Date: Apr 22, 2012
Source: جريدة الحياة
اليمن يستعيد عمليات ترحيل "المجاهدين" إلى سوريا "أرض الفردوس"

صنعاء - ابوبكر عبدالله
حملات التعبئة لـ "الجهاد في سوريا " الجارية في بعض المساجد اليمنية التي يؤمها شيوخ سلفيون تذكّر بمكاتب ترحيل "المجاهدين" التي نشطت في أكثر المحافظات اليمنية الشمالية في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي عندما كان اليمن مركزا لتصدير المجاهدين إلى أفغانستان لـ "محاربة المد الشيوعي"، وهي الفترة التي فقد فيها اليمن الآلاف من شبابه الذين قضوا في محرقة الحرب الأفغانية.
هذه الحملات التي عادت بوتيرة عالية لم تختلف كثيرا عن حملات مشابهة استهدفت في وقت سابق ترحيل المجاهدين إلى العراق لقتال القوات الأميركية بسوى أنها تجري هذه المرة بصورة سرية، أما الوجهة فإلى "أرض الجهاد سوريا".


تعد المساجد مقرات ملائمة لحشد "المجاهدين"، وثمة جيش من الدعاة السلفيين ينشطون في الحشد والتعبئة للجهاد في سوريا تماما كما حصل في أعوام سابقة عندما كانت الوجهة العراق.
يجد كثير من اليمنيين صعوبة في تقبل فكرة الجهاد في بلد مسلم، غير أن لدى كثير من الدعاة ما يبرر دعوتهم، فـ"الالتحاق بكتائب المجاهدين  فرض عين لوقف القتل والتنكيل الذي يمارسه الروافض العلويون يوميا بحق أهل السنة والجهاد في سوريا مقدم على الجهاد في فلسطين لأن خطر الروافض أدهى وأمر من خطر اليهود ".


وفي أحد المساجد بمحافظة تعز الجنوبية يقف الشيخ ملقيا خطبة طويلة تطغى عليها النبرة الطائفية والمذهبية، متحدثاً عن "حال المسلمين بعدما تركوا فريضة الجهاد وما يلقاه أهل السنة في سوريا من عصابات الأسد الرافضية الخبيثة".
مع آيات قرآنية وأحاديث وقصص سردها لإضفاء قدر من الصدقية، تحدث الشيخ  عن أعمال "اغتصاب للحرائر(النساء) وعمليات قتل وتنكيل للأطفال والعجزة وذبح للرجال وحرقهم أحياء وتدنيس للمصاحف وهدم المساجد".


هذا الشيخ بدا محايدا كثيرا، إلا أن شيخاً آخر من رفاقة محشوراً بين الناس يخرج هاتفا: "يا أحفاد عمر يا أحفاد خالد حيّ على الجهاد، الإسلام يناديكم للدفاع عن أهلكم وعرضكم من الشرذمة المجوسية لإنقاذ حرائر سوريا وأطفالها وشيوخها وشبابها من بقايا المجوس... أنفروا خفافا وثقالا وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم".


وعلى رغم انتشار المذهب الزيدي الشيعي في اليمن، إلا أن الحديث عن الشيعة في هذا البلد ينضح بالنزعة الطائفية والتكفيرية، ولا يتوانى الشيخ السلفي عن تصنيفهم في خانة الكفر والزندقة " الروافض أكفر خلق الله في الأرض وسوادهم (عديدهم) يزداد بسبب الدعم الإيراني وأنتم يا مسلمون غافلون... بعدما ضيعتم فريضة الجهاد".

 

الرحلة إلى "الفردوس"

الشاب علي يكنّي نفسه بـ "أبي البراء" كان بين آخرين يهتفون بحماسة بين الحين والآخر "الله أكبر ولله الحمد... حيَّ على الجهاد". وأبدى حماسة كبيرة للجهاد مؤكداً أن حشد المجاهدين لم يكن جديدا، فهذا النشاط بدأ منذ وقت مبكر لكنه كان مستاء من حظه النحس لأن أحدا من الشيوخ لم يمنحه تزكية حتى اليوم  للحاق برفاقه المجاهدين وهو يرفض كليا سماع أي تحليل سياسي في شأن الثورة في سوريا أو يتهم هؤلاء بإرسال شباب اليمن إلى محرقة بذريعة الجهاد في بلد مسلم.


