Date: Jul 20, 2012
Source: جريدة النهار اللبنانية
النظام يُحاول إخضاع أحياء دمشق بالدبابات والمعارضة سيطرت على معابر مع العراق وتركيا
ونزوح كثيف للسكان

توالت وتيرة التطورات السياسية والعسكرية في سوريا أمس بعد مقتل ثلاثة من اركان النظام، مع استخدام القوات النظامية الدبابات لاقتحام احياء في العاصمة وسيطرة مقاتلي المعارضة على الحدود مع العراق ومعبر حدودي مع تركيا، وقت منع فيتو روسي - صيني مزدوج مجددا صدور قرار دولي يهدد بفرض عقوبات على دمشق.
وعشية انتهاء مهمة بعثة المراقبين الدوليين اذا لم يجددها مجلس الامن، وهو ما لم يحصل أمس، برزت شكوك في استمرار مهمة المبعوث الخاص للامم المتحدة وجامعة الدول العربية الى سوريا كوفي أنان، خصوصا وان البيت الابيض حذر من ان الفيتو يعني ان مهمة انان "لا يمكن ان تستمر".
وغداة مقتل وزير الدفاع داود راجحة ونائبه صهر الرئيس السوري آصف شوكت ورئيس خلية ادارة الازمة حسن توركماني في تفجير استهدف مبنى الامن القومي في دمشق، بث التلفزيون السوري الرسمي الخميس لقطات للرئيس بشار الاسد وهو يستقبل وزير الدفاع الجديد العماد فهد الجاسم الفريج، الذي ادى اليمين الدستورية أمامه.
واثر تبنيه العملية النوعية غير المسبوقة في دمشق، حقق "الجيش السوري الحر" انجازا إذ تمكن مقاتلوه، للمرة الاولى منذ بدء حركة الاحتجاج في منتصف آذار 2011، من السيطرة على معابر حدودية مع كل من تركيا والعراق.
وأفاد "المرصد السوري لحقوق الانسان" الذي يتخذ لندن مقراً له ان مقاتلي "الجيش السوري الحر"، المكون من جنود منشقين ومدنيين يقاتلون الى جانبهم، سيطروا على معبر تل الهوى الحدودي مع تركيا. ولاحقاً قال ناشطون ان مقاتلي المعارضة سيطروا على معبر حدودي آخر بين سوريا وتركيا عند بلدة جرابلس بعد انسحاب قوى الامن منه.
وأكد الوكيل الاقدم لوزارة الداخلية العراقية عدنان الاسدي ان "الجيش السوري الحر" بات يسيطر على كل المنافذ الحدودية بين العراق وسوريا وهي القائم والتنف، فيما لا تزال هناك معارك في سنجار وهي نقطة حدودية صغيرة في الشمال.
في المقابل، حاول النظام احكام قبضته على الاحياء الثائرة عليه في دمشق، واستخدم لهذه الغاية للمرة الاولى في العاصمة، الدبابات لاقتحام حي القابون.
وقال المرصد ان عددا من احياء دمشق يشهد حركة هروب لمئات من سكانها وخصوصا من المزة والميدان الى مناطق اكثر امانا، مشيراً الى ان حي التضامن ومخيم اليرموك ومنطقة السيدة زينب شهدت حركة نزوح للاهالي. وبات أمس اليوم الاكثر دموية منذ بدء حركة الاحتجاج في سوريا قبل 17 شهرا، إذ أعلن المرصد مقتل أكثر من 250 شخصا في أنحاء البلاد، وقال ان بين القتلى 93 من رجال الامن و155 مدنيا منهم 44 طفلا في دمشق.
واضاف انه لا يزال يجمع المعلومات عن عدد مقاتلي المعارضة الذين قتلوا من مصدرين ميدانيين وانه يتوقع ارتفاعا كبيرا لعدد القتلى.

 

