Date: Jan 19, 2012
Source: جريدة الحياة
في الذكرى الأولى للانتفاضة المصرية «سكوت هانثورة»

القاهرة - أمينة خيري
المليونية المقبلة ليست ككل المليونيات، فلا هي للمطالبة بالقصاص للشهداء، ولا للتعجيل بالمحاكمات، أو لاستعادة الأموال المنهوبة، أو حتى لإقالة الحكومة، أو إطاحة المجلس العسكري، بل هي مليونية تنكرية سيشارك فيها المصريون على النحو الآتي: «الثوار يلبسوا جيش ويضربوا المتظاهرين، الجيش يلبس أمن مركزي ويضرب الثوار، الأمن المركزي يلبس بلطجية ويضرب الجيش، ومصر تلبس في الحائط وتضرب نفسها على فعلتها».


المليونية التنكرية المدعو إليها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليست مجرد طرفة في خضم الأوضاع المقلوبة والأحداث المغلوطة والمعلومات الملتبسة التي يعيشها المصريون المصابون بالإحباط، لكنها تعكس في طياتها الجو السياسي العام الذي يمكن وصفه بـ «الفوضى العارمة».


وعلى رغم العودة الواضحة للأمن في الشارع المصري، إلا أن الشارع السياسي وما يرتبط به من تيارات وجماعات وائتلافات وتخطيطات ثورية وغير ثورية هذه الأيام أبعد ما يكون عن الوضوح، وأقرب ما يكون إلى الفوضى والغموض. هذا الغموض انعكس بدوره على روح الدعابة التي ميزت كل خطوة من خطوات ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011، لكن هذه المرة تبدو علامات الإحباط وأمارات التخبط واضحة حتى في الدعابة.


فعلى عكس اعتقاد من شاهدوا مقاطع على «يوتيوب» صورت مراحل إحراق المجمع العلمي لحظة بلحظة بأن الجناة معروفون، لا يزال الجاني مجهولاً. وهناك من قال مداعباً بأن «الذي أشعل النيران في المجمع ضباط يرتدون ملابس بلطجية، ومن أحرق الوزارة ضباط يرتدون ألتراس، ومن اقتحم السفارة ضباط يرتدون ملابس ثوار، وأن سيارات الأمن المركزي التي احترقت ليست سيارات بل ضباط يرتدون سيارات، وما أشعل النيران في حديقة الأورمان ليست زجاجات مولوتوف، بل ضباط يرتدون زجاجات مولوتوف، ومن أصاب جنود الأمن المركزي هم زملاؤهم ويرتدون ملابس بلطجية».


ولأن الدعابة تأتي في مصر على كل شكل ولون، فمنها المسف المعتمد على البذاءة، ومنها العلمي المعتمد على البحث المنطقي والتحليل الاستراتيجي، فقد خرج آخر برسم بياني تحت عنوان «هل المجلس العسكري متورط في تدبير الأحداث؟» وتقودك الإجابة بـ «لا» إلى «إذن هل الشعب يعرف من المتورط؟»، فإذا كانت الإجابة بـ «نعم»، يأتي السؤال المنطقي: «هل هم أطراف خارجية أم أشاكيف (مخلوقات خرافية) مخيفة أم سكان (سجن) طرة أم أصابع خفية أم أطراف لوذعية أم فلول ذرية؟»، فإذا كانت الإجابة «نعم»، فالسؤال «لماذا يتركهم المجلس العسكري والحكومة يعيثون في الأرض فساداً؟ هل لأنهم لا يقوون عليهم أم لأنهم موافقون على ما يقومون به؟»، وفي كلتا الحالتين النتيجة هي «يانهار أسود». أما إذا كانت الإجابة من الأصل على سؤال «من المتورط في الأحداث؟» هي «لا أحد يعلم»، فإن المحصلة النهائية أيضاً هي «يانهار أسود»!


لكن ما يخفف من حدة «سواد النهار» هو أن أيديولوجيات التيارات والأحزاب السياسية التي ظهرت على السطح باتت معروفة وغير قابلة للتمويه والتنكر. ويقال إن مجموعة من التيارات السياسية مرت بفتاة تغرق، السلفي رفض أن يمد يده لأنه متوضئ، في حين أصر عضو جماعة «الإخوان المسلمين» أن يعود لطلب استئذان المرشد قبل إنقاذها، في حين سارع شاب من «حركة 6 أبريل» إلى عمل وقفة صامتة، ونصحها الليبرالي بأن تخلع ملابسها حتى تكون خفيفة وتقب على سطح المياه.


في الوقت نفسه، دمعت عينا رئيس الوزراء الدكتور كمال الجنزوري وهو يعلل بطء الحكومة في إنقاذها بأن الجهات المختصة لم ترسل العوامة اللازمة، وتساءل المجلس الاستشاري: هل لو ماتت تكون غريقة أم شهيدة لإبلاغ المجلس القومي لضحايا الثورة ومصابيها؟ أما المجلس العسكري فشكّل لجنة تقصي حقائق لمعرفة الطرف الثالث الذي دفعها في المياه، وتساءل حزب الكنبة مشككاً في أخلاقيات الفتاة ونواياها وعما جعلها تذهب صوب المياه أصلاً؟ وتتراوح نهاية القصة بين نهاية ثورية تؤكد أن أحد الثوار الشرفاء قفز في المياه لإنقاذها، في حين تشير النهاية الشعبية إلى أن الفتاة «ماتت كما يموت غيرها، والله يرحمها».


وسواء أنقذ الثائر الفتاة أم غرقت ودعا لها الناس بالرحمة، فإن السيناريو الجاري هذه الأيام يبدو متطابقاً وقرينه الذي دارت رحاه قبل عام بالتمام والكمال. ويقال إن المخرج يصرخ هذه الأيام بعلو صوته: «هيا يا أساتذة! جاهزين! كاميرا 1 عَلى الكورنيـش والمحبين! المتظاهرون في أماكنهم. تأكدوا من زاوية الشاب الواقف أمام المدرعة! تأكدوا أنها مليئة بالمياه! الداخلية عارفة متى تختفي؟ يعني إيه ماعندناش قناصة؟ آه هذا وزير الداخلية يراجع دوره!... ضباط الجيش جاهزون ببياناتهم؟ الجمال والخيول تعرف متى تهجم على الميدان؟ الجنزوري حفظ الخطاب الأخير وصبغ شعره؟ شوفولنا من سيقف وراءه أثناء إلقاء البيان! سكوووت! هانثورة!».