Date: Nov 30, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
البحرين تراجع نفسها متطلعة إلى ما بعد تقصّي الحقائق
ولي العهد نقطة التقاء للأضداد في موازاة النقمة على الحكومة

سوسن أبو ظهر

بعدما تناسى الإعلام "ثورة اللؤلؤ"، كما يسميها أبناؤها، وجب على المعارضين قبل الموالين في البحرين شكر اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق لإعادتها البلاد إلى دائرة الضوء، وتقديمها معالم خريطة طريق للمرحلة المقبلة التي يعول فيها على ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة. بات على الجميع وقف لوم أطراف خارجيين، إيرانيين أو سعوديين، والتعامل مع واقع ينوء بتراكمات متفجرة سبقت "الربيع العربي" بسنوات.

 

عشرات مسيرات التشييع بالأكفان، حرق دواليب وقطع طرق، إضرابات وسلاسل بشرية، تسريح بضعة آلاف من وظائفهم، تدمير مراكز دينية، توقيفات وتعذيب وأحكام قضائية قاسية في حق معارضين سُنة وشيعة. هذه بعض يوميات الناشطين البحرينيين. وكان دخول 1200 جندي سعودي و500 جندي إماراتي البلاد في 14 آذار نقطة فاصلة، دُمر بعدها بأربعة أيام "دوار اللؤلؤة". وقيل إن 90 ضابطاً أردنياً يخدمون في الشرطة أعيدوا إلى بلادهم لإفراطهم في استخدام القوة مع معتقلين.


المعارضة تصعد مطالبها
وفي حين طالبت جمعية الوفاق الوطني الإسلامية، التي تمثل التيار الشيعي الرئيسي، بملكية دستورية وحكومة منتخبة، ذهبت حركة حق التي أسسها عام 2005 حسن مشيمع بعد انشقاقه عن "الوفاق" إلى الدعوة إلى تغيير جذري. وهي شكلت مع اتحاد الوفاء الإسلامي وحركة أحرار البحرين ما سمي "التحالف من أجل الجمهورية" المنادي بإلغاء الملكية.


وأكد نائب رئيس "جمعية العمل الوطني الديموقراطي - وعد" الليبرالية رضا الموسوي لـ"النهار" أن معظم البحرينيين يؤيدون الملكية، وفق دستور جديد ينطلق من ميثاق العمل الوطني الذي تبناه استفتاء شعبي في 14 شباط 2001، واختيرت ذكراه العاشرة موعداً لبدء الثورة. وأضاف أن الدعوات التي تملأ موقعي "فايسبوك" و"تويتر" لإطاحة النظام، "متطرفة ولا صدى لها والمعارضة برمتها غير معنية بها". وكان رجل الدين السني عبداللطيف المحمود، الذي نظم تظاهرات موالية للحكومة في مسجد الفاتح بالمنامة وقيل إنه سيكون رئيساً لمجلس النواب سنة 2014، أثار لغطاً كبيراً حين دعا عبر صحيفة "الواشنطن تايمس" رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة إلى التنحي. وذهب إلى اعتبار أن الدستور لم يحدد مذهب متولّي المنصب أو انتماءه إلى الأسرة الحاكمة.


ولدى سؤال الموسوي عن الأمر، أجاب أن تقرير لجنة تقصي الحقائق تحدث بإسهاب عن التعذيب المتعمد، وتالياً "من الطبيعي أن تحكم الآن وجوه جديدة لاستحالة بقاء منتهكي القانون. لا بد إذاً من إقالة الحكومة للإتيان بأخرى تقنع المواطنين، ولو بالحد الأدنى". وعند استيضاحه هل يقصد رئيساً جديداً للوزراء، أجاب بحزم: "نعم، نمر بحقبة انتقالية تتطلب حلولاً جذرية لتجنيب البلاد أزمة مستعصية كل عقد من الزمن". وهل يمكن الأسرة الحاكمة التخلي عن الشيخ خليفة؟ أجاب: "البلاد ومصلحتها أكبر من الجميع. آن الأوان، فليسترح". ولكن من هو البديل؟ قال بثقة: "ولي العهد يمكنه تولي رئاسة الوزراء في المرحلة الانتقالية"، بعدما "قُوضت مبادرته بالحل العسكري الخارجي بعد ساعات من إطلاقها"، وفيها إنشاء برلمان ذي سلطات تشريعية وتأليف حكومة تمثيلية وتعديل تقسيم الدوائر الانتخابية لتصحيح التمثيل الشيعي.