مجلس الامن


وفي نيويورك، استخدمت كل من روسيا والصين حق النقض "الفيتو" في مجلس الامن لاسقاط مشروع قرار يهدد بفرض عقوبات على النظام السوري اذا لم يتوقف عن استخدام الاسلحة الثقيلة ضد مناهضيه خلال مهلة عشرة ايام.
وهذه المرة الثالثة خلال تسعة اشهر تستخدم روسيا والصين حقهما بصفتهما دولتين دائمتي العضوية في المجلس لمنع صدور قرار يندد بسوريا. وقد صوتت 11 دولة على مشروع القرار وامتنعت جنوب افريقيا وباكستان عن التصويت. 
ورأت المندوبة الاميركية الدائمة لدى الامم المتحدة سوزان رايس أن ما حصل أمس في دمشق "يشير الى ان الوضع في سوريا سيستمر في التدهور في ظل عدم تحرك مجلس الأمن". وقالت إن احتمال استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا يجب أن يكون باعثاً للقلق، وأضافت: "سنسعى خارج مجلس الأمن الى ممارسة الضغط على سوريا". 
ودافع المندوب الروسي الدائم لدى الامم المتحدة السفير فيتالي تشوركين عن استخدام بلاده "الفيتو" ضد مشروع القرار، وقال إنه "على رغم كل الاتهامات الموجهة الينا، نحن نؤكد دعمنا لأنان وخطته". وشدد على ضرورة تمديد مهمة بعثة المراقبين الدوليين في سوريا. وكرر أنه "لا يمكن أن نقبل قراراً تحت الفصل السابع" ضد سوريا، ملاحظا أن "ثمة دولاً تصب الزيت على النار في شأن سوريا".  
ورأى المندوب الصيني الدائم لدى الامم المتحدة السفير لي باو دونغ أن مشروع القرار الذي تقدمت به فرنسا وبريطانيا في شأن سوريا لا يساعد على حل الأزمة هناك، بل يؤدي إلى مزيد من المشاكل في المنطقة ويهدّد وحدة المجلس. وأعرب عن دعم بلاده مهمة بعثة المراقبين الدوليين في سوريا.
أما المندوب الفرنسي الدائم  السفير جيرار آرو فحذر من ان الفيتو الروسي - الصيني "يعرض للخطر" مهمة انان.
وأعرب أنان نفسه عن "خيبة امله" لفشل مجلس الامن في اتخاذ قرار في شأن سوريا.
ووصف البيت الابيض الفيتو الروسي - الصيني بأنه "مؤسف جداً" ويعني ان مهمة أنان "لا يمكن ان تستمر". 
ولا يزال أمام مجلس الامن وقت للتفاوض على مشروع قرار آخر في شأن مصير بعثة المراقبين قبل أن ينتهي أجل تفويض أولي مدته 90 يوماً منتصف ليل اليوم (04:00 بتوقيت غرينيتش السبت). 
وقال ديبلوماسيون ان بريطانيا اقترحت مشروع قرار بتمديد تفويضه للمراقبين 30 يوما وانها تأمل في طرحه للتصويت، لكن لم يتضح حجم الدعم الذي يمكن ان يحصل عليه.
وحذر رئيس بعثة المراقبين الدوليين في سوريا الميجر جنرال روبرت مود  في مؤتمر صحافي قبيل مغادرته دمشق نهائياً من ان سوريا "ليست على طريق السلام"، لافتا الى انه من اجل تحقيق مصلحة الشعب السوري "نحن في حاجة الى قيادة فاعلة من مجلس الامن ووحدة حقيقية حيال خطة سياسية تستجيب لطموحات الشعب السوري وتكون مقبولة لدى كل الاطراف". 
وأعلنت الامم المتحدة ان كبير مستشاري الامم المتحدة العسكريين باباكار غاي توجه الى دمشق ليتولى قيادة بعثة المراقبين في سوريا خلفاً لمود في انتظار قرار سياسي في شأن مصيرها. كما يتوجه وكيل الامين العام للامم المتحدة لعمليات حفظ السلام إرفيه لادسوس الى دمشق في الايام القريبة.


تفاصيل

غداة تفجير مكتب الامن القومي في وسط دمشق ومقتل ثلاثة من المساعدين الامنيين الكبار للرئيس بشار الاسد، اشتبكت قوات المعارضة السورية المسلحة مع القوات النظامية التي قال ناشطون انها استخدمت الدبابات للمرة الاولى في العاصمة، مما دفع مئات العائلات الى النزوح من الاماكن التي تشهد اشتباكات. وأعلنت قوات المعارضة سيطرتها على معبرين حدوديين مع تركيا والعراق.

خلت أكثر شوارع دمشق أمس من المارة وأقفلت المتاجر والمنازل خوفاً من أعمال العنف. وقال سكان ان المدينة اصابها الشلل بعد مقتل صهر الاسد العماد آصف شوكت ووزير الدفاع العماد داود راجحة ووزير الدفاع السابق العماد حسن توركماني في انفجار خلال اجتماع أمني.
وتعرض بعض أحياء العاصمة لقصف شديد. وحذر التلفزيون السوري السكان من مسلحين متنكرين في ملابس الحرس الجمهوري ينتشرون في عدد من أحياء دمشق المضطربة وقال انهم يخططون لارتكاب جرائم ومهاجمة الناس. كما أصدر ناشطون تحذيراً مقابلاً جاء فيه ان قوات الحرس الجمهوري الحقيقية منتشرة فعلاً في حي الميدان. وقال الناشط سمير الشامي: "تجسسنا على اجهزة اتصالهم... نحن نخشى وقوع مذبحة".