يتعين على المتطوع ضمن كتائب "المجاهدين" أن يخوض تجربة قاسية للغاية في "الدعوة إلى الله" تقضي بأن ينضم إلى مجموعة من الدعاة والسير على الأقدام إلى مناطق بعيدة للدعوة والإرشاد، ومن بين هؤلاء يتم اختيار المجاهدين. ثمة شروط أخرى يحددها الشيخ السلفي، وأهمها "الاستعانة في قضاء الحوائج بالكتمان حتى على الأم والأب والزوجة والأخ لحين الانتهاء من التدريب والالتحاق بكتائب المجاهدين، ويتعين قبل ذلك أن يكون المتطوع راغبا في الشهادة ولديه إيمان يقيني بأنه ذاهب لتلبية فريضة دينية وعليه أن يوصي وأن يكون على يقين بأنه لن يعود".


يتولى فريق من الدعاة تقويم المتطوعين وضمهم إلى جماعات صغيرة لتهيئتهم لمرحلة متقدمة قبل أن يرسل الشاب المجاهد منفردا أو مع شخص واحد على الأكثر إلى دولة مجاورة لليمن أو دولة أوروبية ومنها إلى دولة مجاورة لسوريا للتدريب قبل الالتحاق بإحدى "كتائب المجاهدين".


كثيرون لا يعرفون وجهتهم المقبلة ولا طريق الوصول إلى سوريا لكنهم مطمئنون إلى أن المشايخ سيتعهدون هذه الأمور، كما أن السؤال عن قضايا كهذه يعني وضعك في دائرة الشبهة. وثمة "شباب جهادي" يقتصر دورهم فقط على شرح تجاربهم في الرحيل إلى الفردوس وسرد قصص أسطورية يصعب تصديقها لرفع حماسة الشباب الجدد "أنت أعزم الأمر وتوكل على الله وستنالها إن كنت صادقا ".


رؤى سياسية

على أن أكثر التيارات السلفية الناشطة في اليمن لم تمارس السياسة قط ولا تزال منقسمة في شأن قضايا المشاركة السياسية والدولة المدنية والأحزاب، إلا أنها تلتقي في "حشد الدعم والنصرة للمجاهدين في سوريا " بانتظار الثمن الذي سيأتي بعد اطاحة نظام بشار الأسد.
يصعب أن تجد لدى هؤلاء رؤية سياسية حيال ما يدور من جهود للحل السلمي ومبادرة كوفي أنان، والفكرة السائدة هي أن "هناك كفراً مجوسياً نصيرياً يحارب الإسلام يستدعي النصرة والجهاد" والذي يرى البعض أنه لا يجوز حاليا في أي مكان فوق الأرض سوى في سوريا.


لعل ما يفسر هذه النزعة هو الارتباط الوثيق بين الحركات السلفية ومراجعها الدينية في المملكة العربية السعودية، فما يدور في اليمن ليس سوى صدى لما يحصل هناك. فخلال عقود ماضية تأسست في اليمن قواعد سياسية واجتماعية ودينية راسخة جعلت هذا البلد من أكثر المجتمعات الإسلامية إنتاجا للمجاهدين، وفي العراق وأثناء الاحتلال الأميركي، كان اليمنيون الأكثر عددا بين المجاهدين العرب الذين هرعوا إلى هناك لقتال القوات الأميركية.


يختلف منطق التيارات السلفية الجهادية المرتبطة بمراجع سعودية عن منطق الجماعات المنخرطة في إطار تنظيم "القاعدة"، فهؤلاء يرون أن بلاد الإسلام محتلة من الأميركيين والصليبيين بشكل مباشر، وغير مباشر كما أنهم يرون أن عليهم واجباً دينياً في إخراج المشركين من جزيرة العرب ولا يجيزون الجهاد إلا ضد "الكفار واليهود ومن حالفهم من الأنظمة الكافرة والمرتدة"، فيما يرى السلفيون أن "خطر الشيعة أعظم وأكبر من خطر اليهود".


لكن بعض السياسيين لا يرون فارقا بين من يحشدون الشباب بخطابهم الديني للانخراط في صفوف تنظيم "القاعدة " وبين من يحشدونهم للجهاد في سوريا.
ويقول القيادي في حزب البعث العربي هشام عبد الكريم "إن تصاعد حملات حشد المجاهدين عندما تترافق مع تزايد عديد مقاتلي القاعدة في محافظة أبين تتضح الصورة، فالحشود تجري في الواقع للقاعدة بذريعة الجهاد في سوريا لتجنب أي اعتراض من السلطات اليمنية، فواشنطن ترغب في حشد الكثير من المجاهدين إلى سوريا لكنها لا تعلم أن أكثر الحشود تذهب لدعم خلايا "القاعدة".