|
القاهرة - أمينة خيري هو جدير بالفعل أن يدخل ويتربع على عرش موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية، ليس بالضرورة من مدخل الكم ولكن من بوابة الكيف. تكتيك فعاليات التظاهر وتفاصيل لوجستيات الاعتصام وإجراءات الإسعاف وخطوات التأمين وتحضيرات الأكل والتموين، أقل ما يمكن أن توصف به هو البراعة والاقتدار. أحداث ميدان التحرير المشتعلة لليوم الرابع على التوالي لم تلفت أنظار العالم إلى خطورة الوضع السياسي أو تأزم الحال الأمنية في مصر فحسب، لكنها محط اهتمام وتقدير بسبب الصور المنقولة التي لا تعكس فقط مقداراً هائلاً من العنف والقتل والإصابة، ولكن الملايين تتابع على الهواء مباشرة كيف أوشك معتصمو التحرير ومتظاهروه أن يدخلوا مرحلة الاحتراف.
فما هي إلا دقائق من اشتعال الموقف حتى كان «دليل المتظاهر الذكي» يجري تعميمه في داخل الميدان الأشهر. وبين استرجاع دقيق لتعليمات «ثورة يناير» في كيفية مواجهة قنابل الغاز المسيل للدموع وتحديث لبيانات التعامل مع الطلقات المطاطية، كان الدليل أشبه بمراجعة ليلة الامتحان لكل من توجه أو ينوي التوجه إلى الميدان المحتدم. المثير هو أن الإجراءات الاحترازية السائدة في الميدان لا تقتصر على تعليمات التعامل مع الغاز المسيل وتفادي الطلقات والتعامل مع الجروح ومواجهة الكسور، لكنها امتدت لتشتمل على قدرات فائقة، ربما مبنية على خبرات مكتسبة من أيام الثورة ومليونيات تبعتها في التنبؤ بقدوم بلطجية بغرض إثارة الفزع والبلبلة أو توقع هجوم جديد لقوات الأمن.
حتى التوقعات باحتمال قطع الإنترنت ووسائل الاتصال تم تداول الخطوات المقترحة للتغلب عليها وإيجاد سبل تكنولوجية بديلة للتواصل وتداول الأخبار في داخل الميدان ومنه إلى خارجه. ومن خارج الميدان أيضاً تنهال شتى أنواع المساعدات والمؤن الطبية والتنظيمية التي بات الجميع يحفظ محتوياتها عن ظهر قلب، فإضافة إلى أسماء الأدوية والضمادات والخيوط الجراحية، يتم تداول حاجات التحرير من حبال لتخصيص طرقات خالية من المتظاهرين لتسيير سيارات الإسعاف المتوافدة لنقل المصابين، وأطباق بلاستيكية عميقة لملئها بالمياه بغرض غمس القنابل المسيلة للدموع فيها لإبطال مفعولها.
ابتكارات التحرير وحلوله الطارئة العبقرية لا تتوقف، فللمرة الأولى على مدى الأشهر التسعة الماضية التي اتسمت فيها شوارع القاهرة بظاهرة انتشار الدراجات النارية غير المرخصة والتي يقودها صبية يصفهم البعض أحياناً بـ «البلطجية»، تم تحوير هذه الدراجات الخارجة على القانون إلى دراجات إسعاف لسرعة نقل آلاف المصابين من أرض المعركة المتمركزة في شارع محمد محمود المتاخم للميدان إلى مقار مستشفيات التحرير الميدانية أو إلى أقرب سيارة إسعاف وذلك للتحايل على شدة الازدحام.
ورغم مأسوية الموقف وسقوط عشرات الشهداء وآلاف الجرحى، إلا أن الوضع في التحرير لا يخلو من بضع محاولات لرسم بسمات على الشفاة. وتداول المصريون نكتة عن قرب صدور بيان تنحي المجلس العسكري عن الحكم وتكليف الرئيس المخلوع حسني مبارك بإدارة شؤون البلاد، وتساؤل يوجهه أحدهم في ظل التشابه الكبير بين أحداث كانون الثاني (يناير) والأحداث الآنية عما إذا كان على المتظاهرين توقع ظهور الجمال مجدداً كما حدث في «موقعة الجمل»، أم أن الأبقار ستكون سيدة الموقف.
وظهرت نكتة أخرى تقول إن «الرجال توجهوا إلى التحرير تاركين الجماعة في البيت». ومعروف في مصر أن كلمة الجماعة يستخدمها البعض للإشارة إلى الزوجة والصغار، والإسقاط يهدف إلى انتقاد امتناع جماعة «الإخوان المسلمين» عن المشاركة في فعاليات الميدان تحسباً للخسائر والإصابات الخطيرة - السياسية والجسدية - التي قد تنجم عن ذلك. إصابة خطيرة تظهرها صورة متداولة على مختلف المواقع الإلكترونية لأحد أسود كوبري قصر النيل المتاخم للتحرير، وقد وضع عصابة طبية على أحدى عينيه، وذلك في إشارة للأعداد الهائلة من إصابات أعين الموجودين في الميدان والتي استهدفتها الطلقات بدقة بالغة.
غير أن أغرب المشاهد المصحوبة بمؤثرات صوتية في التحرير هو ذلك الإصرار العجيب المضحك المبكي في آن لبائع «غزل البنات» ليجول ببضاعته ذات اللون الزهري الصارخ أرجاء الميدان الملتهب، منادياً عليها بإطلاق بوقه الصغير ذي الصوت المميز رغم أنف الجميع. وبات بائع «غزل البنات» من أشهر شخصيات التحرير، إذ تراه ملايين البشر عبر شاشات التلفزيون من خلال العصا الطويلة التي يحملها وعليها بضاعته الشبيهة ببالون ضخم، فترى البالون الضخم يركض وسط الراكضين فراً من هجوم قوات الأمن تارة، ثم ترصد البالون نفسه مشاركاً في الدرع البشري حول «الصينية» العتيدة دفاعاً عنها، ثم تتبعه الأعين متجولاً في هدوء منادياً على «غزل البنات».
|