موناليزا فريحة بينما يواجه الشعب السوري القمع والعنف ضد انتفاضته المستمرة منذ 15 شهرا لاطاحة النظام السوري ورئيسه بشار الاسد، يركز "المجلس الوطني السوري" الذي يفترض أن يكون العصب الرئيسي لهذه الانتفاضة جهوده على إطاحة... رئيسه برهان غليون. على رغم مرور أكثر من ستة أشهر على اعلان بيانه التأسيسي الذي يفترض أنه شكل اطارا موحدا للمعارضة السورية، تتسع الخلافات داخل "المجلس الوطني السوري" الى حد بات أعضاؤه يتبادلون اتهامات في ما بينهم لا تقل حدة عن تلك التي يوجهونها الى النظام السوري. وقد خرجت هذه الخلافات الى العلن أكثر من مرة، الا أنها تجاوزت أخيرا الخطوط الحمر وبلغت مستوى يهدد مستقبل المجلس ويعمّق الشكوك الدولية في تماسك المعارضة السورية. وفي أسبوع واحد، سجلت المعارضة "اخفاقين" كبيرين: ضربت جهود جامعة الدول العربية لجمع معارضتي الداخل والخارج في القاهرة، في محاولة لتبديد الخلافات في ما بينها، وحولت انتخاباتها لاعادة هيكلية المجلس الوطني، خيبة.
وإذ عقدت الجامعة العربية مؤتمر المعارضة السورية في غياب أعضاء هذه المعارضة، لأسباب ومبررات "غير منطقية" وبعد اتهام كل من "المجلس الوطني السوري" و"هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي" الجامعة بالانحياز الى الفريق الاخر، تطورت اعادة انتخاب برهان غليون في روما لولاية ثالثة من ثلاثة أشهر الى أزمة وأثارت مزيداً من الانقسامات داخل المجلس، وصلت الى حد اعلان غليون استقالته "فور وقوع الاختيار على مرشح بديل".
وقد اتخذ غليون خطوته بعدما سادت بلبلة واسعة صفوف المعارضة السورية، وبدت المعارضة كأنها تسعى الى اطاحة رئيسين بدل رئيس واحد ونظامه.
في الشكل، سجل معارضون رفضهم التمديد للرئيس لولاية ثالثة والذي حصل في اقتراع سري فاز فيه على منافسه جورج صبرا بـ21 صوتاً في مقابل 11 صوتاً، على أساس أنه غير شرعي ومخالف للنظام الداخلي للمجلس الذي ينص على مبدأ تداول الرئاسة بعد كل ولاية. وانسحب أعضاء من المجلس احتجاجاً، وهددت "لجان التنسيق المحلية" الممثلة لمعارضي الداخل بالانسحاب أيضاً، علما ان انسحاب هذه "اللجان" التي تحظى باحترام ملحوظ في صفوف المعارضين بين ابناء الشعب السوري، يجعل الائتلاف عرضة للاتهامات بأنه تحول ذيلاً للاسلاميين ويثير تساؤلات حول قابليته للحياة.
انتقادات وفي بيانها اللاذع، انتقدت لجان التنسيق "العجز" السياسي لـ"المجلس الوطني" و"غياب التوافق" بين رؤية المجلس ورؤية الحراك الثوري. وذهبت أيضا الى اتهام المجلس بـ"تهميش مطالب الثوار في سوريا"، وانتقدت تمديد ولاية غليون ثالثة "على رغم فشله التنظيمي والسياسي". لم تكن ولايتا غليون في المجلس مريحة، وبدا الائتلاف المفكك والمشتت ايديولوجياً وطائفياً عاجزاً عن الاتفاق على استراتيجية موحدة لمواجهة نظام الاسد، وأخفقت فصائله المتنافسة في اعداد استراتيجية مشتركة لمواجهة عدو مشترك. وشكل هذا الوضع ذريعة أساسية لدول الغرب لعدم الالقاء بثقلها وراء الشعب السوري.
