|
تنفس المصريون الصعداء أمس، غداة اعلان فوز رئيس حزب العدالة والتنمية المنبثق من جماعة "الاخوان المسلمين" محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية الحرة الاولى تشهدها مصر، وعادوا الى أعمالهم بعدما سادت البلاد حال من التوتر على خلفية المخاوف من اعمال عنف بعد ذلك الاعلان. وشهد ميدان التحرير حركة سير طبيعية، وإن يكن بعض أنصار "الاخوان" أصروا على مواصلة اعتصامهم للضغط على المجلس الاعلى للقوات المسلحة للعودة عن قراره حل مجلس الشعب.
وفي مؤشر اضافي للارتياح الذي أثاره اعلان نتائج الانتخابات، حققت الأسهم المصرية أكبر مكسب في يوم واحد خلال ما يزيد عن تسع سنين.
ولم ينتظر الرئيس المنتخب اداء اليمين وتسلم السلطة من المجلس العسكري المتوقع بحلول نهاية الاسبوع، وبدأ استشاراته لتأليف حكومة جديدة، عقب استقالة حكومة رئيس الوزراء كمال الجنزوري الذي طلب منه المجلس العسكري تصريف الاعمال.
وقد التقى الجنزوري في مكتبه الجديد بقصر الاتحادية الرئاسي في القاهرة والذي كان يستخدمه في وقت ما الرئيس السابق حسني مبارك.
ويواجه مرسي، الرئيس الاسلامي الاول لمصر، صراعاً قوياً على السلطة مع العسكر. فبعد الاجراءات التي اتخذها المجلس الاعلى للقوات المسلحة أخيراً، لن يكون منصب مرسي ذلك المنصب القوي المطلق الصلاحيات، كما في عهد مبارك أو سابقيه.الا أنه بدأت تتسرب معلومات عن مفاوضات بين الجانبين سبقت مباركة المجلس العسكري فوز مرسي. ونقلت "الاسوشيتد برس" عن وسيط أن المفاوضات مستمرة للتوصل الى تفاصيل تفاهم سياسي بينهما.
طنطاوي والتقى الرئيس المنتخب أمس رئيس المجلس الاعلى للقوات المسلحة المشير محمد حسين طنطاوي ورئيس أركان القوات المسلحة الفريق سامي عنان وعددا من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع. وخلال اللقاء، كرر مرسي شكره العميق للقوات المسلحة وقدم الى المجلس الأعلى للقوات المسلحة "تحية إجلال وتقدير" على "إدارته الحكيمة" للبلاد خلال الفترة الأخيرة "التي حمت مصر من العديد من الأخطار واحترمت الإرادة الشعبية للشعب المصري العظيم الذي قام بثورة 25 يناير من أجل رفع الظلم وتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية". وأثنى على القوات المسلحة فى إدارتها للعملية الانتخابية. ورد طنطاوي بأن القوات المسلحة حددت منذ بداية الثورة هدفها في حماية المصلحة العليا للبلاد وإعلاء مبدأ الحرية للشعب المصري "وكانت وستظل تقف على مسافة متساوية من كل القوى والتيارات السياسية"، موضحا أن القوات المسلحة ستقف مع الرئيس الشرعي المنتخب بإرادة الشعب وستتعاون معه من أجل استقرار البلاد وإعلاء دولة القانون.
وأفاد زعيم حزب النور السلفي عماد عبد الغفور أنه في الاسبوع الذي فصل بين دورة الاعادة في الانتخابات الرئاسية واعلان النتائج، حاول سياسيون التوسط بين"الاخوان المسلمين" والمجلس العسكري لتبدبد التوتر. وقال إن"الاجواء صارت أكثر ارتياحاً" بعد اعلان النتائج، الا أن المحادثات لا تزال مستمرة لتوضيح صلاحيات الرئيس والمجلس العسكري، مشيراً الى أن أحدى النقاط العالقة هي حل مجلس الشعب الذي كان يسيطر عليه "الاخوان" بناء على قرار من المحكمة الدستورية العليا. وأضاف إن المحادثات تتركز خصوصاً على حجة "الاخوان" بوجوب حل ثلث مجلس الشعب فقط، لانه الجزء الذي انتخب بناء على مواد اعتبرت غير دستورية.
