Date: Jan 22, 2012
Source: جريدة النهار اللبنانية
الحماوة الانتخابية تطغى على الكويت والحملات في كل مكان

الكويت - سوسن أبوظهر
على رغم عطلة نهاية الأسبوع وبرودة الطقس التي فاقت معدلاتها السنوية، فإن الحماوة الانتخابية تسيطر على الكويت، قبل أقل من أسبوعين من انتخابات مجلس الأمة الذي يحمل الرقم 14، وهي الأولى لا تجري في ظل حكومة يترأسها الشيخ ناصر المحمد الصباح، وفي توقيت حساس داخلياً بعد تتابع الأزمات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وفي مناخ إقليمي يتصاعد فيه التوتر.


كل العناوين مطروحة في الحملات الانتخابية، والاصطفافات السياسية التي تزداد حدة تذكر المرء بالانقسامات اللبنانية. هنا أيضاً يبرز خطاب "هم" و"نحن"، ويقول الجميع إن هدفهم "الديرة"، البلد. الكويت في خطر، كل شيء مجمد، يجمعون على إطلاق تلك الصرخة والتأكيد ان كويتهم أهم من أي مسؤول أو مجلس أو مقعد سياسي. يحذرون من أن الاستقرار مهدد في ظل الأجندات الخارجية. وثمة قلق من الفوضى بعدما خرجت الممارسة البرلمانية في الإمارة عن تقاليدها باقتحام مجلس الأمة، وهناك تململ من حال عدم الثبات السياسي التي دفعت المواطنين إلى صناديق الاقتراع أربع مرات في خمس سنوات. وتغص الصحف بتقارير عن شراء أصوات ناخبين، وراج استخدام تعبير "القبيضة" بين المرشحين لانتقاد ممارسات خصومهم في هذا الشأن. كل هذا في الدوائر التي لم تحسم بعد خياراتها بينما صارت الأمور شبه منتهية في أخرى، إذ من المعلوم أن القبائل تعمد إلى تزكية مرشحين في ما بات يعرف بالانتخابات الفرعية التي تسبق عمليات الاقتراع الفعلية. ولأن الأمر محظور قانوناً، صار يسمى "تشاوريات".


أما الناخب فهمومه في اتجاه آخر. فرص عمل إضافية، ومكافحة الفساد، تحسين الرواتب والتصدي لغلاء الأسعار. والنساء لديهن المزيد من المطالب، الجنسية لأبناء الكويتيات من أجانب، تحسين مستوى التعليم ومراقبة أداء المدرسين الخصوصيين، وتطبيق قانون الإسكان، خصوصاً ما يتعلق منه بالأرامل والمطلقات والعازبات.


شبح "الربيع العربي"
إلى الصحف والإطلالات التلفزيونية واللقاءات اليومية المباشرة مع أبناء الدائرة الانتخابية ومن يرغب من المواطنين، تخاض الحملات في الفضاء الافتراضي أيضاً، عبر صفحات "تويتر" و"فايسبوك". وفيها اتهامات ومدائح، سخرية وتهكم، حماوة وحماسة.
وثمة عامل أساسي آخر لا يمكن إنكاره. الواقع الجديد في العالم العربي، "الربيع العربي"، يحدثونك عنه كشبح، لكنه حاضر، وبقوة. إنه محور الاهتمام. فبين الصحافيين الموجودين في البلاد، يستحوذ أي زميل مصري على الأنظار كلها، يسأله الجميع عن حال الثورة و"الاخوان المسلمين" والسلفيين والصوفيين. أما الآتي من البحرين فيروي أن الوضع أفضل بقليل عن شهري شباط وآذار الماضيين، لكن قوله إن الإصلاح يتطلب أكثر من مجرد النيات الحسنة، يوحي بأنه يتوقع مخاضاً طويلاً في بلاده. ويتابع الأردني باهتمام الأزمة في سوريا، ولا أحد، مهما ادعى البراعة في التحليل، يقدم رؤية لما ستؤول إليه الأمور هناك.


إذاً ارتبط ذكر "الربيع العربي" باللااستقرار، وهذا ما يخشاه الكويتي الذي سئم السقوط المستمر للحكومات والعودة المتكررة إلى صناديق الاقتراع. والصحف تفرد الصفحات لما ستؤول إليه الأمور إذا اشتعلت المنطقة. لذا ليس مستغرباً أن يسأل مرشح ناخبيه :"هل تريدون أن تكونوا مثل تونس أو سوريا والبحرين؟"، ولا أن يشدد آخر على مدنية النظام بينما "يريدون (المنافسون) حُكماً إسلامياً"، ولا أن ينبري كثيرون للدفاع عن الدستور في وجه تزايد المطالبات بتعديله، وإن يكن لأسباب ديموغرافية وداخلية بحتة باعتباره صادراً عام 1962.


