Date: Mar 5, 2012
Source: جريدة النهار اللبنانية
"فورة الربيع السلفي" في اليمن تكتسب زخماً بعد تجربتي مصر والكويت
تأسيس أحزاب استعداداً لخوض الانتخابات النيابية سنة 2014

صنعاء – أبو بكر عبدالله

كما حال تجارب أخرى للتيارات السلفية في بلدان الربيع العربي، أعلن سلفيو اليمن عن إطلاق نقاشات وترتيبات لتأسيس أحزاب سياسية من أكثر الحركات السلفية اليمنية على اختلاف مسمياتها وتوجهاتها والاستعداد لخوض الانتخابات النيابية المقررة سنة 2014، وسط مخاوف عبرت عنها أوساط سياسية يمنية من مخططات تقودها الرياض لإبتلاع الثورة الشبابية ومشروعها في بناء دولة مدنية عصرية طالما عدتها  التيارات السلفية مشاريع علمانية مستوردة تتعارض والشريعة الإسلامية بل تستهدف القضاء على  الدين الإسلامي.
ويأتي ذلك بعدما قطع كثير من الجماعات السلفية شوطا كبيرا في مشروعه للانخراط في العمل السياسي، اثر تجاهها   العام الماضي إلى تأسيس حركات سياسية ذات توجهات دينية سجلت خلال الاشهر الاخيرة حضورا واسعا في المشهد الثوري الشبابي اليمني.


وأشاع الحضور الذي سجلته التيارات السلفية في المشهد السياسي الثوري قلقا واسعا خصوصا أنها طالما ساندت نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح بناء على نظرية " الولاء والبراء " بل كانت تبرر له كل جرائمه وأخطائه في مقابل السماح بممارسة نشاطاتها بحرية كاملة بما في ذلك عقد الاجتماعات والمؤتمرات الكبيرة والتواصل مع المراجع الدينية السلفية في المملكة العربية السعودية وتلقي الدعم  المالي واللوجستي.


ويقول شبان الثورة أن التيارات السلفية كانت الى وقت قريب من أكثر التيارات الدينية التي ناهضت الثورة الشبابية في أسابيعها الأولى وأعلن بعضها "الولاء للنظام  والبراء من الثورة"، في سلسلة فتاوى أيدت بقاء النظام السابق وعدت الخروج عليه "محرما شرعا" قبل أن يعود بعضها لينخرط في صفوف شبان الثورة وفاعلياتهم اليومية، مستقطبين قطاعا واسعا من الشباب الذي وجد في هذه التيارات الدينية حلا مثاليا وسط ركام هائل من الخطاب التعبوي والإتهامي الذي يضع سائر القوى القومية واليسارية والليبرالية في سلة الفشل التاريخي.


وسجل أبرز ظهور للتيارات السلفية في ساحة التغيير بصنعاء من طريق "ائتلاف شباب التغيير الرائد"، الذي ضم عددا كبيراً من رموز التيارات السلفية وأنصارها وسجل حضورا قويا ومؤثرا في الكثير من الفعاليات التي نظمتها منفردة أو بالتنسيق مع الحركات والائتلافات الشبابية الثورية.
وفي موازاة ذلك، شهدت ساحات الاعتصام الشبابية في المحافظات فورة في تأسيس التيارات والحركات والإئتلافات السلفية ومنها " حركة شباب النهضة للتغيير " في عدن ولحج وأبين والضالع، و"حركة النهضة الجديدة " في محافظة الحديدة، و"حركة شباب النهضة والتجديد" في محافظة تعز و"حركة العدالة" في محافظة إب وكذلك "حركة الحرية والبناء" في حضرموت، ناهيك بـ"الائتلاف السلفي للتغيير الناشط على مستوى اليمن.

 

التجربة المصرية

فتح فوز التيارات السلفية في انتخابات البرلمان المصري ومجلس الأمة الكويتي شهية الجماعات السلفية في اليمن التي استثمرت أجواء التحول الثوري في اليمن وأعلنت في بيانات عدة توجهاتها الجديدة في الانفتاح والمشاركة في الحياة السياسية ولا سيما في الانتخابات النيابية التي يتوقع أن تنظم في اليمن قبيل انتهاء فترة الرئيس  الانتقالي المنتخب سنة 2014.
من ذلك "ائتلاف النهضة والتغيير" الذي يضم الكثير من التيارات السلفية في المحافظات اليمنية وكذلك "حركة الحرية والبناء السلفية" الناشطة في محافظة إب و"حركة النهضة الإسلامية" في محافظة عدن، و”جمعية الحكمة اليمانية” ذات التوجهات السلفية والناشطة في أكثر المحافظات ومركزها الرئيسي في العاصمة، ومراكز الدعوة السلفية وجمعيات الإحسان في صنعاء وعدن، ومؤسسته الفرقان الخيرية في الحديدة، ومؤسسة الجزيرة العربية للتنمية، التي اتخذت ترتيبات لإعلان تأليف أحزاب سياسية والمشاركة في الانتخابات.
هذه الخطوة أثارت جدلا في الأوساط السياسية والشبابية من جهة كما بين أنصار التيارات السلفية ومكوناتها والتي عبّر بعضها عن رفض هذه التوجهات باعتبارها "بدعة تناقض الدين الإسلامي ومخالفة لمنهج السلف من الصحابة والتابعين الذين لم يعرف عنهم تأليف تكتلات أو جماعات سياسية أو أحزاب تعتقد بالديموقراطية منهجا بديلا من القرآن".