صلاحيات الرئيس
وبناء على الاجراءات التي اتخذها المجلس العسكري أخيراً، لن يكون المنصب الرئاسي الذي يتولاه مرسي ذلك المنصب القوي المطلق الصلاحيات، كما كان في عهد مبارك أو عهود سابقيه. ويمسك المجلس العسكري الذي من المقرر أن يسلم الرئيس المنتخب السلطة التنفيذية في نهاية الاسبوع، بسلطة التشريع منذ حل مجلس الشعب منتصف حزيران، الامر الذي يترجم عملياً الى حق النقض "الفيتو" للمجلس العسكري على اي مشروع قانون وعلى موازنة الدولة. كذلك، يحتفظ المجلس العسكري بحق مراقبة عملية صوغ الدستور الجديد، ويمكنه خصوصاً إذا اراد، ان يعترض على أي مادة تجعل الشريعة الاسلامية المصدر الوحيد للتشريع في الدستور. وسيبقى الامن مقسماً بين الجيش الذي بات يمكنه توقيف المدنيين بمنحه حق الضبطية القضائية، والشرطة التي لا تزال خاضعة لقيادة مسؤولين من النظام السابق. ولا يمكن مرسي، حتى لو اراد، ان يمس بالقيادة العسكرية القائمة إذ ينص الاعلان الدستوري المكمل على حصانة المجلس العسكري "بتشكيله القائم" وجعله السلطة الوحيدة في كل ما يتعلق بالجيش.
العلاقات مع ايران
وفي تصريح قد يثير انزعاج قوى غربية تسعى الى عزل طهران بسبب برنامجها النووي الذي تشتبه في أن طهران تستخدمه لصنع قنبلة نووية، نسبت وكالة "فارس" الايرانية الى مرسي رغبته في اعادة العلاقات مع ايران لتحقيق "توازن استراتيجي" في المنطقة. الا أن مصدراً إعلامياً في رئاسة الجمهورية نفى أن يكون مرسي أجرى أية مقابلة صحافية مع الوكالة الإيرانية. ونقلت "فارس" التي قالت إنها أجرت المقابلة قبل بضع ساعات من اعلان نتائج الانتخابات، عن مرسي أن "علينا استعادة العلاقات الطبيعية مع إيران على أساس المصالح المشتركة للدولتين وتطوير مجالات التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي لأنه سيحقق التوازن الاستراتيجي في المنطقة وهذا كان ضمن برنامجي... برنامج النهضة". وسئل عن تقارير أفادت أن الزيارة الرسمية الاولى التي يقوم بها في حال فوزه بالرئاسة ستكون للمملكة العربية السعودية، فأجاب: "لم أصرح بهذا، ولم يتم حتى الآن تحديد أولى الزيارات الدولية بعد نجاحي في انتخابات الرئاسة". وعن اتفاق كمب ديفيد الذي وقعته مصر مع إسرائيل، قال: "سننظر في اتفاق كمب ديفيد، ولكن من طريق مؤسسات الدولة والحكومة لأنني لن أتخذ قرارات منفردة".
وكان مرسي قال في خطاب وجهه عبر التلفزيون المصري مساء الأحد بعد اعلان فوزه: "سنحافظ على المعاهدات والمواثيق الدولية. لقد جئنا برسالة سلام الى العالم"، مضيفاً أن مصر ستحافظ على "الالتزامات والاتفاقات مع العالم كله".
وفي ردود الفعل، أبدت اسرائيل قلقها من انتخاب مرسي، وحذر مسؤولون اسرائيليون ووسائل الاعلام من واقع جديد وصعب بالنسبة الى الدولة العبرية. ويعكس القلق الذي عبرت عنه كل وسائل الاعلام الاسرائيلية تقريباً، حال القلق مما يمكن ان يعنيه انتخاب اسلامي رئيساً لمصر التي تعد أهم حليف لاسرائيل في المنطقة العربية.
وفي اللوكسمبور، هنأ وزراء الخارجية لدول الاتحاد الاوروبي مرسي، واصفين انتخابه بأنه "لحظة تاريخية للشعب وللبلاد وللمنطقة". وأبدوا قلقهم من تحركات المجلس العسكري التي قالوا إنها تعوق تسليم السلطة كاملة الى حكم مدني.
|