وروى سكان ان القتال الاعنف منذ بدء الانتفاضة السورية قبل 16 شهرا والذي دخل يومه الخامس لم يتراجع في العاصمة السورية ضد قوات الاسد.
وأوضحوا ان قوى الامن واصلت قصف أحياء في دمشق ليل الاربعاء باستخدام طائرات الهليكوبتر وان الهجوم استمر أمس في العاصمة. وقال بعضهم ان انفجارات دوت في أحياء شمال شرق العاصمة وجنوبها.
وتحدث شاهد عيان عن مهاجمة المعارضة المسلحة مركزا رئيسيا للشرطة في دمشق. وقال ساكن في حي القنوات القديم الذي يقع فيه مقر قيادة الشرطة في محافظة دمشق إن "اطلاق النار كان كثيفا خلال الساعة الماضية. انه يخف الان لكن الشوارع حول مقر قيادة الشرطة لا تزال خالية".


وخلت مناطق لم تشهد قتالا من معظم سكانها. وقال سكان ان الطرق المؤدية إلى أحياء جنوبية تشهد اشتباكات عنيفة قد أقفلت او انتشرت عليها نقاط تفتيش. وخلت شوارع وسط المدينة على نحو شبه كامل ولم يكن هناك اي أثر للمعارضة المسلحة على رغم سماع اصوات اطلاق نار في عدد من المناطق. وأقفل أكثر المتاجر أبوابه. ولكن في المناطق التي شهدت اشتباكات - والتي تناثرت في شوارعها الجثث الملطخة بالدماء - كان السكان يشعرون بالقلق والتوتر. وقال احدهم قرب حي الميدان المضطرب: "كل من في الحي يسلح نفسه. بعضهم يتسلح بالبنادق الالية وبعضهم ببنادق الخرطوش. وبعضهم يتسلح بالسكاكين فقط".


وأفاد ديبلوماسي غربي ان ديبلوماسيين من أسوج والدانمارك والنمسا انسحبوا موقتا من دمشق بعد انفجار الاربعاء. وكانت البعثات الديبلوماسية للدول الثلاث تعمل بعدد محدود من الديبلوماسيين لا يزيد على واحد او اثنين في كل سفارة.
وأعلنت سيدة زارت حي التضامن - الذي شهد قتالا عنيفا - أن مركزا للشرطة قد دمر. وقالت عبر الهاتف: "رأيت خمس جثث متفحمة وملقاة في الشارع وأحرقت سبع سيارات للشرطة وبعض مساجد دمشق تعلن عبر مكبرات للصوت عن وجود ملاجئ للسكان الذين فروا من ديارهم".


وحذر التلفزيون السوري الحكومي من ان المشاهد التي نشرها ناشطون على الانترنت وبثتها شبكات تلفزيونية زائفة. وبدأ الفارون من ديارهم في البحث عن ملاجئ امنة ولجأ بعضهم إلى ساحة الجامع الاموي في المدينة القديمة في العاصمة.


وقالت امرأة من النازحين لساكن جاب المنطقة: "حاولنا العثور على فنادق رخيصة لكنها جميعا مشغولة بآخرين فروا من ديارهم. لذا جئنا إلى المسجد وقلنا إنه ليس لدينا مكان آخر نذهب اليه وليس لدينا مكان ننام فيه". 
ووردت تقارير عن اشتباكات في حي الاخلاص قرب مقر مجلس الوزراء وحرم جامعة دمشق.


وقال مدير "المرصد السوري لحقوق الانسان" رامي عبد الرحمن الذي يتخذ لندن مقراً له، ان القوات النظامية استخدمت الدبابات للمرة الاولى في اقتحامات دمشق وذلك في حي القابون، وأن "الاشتباكات تتواصل في احياء دمشق". ووصف الوضع الإنساني في الحي بأنه " صعب جدا" إذ يستمر انقطاع الكهرباء، مشيرا الى ان "أكثر من مئة عائلة محاصرة تحت القصف لا مجال لخروجها بسبب شدة العنف من القوات النظامية". وأكد "انقطاع الاتصالات عن بعض أحياء دمشق مثل المزة"، قائلا ان الاشتباكات تلف "معظم مناطق ريف دمشق من القلمون شمال غرب العاصمة وصولا الى الغوطة الشرقية أي دوما وحرستا شرقا". واضاف ان مدينة التل تتعرض لقصف عنيف من القوات النظامية التي تشتبك منذ نحو ست ساعات مع المقاتلين المعارضين الذين "سيطروا على مركز الامن السياسي ومقر شعبة حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم". كذلك يتواصل القصف لمدينة الزبداني وسط استمرار اشتباكات منذ الصباح، في حين تتعرض مدينة حرستا للقصف واطلاق نار من القوات النظامية السورية التي تشتبك مع الكتائب المعارضة. وتستمر ايضا الاشتباكات في احياء الحجر الاسود وقبر عاتكة واحياء عدة اخرى في دمشق.