لم يفت الأوان، في رأي الموسوي، فـ"هناك متسع لمصالحة جدية انطلاقاً من تلك المبادرة، شرط أن تصدق النيات لحوار وطني حقيقي لا لحفل للعلاقات العامة. والتقرير يوفر فرصة تاريخية للجانبين، وتوافقاً بالحد الأدنى لتجاوز الانتهاكات وبدء مرحلة العدالة للانتقال من الدولة الأمنية إلى الدولة المدنية".


كذلك يعبر وزير العمل السابق مجيد العلوي لـ"النهار" عن ثقته بـ"تجاوزنا موحدين الأوقات الرهيبة التي مررنا بها لإخراج البحرين من أزمتها". ويقترح خطوتين: إشراك منظمات دولية في تنفيذ الشق القانوني من توصيات التقرير "الأسود الحزين"، وخصوصاً من حيث المحاسبة الجدية لمرتبكي الانتهاكات التي "يندى لها الجبين"، ومعاودة الحوار، و"لا ريب في أن لولي العهد دوراً طليعياً في ذلك".


حمائم وصقور؟
وفي المقابل، تتكرّر تقارير غربية عن حمائم وصقور في الأسرة الحاكمة، آخرها في "النيويورك تايمس" التي نقلت عن مستشار العلاقات الدولية في هيئة الإعلام الشيخ عبدالعزيز بن مبارك آل خليفة أن الأمير سلمان "اختبر أسلوبه ولم يفلح"، و"الغارديان" التي رأت أن موازين القوى تتأرجح باستمرار في العائلة المالكة.
وقبل شهرين، تحدثت "الانديبندنت" عن جناح متشدد يقوده قائد قوة دفاع البحرين المشير الركن خليفة بن أحمد آل خليفة لـ"تهميش" ولي العهد وحماية رئيس الوزراء. وتنقل "الدايلي تلغراف" عن ديبلوماسي غربي أن سعي الأمير الى تسوية سياسية منصفة للمعارضة قسّم الحكم فاضطرت السعودية الى التدخل. وتشير مجلة "فورين أفيرز" إلى أن الإدارة الأميركية تخلت سريعاً عن التلويح بنقل الأسطول الخامس للضغط على الشيخ خليفة ليتنحّى، في مقايضة مع الرياض للدعم الخليجي لمنطقة حظر الطيران فوق ليبيا.


على تلك الخلفية، أقر العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة في 19 نيسان في "الواشنطن تايمس" بشرعية مطالب مواطنيه بحقوق مدنية وسياسية، وبالشرخ الذي خلفه الانقسام المذهبي، متحدثاً عن ضرورة الموازنة بين الاستقرار والإصلاح التدريجي. وإذ تبنى تقرير لجنة تقصي الحقائق، وعد بإصلاحات ترضي "أطياف المجتمع كافة". وأمس أبدل رئيس جهاز الأمن الوطني الشيخ خليفة بن عبدالله آل خليفة بعادل بن خليفة الفاضل في إطار إصلاحات لعمل الشرطة.
وفي تعليقه الأول على التقرير، بدا ولي العهد، الذي يحظى بثقة الولايات المتحدة وبريطانيا، مدركاً جسامة المهمة الملقاة على عاتقه. فهو دعا إلى تحقيق المصالحة "الآن"، وتساءل قلقاً: "ألا تزال القدرة على المسامحة موجودة؟ هذا ما يقلقني"، إذ "إما نخسر جميعاً وإما نربح جميعاً"...