|
لم يلق تعهد رئيس المجلس الاعلى للقوات المسلحة المشير محمد حسين طنطاوي الثلثاء التعجيل في الانتقال الى حكم مدني وتسليم رئيس منتخب السلطة منتصف السنة المقبلة، استجابة في ميدان التحرير حيث تجددت الاشتباكات امس وسقط ثلاثة قتلى من الناشطين الشباب الذين يريدون رحيل المجلس فورا ووقف العنف ومحاسبة المسؤولين عنه.
مع ارتفاع عدد قتلى اعمال العنف المستمرة في القاهرة خصوصا منذ خمسة ايام الى 37، وعد المشير طنطاوي الثلثاء بانتخاب رئيس مدني في حزيران 2012، اي قبل الموعد الذي خطط له الجيش بستة اشهر على الاقل. كذلك، وعد بحكومة انقاذ وطني تحل محل حكومة رئيس الوزراء عصام شرف التي قدمت استقالتها الاثنين والتي تتولى تصريف الاعمال.
الا أن الحشود في ميدان التحرير في القاهرة ردت عليه بهتافات: "ارحل... ارحل" و"الشعب يريد إسقاط المشير". وكان الجيش تعهد في البداية العودة الى ثكنه في غضون ستة اشهر من تاريخ تنحي الرئيس حسني مبارك. لكن إحجامه لاحقاً عن التنازل عن السلطة أذكى مشاعر الاستياء بين المصريين الذين يخشون ألا تغير ثورتهم شيئا.
وعاد طنطاوي، الذي كان وزيراً للدفاع في ظل النظام السابق طوال 20 سنة، وعدل الجدول الزمني بعدما التقى قادة الجيش القوى السياسية، بمن فيها قادة جماعة "الاخوان المسلمين" الحريصة على تحويل الجهود التي بذلتها على مستوى القاعدة طوال عقود، مكاسب انتخابية. وفي خطابه الثلثاء، أكد أن الانتخابات النيابية الاولى الحرة تشهدها مصر منذ عقود ستبدأ الاثنين كما هو مقرر. ولن تكتمل انتخابات مجلسي الشعب والشورى الا في آذار 2012 في إطار عملية معقدة. ويختار البرلمان بعد ذلك جمعية تأسيسية تضع الدستور الجديد، وهي عملية يحرص "الاخوان" ومنافسوهم على التأثير عليها.
استفتاء وأغضب طنطاوي كثيراً من المتظاهرين الشباب في ميدان التحرير بوسط القاهرة ومدن أخرى، حين اقترح إجراء استفتاء على ما اذا كان يجب إنهاء الحكم العسكري قبل الموعد المحدد، اذ اعتبروه حيلة لاستقطاب الكثير من المصريين الذين يخشون مزيداً من الاضطرابات. وأجري استفتاء على تعديلات دستورية أدخلها المجلس العسكري وحظيت بنسبة تأييد 77 في المئة من الناخبين في نيسان، إذ كان قادة الجيش يتمتعون بشعبية اوسع نطاقاً لمساعدتهم في اطاحة مبارك. وقال محمد رشيد (62 سنة) وهو بائع في متجر للمجوهرات في القاهرة: "يجب أن ننتظر ونصبر على حكم الجيش. يجب الا نجري استفتاء... هذه مضيعة للوقت... اذا أنصتنا اليهم نصير مثل لبنان".
مواجهات وتشهد شوارع في محيط مبنى وزارة الداخلية القريبة من ميدان التحرير من وقت الى آخر مواجهات بين المحتجين وشرطة مكافحة الشغب التي ترد على رشقها بالحجار بقنابل الغاز المسيل للدموع وطلقات الخرطوش والرصاص المطاط. وقال طارق زكي (32 سنة) وهو صانع اثاث: "مع بزوغ الفجر، بدأوا إطلاق الرصاص لأنهم كانوا يستطيعون رؤيتنا". وتنفي الشرطة استخدام الذخيرة الحية، لكن مسعفين يقولون إن معظم القتلى وعددهم 37 خلال أعمال العنف المستمرة منذ خمسة ايام أصيبوا بعيارات نارية. وتناثرت في الشوارع كمامات الجراحة التي يستخدمها المحتجون لمواجهة الغاز المسيل للدموع. ونقلت سيارات الاسعاف المصابين.
وفي ميدان التحرير، حيث اعتصم مئات المحتجين ليلا في خيم او في العراء، جمع الناس القمامة في اكوام صغيرة او احرقوها، ووزع آخرون الطعام. وقال عبد الله جلال (28 سنة) وهو مدير مبيعات بشركة للكومبيوتر: "سنبقى هنا الى أن يرحل المشير ويتولى الحكم مجلس انتقالي من الشعب... هناك الكثير من الفيروسات في النظام. يجب تنظيفه تماما... نحتاج الى تغيير النظام مثلما حدث في تونس وليبيا".
"الاخوان" وأحزاب أخرى ويبدو أن جماعة "الاخوان المسلمين" التي ساهمت في تنظيم احتجاج كبير الجمعة من غير أن تشارك في التظاهرات التي تلته، مستعدة لتسوية مع الجيش لضمان وضع قوي لنفسها في البرلمان الجديد. كذلك، شاركت أحزاب اسلامية وليبرالية أخرى، إضافة الى ثلاثة من اكثر من عشرة مرشحين محتملين للرئاسة، في محادثات الأزمة التي أجريت الثلثاء مع رئيس أركان القوات المسلحة الفريق سامي عنان.