ووصف مصدر امني في دمشق المعارك التي تدور بين الجيش النظامي والمقاتلين المعارضين في القابون والميدان بانها "عنيفة جدا"، معلنا ان هذه المعارك "ستستمر خلال الساعات الـ48 المقبلة لتنظيف دمشق من الارهابيين مع بداية شهر رمضان". وقال انه بعد تفجير مبنى الامن القومي بات الجيش النظامي "مصمما على استخدام كل انواع الاسلحة المتوافرة لديه للقضاء على المسلحين في دمشق". وذكر ان الجيش "طلب من السكان الابتعاد عن مناطق القتال، في حين ان الارهابيين يحاولون استخدامهم دروعا بشرية".


وقال الناشط احمد الميداني ان حي التضامن ومخيم اليرموك شهدا حركة نزوح للاهالي وشوهدت السيارات على طريق المتحلق الجنوبي، وكذلك منطقة السيدة زينب في ريف دمشق التي شهدت ايضا هربا للسكان في اتجاه بلدة نجها.


وقالت شاهدة من سكان دمشق ان الوضع في العاصمة السورية "اكثر من كارثي"، وان "منظر النازحين الهاربين من القصف في محيط منطقة الكاراجات وعلى امتداد أرصفة اوتوستراد العدوي يدمي القلب".


وبينما تهز المعارك دمشق تدور اشتباكات في انحاء اخرى من البلاد. واعلنت المعارضة المسلحة انها "حررت" بلدة عزاز في محافظة حلب الشمالية على الحدود مع تركيا. كما نشر ناشطون لقطات مصورة في بلدة تلبيسة بمحافظة حمص في وسط سوريا وهي تتعرض لاطلاق نار من طائرات هليكوبتر تحلق فوقها.
وقال مدير المرصد السوري ان "مقاتلين من الكتائب الثائرة سيطروا على معبر باب الهوى على الحدود السورية- التركية في محافظة ادلب وحطموا صورا لبشار الاسد بعد انسحاب القوات النظامية من هذا المعبر".


كما افاد مسؤولون عراقيون ان "الجيش السوري الحر" سيطر ايضاً على منفذ البوكمال الحدودي القريب من مدينة القائم بغرب العراق.
واوقع العنف أمس 111 قتيلا بينهم 42 مدنيا منهم 18 في دمشق وريفها، مقابل 18 مقاتلا معارضا. وبلغت خسائر القوات النظامية ما لا يقل عن 47 قتيلا خلال اشتباكات في محافظات حلب ودمشق وريف دمشق ودرعا وادلب وحمص ودير الزور، بينهم 15 في حي القابون.

 

لقطات للاسد

ومع تزايد التساؤلات عن مكان وجود الاسد عقب تفجير مكتب الامن القومي، ظهر الرئيس السوري في لقطات بثها التلفزيون الرسمي وهو يستقبل وزير الدفاع الجديد العماد فهد الجاسم الفريج، الذي كان عين في منصبه الاربعاء بمرسوم جمهوري خلفاً للعماد راجحة.
وظهر الاسد وهو يجتمع مع الوزير بعدما ادى الاخير قسم اليمين امام الرئيس ليتسلم منصبه الجديد. وهذه اللقطات هي الاولى للاسد منذ انفجار الاربعاء، مع العلم انه لزم الصمت من غير ان يدلي باي تصريح او يظهر علنا.
ولم تبث وسائل الاعلام الرسمية مشاهد للهجوم، كما فعلت من قبل بعد الهجمات التي شهدتها دمشق.
ولم يعرف ما اذا كان الاسد سيشارك في الجنازة الوطنية التي ستنظم اليوم للمسؤولين الامنيين الثلاثة الذين قتلوا في الانفجار.
وكانت مصادر في المعارضة السورية قالت ان الاسد موجود في اللاذقية يدير عمليات الرد على اغتيال المسؤولين الثلاثة.
وأنبأ مصدر امني ان والدة الاسد وشقيقته توجهتا الى مدينة طرطوس لدفن آصف شوكت، وقال ان "انيسة الاسد ارملة الرئيس الراحل حافظ الاسد وابنتها بشرى ونساء اخريات من محيطهما توجهن مساء امس (الاربعاء) بالطائرة الى اللاذقية ليتوجهن بعد ذلك الى طرطوس".