Date: May 21, 2012
Source: جريدة الحياة
لبنان: مقتل شيخين في عكار يزيد التوتر شمالاً

انتقل التوتر أمس من طرابلس، عاصمة شمال لبنان، الى منطقة عكار المتاخمة للحدود اللبنانية - السورية اثر مقتل الشيخين أحمد عبدالواحد ومحمد حسين المرعب من بلدة البيرة برصاص أطلق عليهما من حاجز للجيش اللبناني في بلدة الكويخات، وهما في طريقهما الى حلبا لحضور احتفال أقيم فيها لمناسبة مرور 4 سنوات على سقوط ضحايا جراء حوادث السابع من أيار (مايو) 2008.
 
وتسارعت الاتصالات التي تولاها بشكل أساسي رئيس تيار «المستقبل» رئيس الحكومة السابق سعد الحريري لاستيعاب أجواء الاحتقان، داعياً الى التزام أعلى درجات اليقظة والتنبه لمخاطر المخطط المضاد لاستقرار لبنان واستقلاله، ومشدداً على «ألا نضع عملية القتل في خانة الجيش اللبناني بالجملة وهو المؤسسة الوطنية العسكرية التي لطالما وقف أهل عكار الى جانبها وكانوا خزاناً لها».
 
وأدت ردود الفعل الى قطع الطرقات الرئيسية في عكار والطرقات الدولية في مناطق البداوي والمنية وطرابلس والقلمون من ناحية، والى انكفاء عناصر الجيش الذين تواجدوا عند حاجز الكويخات أثناء إطلاق النار من دون أن ينسحب من المناطق بكاملها كما روّجت بعض وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، بذريعة ان النائب في كتلة «المستقبل» خالد الضاهر دعا الى انسحاب الجيش من عكار وتبين ان المقصود من وراء دعوته إبعاد العناصر التي تسببت بالحادث لقطع الطريق على أي رد فعل يستهدفهم.
 
كما أدت الاتصالات الى مبادرة قيادة الجيش – مديرية التوجيه – فوراً الى تشكيل لجنة تحقيق من كبار ضباط الشرطة العسكرية بإشراف القضاء المختص لتحديد المسؤولية في إطلاق النار على الشيخين عبدالواحد والمرعب.
 
وفي هذا السياق، علم ان الحريري أبلغ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بأن «ما حصل أمر غير مقبول واننا لا نريد شيئاً سوى معاقبة مطلقي النار على الشيخين وتبيان من أعطى أوامره لعناصر الجيش بفتح النار عليهما». وأبدى سليمان، بحسب المصادر، تفهمه لموقف الحريري الذي قال أيضاً: «نحن نعمل للتهدئة وما زلنا نحرص على الاستقرار العام رافضين الانجرار الى ردود الفعل التي يراد منها إحداث فتنة في البلد لأننا نريد حماية السلم الأهلي، لكن في المقابل نجد أن هناك من يعمل بكل ما في وسعه لضربه. ونحن من جهتنا نحرص على المؤسسة العسكرية لكن لا بد من الاقتصاص من الذين أطلقوا النار». وعبّر سليمان، كما ورد في بيان لرئاسة الجمهورية، عن أسفه للحادث الذي حصل في منطقة حلبا، وأعرب عن تعازيه وحزنه العميق، لخسارة الشيخين، وأبدى ارتياحه من جهة أخرى لتأليف قيادة الجيش لجنة تحقيق لكشف ملابسات وتفاصيل الحادث الذي حصل واتخاذ الإجراءات المناسبة بأسرع وقت ممكن.
 
وأجرى رئيس كتلة «المستقبل»، رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، اتصالاً برئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي بقي على تواصل مع وزيري الدفاع الوطني فايز غصن والداخلية والبلديات مروان شربل قبل أن يرأس ليلاً اجتماعاً أمنياً موسعاً في «السراي الكبيرة» خصص للتداول في الأوضاع المستجدة في عكار، فيما استمرت الجهود الرامية الى تثبيت التهدئة في طرابلس في ظل المخاوف من عودة التوتر اليها.
 
وأبلغ السنيورة ميقاتي بتفاصيل ما تبلغه حول مقتل الشيخين عبدالواحد والمرعب، مؤكداً أنه لم يكن معهما عناصر مسلحة وأن ما حصل لا يمكن السكوت عنه، وهذا ما أورده في بيان أصدره لاحقاً، وقال فيه: أوجه ندائي لأهلنا في عكار وأقول لهم احفظوا الجيش من المؤامرة انهم أولادكم. كما أوجه ندائي للجيش وأقول لهم: لنا بكم كل الثقة والمؤامرة تستهدفكم».
 