توجهات سياسية

على أن نشاط الجماعات السلفية اليمنية ظل خفيا عقوداً طويلة، الا في اجتماعاتها ومؤتمراتها السنوية وفي بعض المجلات والمطبوعات التي كانت تتناقلها وتوزعها عبر شبكات منتشرة في عموم الأراضي اليمنية، إلا أنها ظهرت على سطح المسرح السياسي بقوة بعد أسابيع من نشوب الثورة الشبابية في 11 شباط.
وتصدر الدكتور عقيل بن محمد المقطري رئيس إئتلاف النهضة والتغيير للحركات السلفية مشهد التحول السياسي لدى التيارات السلفية اليمنية، وهو أستاذ جامعي لمادة الحديث في جامعة الأيمان السلفية التي يقودها الشيخ عبد المجيد الزنداني المطلوب أميركيا بتهم على صلة بدعم الإرهاب.


وتجاوز الشيخ المقطري ومعه آخرون من شيوخ السلفية، الذين سجلوا حضورا لافتا على منابر الخطابة في ساحات الإعتصام بالعاصمة وبعض المحافظات، المحظورات  السلفية وأعلنوا عن ترتيبات لتأليف حزب سياسي بل أكد الشيخ المقطري للمرة الاولى " حق المرأة في المشاركة في الحياة السياسية والوظيفة العامة".
وفي رأي الدكتور المقطري ان التيارات السلفية اليمنية تأخرت كثيرا في المشاركة في العمل السياسي "ويجب عليهم استثمار الفرصة المهيأة الآن للانخراط في العمل السياسي ويجب أن يتعبد المرء به الله كتعبده في الصلاة والصيام، ويجب أن يشارك السلفيون في إصلاح الأوضاع المادية والقانونية، ونحن دائماً نردد في الدعاء كما كان رسولنا يدعو وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ولا حياة للناس ما لم تصلح دنياهم".


ويقول المقطري أن الحزب السياسي المنتظر إعلان تأسيسه وخوضه غمار العملية السياسية "حزب سيقدم منتجاً نافعاً يأمل الشعب تحقيقه ونيل المصلحة منه خصوصاً انه حرم الشعب  كثيراً من الخدمات الأساسية وهو يتطلع من النواب ومن الحكومة الى أن تحققها له ".
كذلك يؤكد أن الدولة اليمنية المقبلة في إطار ثورات الربيع العربي" ستكون دولة نظام وقانون تحتكم إلى الشريعة الإسلامية ودستور يجعل من الشريعة المصدر الوحيد في التشريع" خلافا لما هو معمول به في الدستور اليمني النافذ والذي يعد الشريعة مصدرا رئيسيا في التشريع.


مخاوف ومحاذير

على رغم أن التيارات السلفية وجدت في الثورة الشبابية المطالبة باطاحة النظام متنفسا للحركة والظهور بمنهج جديد، إلا أن سياسيين يمنيين يرون أن هذه التيارات لا تزال في بداياتها الجنينية ومحاطة بعقبات كثيرة أبرزها وجود مدارس سلفية كبرى لا تزال تناهض هذه التوجهات وكذلك الخلافات الحاصلة في ما بينها في شأن قضايا الانتخابات والمشاركة السياسية والحياة الحزبية والدولة المدنية والقوانين الوضعية والشرعية الدستورية التعاقدية للدولة الحديثة والمواثيق والمعاهدات الدولية، ناهيك بالخلافات المستجدة بين التيارات السلفية على حرية العقيدة والمذهب وقضية التسلط المذهبي وفرضه بقوة السلاح ووسائل مناصرة المظلوم والتصدي للفساد السياسي. وتخشى تيارات سياسية قومية وعلمانية ويسارية أن يؤدي تنامي التيار السلفي في المشهد الشبابي الثوري، إلى انتاج قوى سياسية تستخدم أدوات خصومها السياسيين لإجهاض الثورة أو أن تضعها على المحك بين أن تمضي في اجتثاث قيم نظام الحكم الذي أفسد المجتمع وإعادة إنتاج قيم وتقاليد الأنظمة الاستبدادية بخطاب ديني ما انفك يرفض كل مفاهيم الدولة  المدنية والديموقراطية وثقافة الاختلاف والتنوع.