الا أن عدداً كبيراً من الشخصيات السياسية المصرية اعتبر خطاب المشير غير كاف. وقال رئيس الحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي (يسار وسط ليبرالي) محمد أبو الغار الذي شارك في الاجتماع مع عنان أن نتائج الاجتماع على ارض الواقع كانت "كارثية"، مشيرا الى انه كان يتوقع ان يقدم المشير طنطاوي في خطابه "اعتذارا صريحا للمصريين جميعا" عن القتلى الذين سقطوا برصاص قوى الامن "قبل اي شيء". وقال الروائي علاء الاسواني القريب من الناشطين الشباب والذي يعد الاكثر تعبيرا عن مواقفهم السياسية: "قبل كل شيء يجب ان يتوقف القتل"، ذلك ان خطاب طنطاوي لا فائدة منه ما استمرت قوات الشرطة في قمع المتظاهرين.
وجاء في صفحة خالد سعيد على الانترنت، التي اضطلعت بدور محوري في الدعوة الى "ثورة 25 يناير" على مبارك: "اعتقدنا بعد الثورة أن الدم المصري حرام .. وإن الداخلية هتتغير.. وإن مبارك بشخصه وفكره رحل.. بس فوجئنا أن الدم المصري لسه حلال.. وأن الداخلية لم تتغير وأضيف إليها الشرطة العسكرية.. وأن مبارك بشخصه رحل ومبارك بفكره لسه بيحكمنا". ولم تقتصر حركة الاحتجاج على ميدان التحرير في القاهرة، بل امتدت الى مناطق عدة وشهدت الاسكندرية تظاهرات كبيرة، وكذلك الاسماعيلية والسويس وبور سعيد، ومحافظات قنا واسيوط واسوان في صعيد مصر ومحافظة الدقهلية في دلتا النيل.
نبض الشارع وكان عشرات الآلاف لبوا عصر الثلثاء نداء الناشطين الشباب، الذين سبق لهم ان اطلقوا الدعوة الى "ثورة 25 يناير" للمشاركة في مليونية "الانقاذ الوطني" وظلوا يرددون ساعات هتافات تطالب بـ"اسقاط المشير". وعكست الصحف المصرية الصادرة الاربعاء نبض الشارع.
وقالت صحيفة "الاخبار" الحكومية في عنوانها الرئيسي: "ثورة ثانية". وكتبت "الاهرام": "كلما طالت الفترة الانتقالية كلما تعمقت ازمة الثقة بين الجانبين"، في اشارة الى الجيش والمتظاهرين. واعتبر المحلل السياسي حسن نافعة في افتتاحية كتبها في صحيفة "المصري اليوم" أن "المجلس (العسكري) هو المشكلة لا الحل".
ودعا شيخ الازهر احمد الطيب في تسجيل صوتي بثه التلفزيون المصري الرسمي "قادة الشرطة المصرية الى ان يصدروا اوامرهم بوقف توجيه السلاح الى صدور اخوانهم" المتظاهرين. كذلك، حض "القوات المسلحة على الحؤول دون اي مواجهة بين ابناء الشعب الواحد" و"ابناءنا في ميدان التحرير على ان يحافظوا على الطابع السلمي لثورتهم مهما بذلوا من تضحيات".
انتقادات دولية وبدأت تتزايد الانتقادات الدولية للمجلس العسكري الذي يدير البلاد مع ارتفاع عدد القتلى والجرحى. ونددت به الامم المتحدة بقوة. وذهبت المفوضة السامية للامم المتحدة لحقوق الانسان نافي بيلاي الى المطالبة بتحقيق مستقل في العنف الدائر في مصر، مبدية أسفها لقتل الجيش وقوى الأمن محتجين. وجاء في بيان لها: "أحض السلطات المصرية على إنهاء الاستخدام المفرط الواضح للقوة ضد المحتجين في ميدان التحرير وفي أماكن أخرى من البلاد، بما في ذلك الاستخدام الخاطئ للغاز المسيل للدموع والرصاص المطاط والذخيرة الحية... ممارسات الجيش وقوى الأمن بدل أن تحسن الوضع الأمني وتساعد مصر على الانتقال الصعب إلى الديموقراطية ساعدت مرة أخرى على زيادة الوضع اشتعالا". وحضت المانيا على الانتقال فوراً الى حكم مدني.
وناشدت منظمة "هيومان رايتس ووتش" الجيش أن "يصدر أوامره فوراً الى شرطة مكافحة الشغب لوقف استخدام القوة المفرطة ضد المحتجين". كما اتهمت "منظمة العفو الدولية" الجيش بالوحشية التي تتجاوز في بعض الاحيان ما كان يحدث في عهد مبارك. وأثر الاضطراب السياسي على الوضع الاقتصادي لمصر. وانخفض الاحتياط من النقد الأجنبي الى 22 مليار دولار في تشرين الاول بعدما كان 36 ملياراً في كانون الاول 2010 قبل نشوب الثورة.
إسرائيل وتراهن اسرائيل على طنطاوي في تفادي وقوع مصر في "الفوضى" والمحافظة على اتفاق السلام بين البلدين، حتى لو تولى "الاخوان" السلطة بعد الانتخابات. و ص ف، رويترز، أ ب
|