وفيما طلب ميقاتي تشكيل لجنة تحقيق في الحادث لكشف ملابساته، علمت «الحياة» ان اللجنة تضم 4 من كبار الضباط في الشرطة العسكرية على رأسهم العميد لبيب العرم إضافة الى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر الذي توجه الى عكار فور وقوع الحادث وباشر التحقيق مع الضابط والعناصر الذين كانوا في إمرته عند حاجز الكويخات لإجراء المقتضى القانوني.
 
وتلقى الحريري اتصالاً من رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط تركز على «الجهود الرامية لمنع سقوط لبنان في فخ الاستفزازات والفتنة، والى التحلي باليقظة للحيلولة دون السقوط في الفخاخ التي ينصبها النظام السوري». وذكره فيه «بالمواقف الوطنية المشرفة» التي اتخذها الحريري عندما واجه الجيش عصابات «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد.
 
وكان الحريري أجرى اتصالاً بعائلتي الشيخين الضحيتين أبلغهما فيه «ان دوري هو ان أتابع القضية وأسعى الى تحصيل حقكم وألا نسمح بإفلات من أقدم على قتلهما ولن يرتاح لي بال قبل معرفة من أعطى الأوامر بذلك ومحاسبته». وأضاف، كما علمت «الحياة»: «ودوركم أنتم أمام هذا المصاب أن تسعوا الى تهدئة الأمور على الأرض وتمنعوا حصول الفتنة في عكار والبلد إذ يجب أن لا ينجر أي منا الى ما يحضر لنا جميعاً من فوضى وفتن. وانتم أهل الجيش وخزانه ولا أحد سيتمكن من جركم الى الاصطدام به، ولأنكم أصحاب الحق، دوركم ان تهدئوا الوضع على الأرض».
 
وقال الحريري لعائلتي الضحيتين انه «حين اغتيل والدي، لم أسع الى الثأر بل الى العدالة وجميعكم سعيتم معي للعدالة ولم يسع أي منكم للثأر. وأنا دوري أن أعمل معكم من أجل العدالة الآن».
 
ورد شقيق الضحية الشيخ عبدالواحد على الحريري قائلاً: «لا مشكلة بيننا وبين أهلنا واخوتنا وأولادنا في الجيش، وعكار كانت وما زالت خزانه البشري، وهي قدمت العشرات من الشهداء دفاعاً عن لبنان في وجه الاعتداء الذي قامت به «فتح الإسلام» وان ما نريده ان يعاقب من أطلق النار ومن أصدر الأوامر لعناصر الجيش».
 
وأصر أهل وأقارب الشيخين الضحيتين على عدم دفنهما إلا بعد توقيف مطلقي النار وجلاء الملابسات التي أدت الى قتلهما. لكن تدخل الحريري ومفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار ومفتي عكار الشيخ أسامة الرفاعي ونواب عكار لقي استجابة منهم وتقرر تشييعهما في الواحدة من بعد ظهر اليوم وسط إقفال عام وحداد في المنطقة.
 
وطالب نواب عكار بأن يتولى أحد القضاة التحقيق الفوري في الجريمة، مؤكدين رفضهم أي تحقيق يجريه ضباط من الجيش اللبناني، بذريعة ان ذلك يخالف مبدأ الحياد، ومطالبين بإنشاء لجنة تحقيق برلمانية لمواكبة التحقيق القضائي توصلاً الى تحديد المسؤولية وهم توافقوا في موقفهم مع طلب مماثل للنائب مروان حمادة. فيما تمنى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع انجاز التحقيق سريعاً وعدم الانجرار الى ما يريده المفتنون لجهة الإيقاع بين الشعب وجيشه.
 
واعتبرت المصادر المواكبة ان تجنب قيادة الجيش اللبناني تبني أي رواية حول الملابسات التي أدت الى مقتل الشيخين يكمن في حرصها على استيعاب الموقف المتأزم من جهة وفي تقديرها ان هناك مسؤولية تقع على عاتق العناصر العسكرية.
 
وأكدت ان بيان قيادة الجيش تميز بالحيادية الإيجابية وقالت ان مجرد موافقتها على تشكيل لجنة تحقيق يعني انها قررت الاحتكام سلفاً الى ما سيصدر عنها وهذا ما كان تبلغه عدد من نواب عكار من قائد الجيش العماد جان قهوجي الذي تلقى اتصالاً من الحريري الذي أوعز الى نوابه بضرورة القيام بكل ما في وسعهم لمنع المنطقة من السقوط في الفتنة، خصوصاً أن من الواضح وكما ورد في بيانه ان هناك مندسين ومتورطين يريدون تسخير المؤسسة ورمزيتها لاستيراد أزمة النظام السوري مع شعبه والعالم العربي.