صدقية ورص صفوف وفي رأي عضو "المجلس الوطني" رضوان زيادة ان "وجهاً جديداً على رأس المجلس الوطني يعيد صدقيته داخل سوريا، وفي الوقت عينه يستطيع رص صفوفه واقناع المجموعات فيه بالتحدث بصوت واحد". وشرح لـ"النهار" ملابسات الانتخابات الاخيرة داخل المجلس. قائلاً: "في ظل وجود وجهتي نظر، الاولى تقول إن غليون نجح في حشد الدعم الدولي، وتالياً يجب التمديد له، والثانية تصر على المداورة، حصل اقتراع سري ولم يسم الرئيس بالتوافق كما درجت العادة، وحصل غليون على الغالبية". ولئن لم ينف زيادة أن الدعم القوي الذي وفرته جماعة "الاخوان المسلمين" داخل المجلس رجح كفة غليون بقوة، أكد أن المشكلة أبعد من ذلك، ولا تقتصر على الدعم "الاخواني" للأستاذ الجامعي الذي أكسب المعارضة وجها حضاريا ومعاصرا، واتهمته المعارضة العلمانية والليبرالية بأنه وفر نفوذا غير متكافئ للاسلاميين في المجلس.
وفي الواقع، لم يستطع المجلس تجاوز الانقسامات الخطيرة وسوء الادارة التي تقوض صدقيته منذ انشائه، على رغم النفوذ المتزايد له دوليا، وخصوصا بعدما تبنته مجموعة "أصدقاء الشعب السوري" في اسطنبول في نيسان الماضي "ممثلا شرعيا (وإن يكن ليس وحيدا) للسوريين ومحاورا رئيسيا للمعارضة مع المجتمع الدولي". ولعل أبرز التحديات التي يواجهها رصيده السياسي المتضائل أكثر فأكثر بين الثوار الذين يشكلون رأس حربة الانتفاضة ضد نظام الاسد.
ولا يخفي زيادة ان الاعتراض ليس على أداء غليون وحده، معتبرا أن "هناك أداء المجلس كله وعدم اثبات قدرته على القيادة" وسط الآمال الكبيرة التي يعلقها عليه الثوار لحشد الدعم الدولي لعملية التغيير. الا أنه يلفت ايضاً الى اسباب "موضوعية" تجعل المجلس عاجزا عن تحقيق تطلعات الشعب، بما فيها غياب التوافق في المجتمع الدولي على طريقة التعامل مع الازمة السورية. ويضيف: "المجلس في وضع لا يحسد عليه، وأي رئيس آخر سيواجه التحديات نفسها... المجتمع الدولي لم يقدم شيئا لسوريا". ويشير الى أن ليبيا حصلت على قرار دولي لمساعدة الثوار، الأمر الذي ساعد في توحيد الليبيين خارج اطار "المجلس الوطني الانتقالي"، بينما "يطالبون المعارضة السورية باتمام المرحلة الانتقالية واسقاط النظام في الوقت نفسه". وعلى رغم موقفه الداعي الى التغيير في رئاسة المجلس، يرفض زيادة الحديث عن ان المعارضة باتت تسعى الى اطاحة "رأسين"، معتبراً ان هذا الكلام مبالغ فيه.
بعد قنبلة "غليون" ولكن ماذا بعد "قنبلة" غليون؟ هل تحصل انتخابات جديدة أم يعين جورج صبرا رئيسا بالتوافق؟ يقول زيادة إن هذا الامر يعود الى الامانة العامة التي ستجتمع وتتخذ قراراً في هذا الشأن. ويوضح صبرا "إننا في صدد البحث في هذا الوضع من كل جوانبه، ولا بد من اجتماع هيئات المجلس لاختيار رئيس جديد. واذا أمكن التوافق على شخصية فليكن ذلك، والا نجري انتخابات جديدة". قد يبدد انتخاب صبرا مخاوف العلمانيين والليبراليين من امكان جنوح المجلس صوب الاسلاميين، ولكن ثمة من يعتقد أن "الاخوان" لن يوافقوا على صبرا المسيحي رئيسا لـ"المجلس الوطني". وفيما يمضي المجلس في استنزاف رصيده الداخلي والخارجي، يواصل الشعب السوري وحيداً انتفاضته التي يزداد ضحاياها شهراً بعد شهر. |