المرشح للمجلس عن الدائرة الثانية سلمان صالح العطار الذي جلست "النهار" بين أنصاره رفع السقف عالياً. اعتبر أن مقتحمي المجلس من نواب المعارضة أرادوا إسقاط المادة 56 من الدستور الخاصة باختيار رئيس الوزراء. قال :"يحاولون إغراءنا بالملكية الدستورية. الأمير يصير ملكاً، ويقفزون لإدارة البلاد... لو راحت الكويت، كل شي حلو راح. هم مقصدهم مو زين (غير جيد)". وشن هجوماً لاذعاً على "الملتحين" بالقول: "الإخوان المسلمون سيطروا على الحكم في تونس وليبيا ومصر، وقريباً في سوريا. هم آتون إلينا. لكننا سنتصدى لهم. كلنا مسلمون، ليوقفوا المزايدات الدينية".


مخاوف على التمثيل النسائي
أما النائبة في المجلس المنحل رلى دشتي، المرشحة عن الدائرة الثالثة، فتركز كلامها على الشق الإنمائي والرعاية الصحية ووجوب تأمين فرص العمل للمتخرجين الشباب.
الخطاب الاقتصادي يغري الناخبين، فها هي امرأة تنشد عملاً لابنها، وها هن أخريات يتحدثن عن قضية الإسكان للنساء، وتصرخ ثالثة :"شبعنا فلوس، نبي (نريد) دولة"، فتحصد التصفيق.
وتتطرق دشتي إلى الحملات السياسية على القضاء، خصوصاً في ظل شطب ترشيحات سياسيين بارزين، بينهم نواب ارتبط اسمهم باقتحام المجلس وفي قضية ما يسمى "الإيداعات المليونية"، في إشارة إلى حسابات مالية كبيرة لسياسيين ثارت تساؤلات حول مصدرها، واستدعي بعضهم للتحقيق.


وإذ قالت ناخبة: "لا نريد الربيع العربي، نريد ربيع الكويت. شوفوا مصر وتونس وسوريا"، حملنا السؤال إلى دشتي. قالت إن هناك أجندات مشبوهة لبعض رموز المعارضة، وإن الثورات لم تصل إلى الخليج. ماذا عن البحرين، فتجيبنا أن ما يحدث هناك يحمل طابعاً معيشياً، محذرة من محاولة "البعض" دخول منطقة الخليج من البوابة الكويتية. هل تقصدين إيران، فترد: "هناك دول كثيرة تريد ذلك".


ونسألها هل هناك "ربيع خليجي" أو "كويتي"، تجيب إن "النظام الديموقراطي لم يكن ممَارَساً في بلدان الربيع العربي، وإن وجدت فيها برلمانات. أضف أن الواقع المعيشي كان متدنياً فانعدمت الطبقة الوسطى. والشرارة هناك كانت سهلة، لا بل إنها تأخرت عشر سنين على الأقل. أما في الكويت فإن المطالب بالإصلاحات تشهد كراً وفراً على الدوام". وماذا عن المطالب بحكومة منتخبة، تشرح أن الأمر يتطلب تعديلاً دستورياً، و"معظم الكويتيين، في هذا الوقت بالذات، يدركون أن تبديل النصوص الأساسية لا يتم في ظروف حساسة، بل يستوجب هدوءاً سياسياً واقتصادياً، بينما البلاد تشهد حالياً تشنجات. الكويت على المحك".


وتنتقد بإسهاب استخدام الدين لغايات سياسية بينها إقصاء النساء، مشددة: "نحن مواطنات ولدينا دور في الشأن العام". وخلافاً لاستطلاعات الرأي التي توقعت أن تخرج النساء من الانتخابات الخاسر الأكبر بعد فوز تاريخي حمل أربع نائبات، إحداهن دشتي، إلى المجلس عام 2009، وعلى رغم تحذير مفكرين ليبراليين من خسارة "العصر الذهبي" للمرأة على خلفية تصاعد الأصولية الدينية وتراجع المناخ الشعبي المتبني للحقوق السياسية للنساء، فإن دشتي تحتفظ بتفاؤلها معولة على "وعي الشعب"، ذلك أن المسألة تتعلق بـ"استقرار البلد".
خطاب الاستقرار والمخاوف على البلاد يتكرر إذاً في الكويت المتمسكة بديموقراطيتها الفريدة في محيطها، وهي ديموقراطية رأى محللون أنها منعت عدوى "الربيع العربي"، لكنها لم تحقق الاستقرار السياسي والتنموي والاجتماعي، وهذا هو التحدي الأكبر.