضغط من بلحاج كما قيل. ويضيف لـ"النهار" أن التيار السلفي بعث بإشارات عن قوته، بينها تصفية القائد العسكري عبدالفتاح يونس، وعرض جثة القذافي والتباطؤ في دفنه. وهي رسائل، في رأيه، تستهدف الخارج. ويشرح أن بلحاج لم يدل بحديث الى أي مطبوعة، بما في ذلك صحيفته "ايكسبريسن"، قبل السؤال عن توزيعها وقرائها. ويقول إن انطباعه عنه أنه شخص يعرف جيداً ما يريد ولا يفصح عنه.
وورد في تحليل لوكالة "رويترز" الجمعة أن "البدلة (المدنية) التي ارتداها الزعيم الإسلامي قالت كل شيء حتى لو كان الرجل متحفظاً في الكلام عن طموحاته الشخصية"، وسط أنباء عن رغبته في حقيبة الدفاع.


أي مستقبل؟
ومع صعود بلحاج، نقلت "ليبراسيون" عن ديبلوماسي أوروبي في طرابلس أن على الدوحة وقف التدخل في الشؤون الليبية، وتحدثت "الموند" عن امتعاض فرنسي.
غير أن ثمة من يعتقد أن الإمارة تمارس دور الولايات المتحدة بالوكالة. ويسترعي الانتباه ارتياح مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان إلى "المسار الوسطي" الذي تنتهجه ليبيا.


مع ذلك، من المبكر الجزم بتطور الأمور مع خروج شعب بكامله من ظلام قبضة القذافي. و"بلوغ النور سيتم بعد انحرافات ولحظات من الحيرة"، على ما يتوقع الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي، عراب "الانتقالي" وعملية حلف شمال الأطلسي. لنتذكر أن إطاحة "طالبان" في 2001 استغرقت شهرين، وأفغانستان في تخبط مستمر، ونظام صدام حسين سقط في 30 يوماً عام 2003 والعراق لم يستقر بعد.
وخلفاً للقذافي الذي اختزل الدولة بشخصه، لا ريب في إسلامية النظام المقبل. لكن أي نموذج يتبنى، التركي الأكثر شعبية في المنطقة وأميركا، أم التونسي الجديد والمصري المتوقع. أم يتأثر بالسودان الذي شارك في تسليح الثوار أم... بالتجربة الأفغانية التي خاضها بلحاج وآخرون؟