 

الحريري إلى أهل عكار: لا تنجرّوا... وتجب محاسبة المسؤولين 
نبّه الرئيس السابق للحكومة اللبنانية سعد الحريري «أهلَنا في عكار من الانجرار إلى أي ردود فعل تستهدف نقل الفوضى إلى منطقتهم»، على خلفية مقتل الشيخ أحمد عبدالواحد ومرافقه الشيخ محمد حسين المرعب، داعيا أهل عكار إلى «التزام الهدوء وعدم الانجرار إلى فخ الفتنة»، مؤكداً أن «هناك مخططاً للنيل من مناطق لبنانية بعينها واستجرار الأحداث والمشاكل إليها خدمة للنظام السوري وأدواته».
 
ورفض الحريري بحسب بيان صادر عن مكتبه الإعلامي أمس، وضع عملية قتل عبدالواحد «في خانة الجيش اللبناني بالجملة، وهو المؤسسة الوطنية العسكرية التي لطالما وقف أهل عكار إلى جانبها وكانوا خزاناً لها ومن الذين بنوها وعملوا في سبيل أن تكون في خدمة كل لبنان»، موضحاً أن «هناك مندسين ومتورطين في هذه العملية يريدون تسخير المؤسسة ورمزيتها لاستيراد أزمة النظام السوري مع شعبه والعالم العربي والعالم إلى لبنان، في محاولة يائسة لإنقاذه من نهايته المحتمة». ودعا «عكار إلى التزام اليقظة والتنبه لمخاطر المخطط المضاد لاستقرار لبنان واستقلاله، وعوَّدَنا أهل عكار على أن يكونوا في طليعة المدافعين عن الحق والعدالة والوحدة الوطنية، ونحن سنكون معهم في الذود عن كرامتهم وعدم القبول بتمييع قضية قتل الشيخ عبدالواحد والشيخ المرعب حتى الوصول إلى محاسبة كل المسؤولين عنها مهما علت مراتبهم». واتصل الحريري بعائلتي عبدالواحد والمرعب معزياً، كما اتصل برئيس الجمهورية ميشال سليمان وقائد الجيش العماد جان قهوجي مطالباً بلجنة تحقيق فورية ومحاسبة المسؤولين عنها مهما علت مراتبهم. وأكد أن «تيار المستقبل وكتلة المستقبل النيابية لن يتوقفا عن المطالبة بمحاسبة العناصر التي أطلقت النار على الشيخين الشهيدين ومن أمر بإطلاق النار عليهما»، معلناً أن عبدالواحد «كان معروفاً بوطنيته ووقوفه الدائم إلى جانب الحق، وتجلى ذلك في وقوفه إلى جانب قضية العدالة للرئيس الشهيد رفيق الحريري، كما إلى جانب الشعب السوري في نضاله ضد نظام البطش».
 
الى ذلك، اعتبر رئيس كتلة «المستقبل» النيابية فؤاد السنيورة، ان ما حصل «لا يمكن السكوت عنه، ويجب كشف ملابساته بأسرع وقت»، مؤكداً أن «دماء الشيخ احمد لن تذهب هدراً، بل يجب ان نعرف مَن وقف خلف الجريمة، وخلفياتِها، لان ما حدث يجعلنا نشك في أن هناك من يضمر الشر والوقيعة للبنان ولأهل الشمال ولأهل عكار».
 
وقال: «بالامس تم اختطاف الشاب شادي المولوي في طرابلس من اجل اشعال المدينة، واليوم يتم قتل الشيخ عبدالواحد على حاجز للجيش اللبناني، إنها الفتنة بعينها، التي لن ننجر لها، ونعرف ان اهلنا في عكار والشمال يدركون ذلك، المتآمرون يحاولون جر اهلنا ليتواجهوا مع جيشهم البطل الذي يفترض ان يحميهم، والذي تصدى للإرهاب في نهر البارد والذي يحمي الوطن في الجنوب».
 
وطالب السنيورة بـ «تحقيق فوري عن طريق لجنة تحقيق قضائية مستقلة وبإجراءات للمحاسبة، معروفة وظاهرة»، كما أكد الثقة «بالجيش، وبالتالي عليه التمسك بدروه ومواقعه أكثر من السابق، لأن المستهدف هو الجيش ودوره، لتتم الإطاحة بالوطن والدولة». وخاطب أبناء عكار قائلاً: «أفراد الجيش أولادكم وإخوانكم، وهم مؤسستكم التي تحمي لبنان».

 

جنبلاط اتصل بسعد الحريري منوهاً باحتضانه الجيش
أجرى رئيس «جبهة النضال الوطني» النيابية وليد جنبلاط، اتصالاً بالرئيس السابق للحكومة اللبنانية سعد الحريري، جرى خلاله البحث في ملابسات ما شهدته عكار والجهود الرامية لمنع سقوط الشمال ولبنان في فخ الاستفزازات والفتنة.
 
وأفاد بيان صادر عن مفوضية الإعلام في «الحزب التقدمي الاشتراكي»، أن جنبلاط أبدى شجبه واستنكاره الشديد لمقتل الشيخ احمد عبد الواحد ومرافقه في عكار، كما ذكّر بالمواقف الوطنية المشرفة التي اتخذها الحريري عندما واجه الجيشُ اللبناني عصابات فتح الإسلام في مخيم نهر البارد، واحتضانه المؤسسة العسكرية في تلك الحرب، معتبراً ان هذا الموقف الداعم للجيش يصبّ في اطار مشروعهما المشترك، أي مشروع الدولة. كما ناشد أهالي عكار التحلي باليقظة والمسؤولية العالية إزاء هذا الحادث المستنكَر، للحيلولة دون السقوط في الفخاخ التي ينصبها النظام السوري، داعياً الى التحقيق الفوري في هذا الحادث لمحاسبة المسؤولين عنه، أسوة بما قام به الرئيس ميشال سليمان عندما كان قائداً للجيش خلال وقوع أحداث الشياح.
 
وكان جنبلاط اعتبر في احتفال تكريمي في بيت الدين لنقيب المهندسين السابق عاصم سلام، أنه «كان في السياسة كبار عرفوا حدوداً معينة ولم يتجاوزوها، ونبذوا العنف والاغتيال كوسيلة لتمرير مشاريعهم السياسية». ورأى ان ما حصل عام « 1958 كان نزهة إلى حد ما».
 
وخاطب سلام قائلاً: «حاولتَ جاهداً في أيام التحديث المعقول أيام فؤاد شهاب، أن تساهمَ في مخطط توجيهي لبيروت وسائر المناطق، لكنك أُفشلت، كما أُفشلنا، فنظامنا السياسي المتأخر في كل شيء، الأصيل في فينيقيته، أي عبادة المال، جعل بيروت تتصحرُ من مَيْل، وتصبح غابةً من الإسمنت من مَيْل آخر. عارضتَ مشروع الوسط التجاري، وعن حق، لأنه وإن بقيت فيه بعض العمارات للقرن الماضي، وبعض المساجد والكنائس لقرون مضت، إلا أن جذور بيروت رُدمت في الإسمنت أو البحر، والنسيج الاجتماعي والاقتصادي المختلط طُرد منها، فكأن الصحراء استقرت مكانها». وتابع: «في السياسة، عاصرتَ كباراً لم يبق منهم أحد اليوم، ولكن هؤلاء عرفوا حدوداً معينة ولم يتجاوزوها، خاصم بعضهم بعضاً، وصادق بعضهم بعضاً، ولكنْ نبذوا العنف والاغتيال كوسيلة لتمرير مشاريعهم السياسية. 1958 كانت نزهة إلى حد ما. وعندما أردتَ دخول المعترك السياسي في التسعينات، كنتَ من القلائل، كحبيب صادق، الذين تحدوا الجرافات الكبرى من دون جدوى. كنتم تحلمون بالتغيير في مواجهة محادل الوصاية والمال، لم تتغير قناعاتك في أي لحظة بأن إسرائيل جريمة الاستعمار الغربي على أرض فلسطين العربية والإسلامية، لذا أنكرت وعن حق، الكيانات المصطنعة التي أنشأها سايكس بيكو، فكنتَ عثمانيّاً على طريقتك، كشكيب أرسلان، ولم تؤمن وعن حق، بتلك العروبة أو العروبات المتحجرة قطرياً وإقليمياً، التي نرى اليوم كيف دمرت العراق وتدمِّر سورية».
 
سلام دعا الى الالتفاف حول أهمية الحفاظ على التراث المبني في لبنان، وقال إن «للصديق وليد بك دوراً رائداً في هذا الموضوع، إذ تحلى بالعقل الحضاري والجرأة في التعاطي، ونادراً ما كان لدى مسؤول سياسي في البلد اهتمام مشابه».