|
باريس - سمير تويني
بعد اغتيال اللواء وسام الحسن اجتمع سفراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والمجموعة الأوروبية واعلنوا رفضهم الفراغ في لبنان. وابدوا تخوفهم من إقحام البلاد في حال فوضى أمنية. بينما اعتبرت الحكومة برئاسة نجيب ميقاتي ان السفراء يؤيدون استمرارها مما أثار التباساً وخلطاً حول الدعم الدولي للدولة ومؤسساتها وبين ضرورة تمسكهم بحكومة تتمتع طهران ودمشق بتأثير فاعل في أبرز مكوناتها.
وبعد أسبوع من الانفجار ما هي المواقف الحقيقية من الحكومة، وبشكل عام من السلطة السياسية في لبنان؟
يمر لبنان بسبب نسيجه الطائفي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي وموقعه الجغرافي بمرحلة حرجة، وهو ما زال يتلقى مباشرة أو مداورة ردود فعل اربع مواجهات في المنطقة، كما وصفها سفير لبنان في فرنسا بطرس عساكر خلال مداخلة في مجلس الشيوخ الفرنسي: "أولا المواجهة الإسرائيلية - الفلسطينية بسبب فشل عملية السلام، ثانياً المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى على خلفية البرنامج النووي الإيراني، ثالثاُ المواجهة بين السنة والشيعة التي تمتد من البحرين إلى لبنان، رابعاً المواجهة في شكل حرب أهلية بين النظام السوري ومعارضيه بسبب قربها وعنفها وخطورتها وتعتبر اليوم الملف الأكثر تهديداً للبنان وقد تؤثر في استقراره وسلامته وتماسكه السياسي والاجتماعي."
وفي السياق عبرت الأسرة الدولية عن مخاوفها من انتشار عدوى الازمة السورية إلى لبنان. حتى أن ديبلوماسيين غربيين كانوا يتساءلون كيف تمكن لبنان من منع وصول ارتدادات الازمة السورية اليه؟ وعلى رغم ترددات الازمة خصوصاً في طرابلس غير انها ظلت محصورة في نطاق ضيق ولم يتمكن العابثون باستقرار لبنان من إشعال فتنة حقيقية بين أبنائه لان الأسرة الدولية والدول الإقليمية كانت تعتبر ان ساحة القتال اليوم في دمشق ولا سبب لنقلها إلى بيروت لأن الحسم سيكون في سوريا وليس في لبنان.
وفي السياق تفهمت العواصم الغربية والإقليمية سياسة النأي بالنفس التي اعتمدتها الحكومة اللبنانية بالتفاهم مع الرئيس ميشال سليمان، معتبرة ان هذه السياسة منعت تفاقم حدة التوتر بين المؤيدين والمعارضين للنظام السوري. وحافظت على الاستقرار في لبنان. غير ان التطورات الأخيرة من اعتقال الوزير السابق ميشال سماحة إلى إعلان "حزب الله" تدخله مباشرة أو مداورة في الصراع السوري مروراً بأحداث الخطف، جعلت هذه السياسة تتهاوى رويداً رويداً وازدادت حدة التوتر بين الأطراف اللبنانيين حتى ان البعض بدأ يتساءل: هل هناك تطبيق حقيقي لهذه السياسة، بعدما تحولت من سياسة النأي بالنفس إلى فلتان امني منظم جعل لبنان يعيش أزمة اقتصادية حقيقية كادت تشكل بالنسبة إلى دول القرار احد أسباب المخاوف الرئيسية على مستقبل لبنان؟ ثم لماذا اغتيل اللواء الحسن؟
وتتساءل مصادر ديبلوماسية عن الأهداف السورية من وراء هذا الاغتيال وعن رد فعل "حزب الله"؟ فهل اراد الرئيس السوري بشار الأسد، باغتيال الحسن وتفجير الأشرفية، تصدير أزمته إلى لبنان وإشعال فتنة داخلية على رغم علمه بأن الاغتيال يمكن ان يهدد مصير حكومة كانت له اليد الأساسية في تأليفها من حلفائه، لأنه يريد الفراغ السياسي ورقة أساسية في مفاوضات مقبلة؟ أم ان الأسد متمسك مع حلفائه بالحكومة وبرئيسها وبهذه الورقة السياسية لمد شباكهم الى الإدارة اللبنانية قبل فوات الأوان؟
ان نقل عدوى الأحداث السورية إلى الجيران تشكل الفرصة الأخيرة أمام الأسد لإخماد الثورة ، وهذا ما دفعه إلى نقل الصراع إلى لبنان والى خارج حدوده وهناك محاولات مماثلة في الأردن. لذلك كان التأييد الغربي للمؤسسات اللبنانية والرئيس سليمان الذي يريد من خلال إنعاش الحوار الوطني التوصل الى حل للتشنجات الداخلية التي لا تخدم مصلحة أي فريق، ولتجنب جر البلاد إلى المجهول وتصدير أزمة سوريا إلى داخله، وأخطار هذا التصدير على القوة الدولية المنتشرة في جنوب لبنان.
وباريس في هذا السياق ليست مع أي طرف ضد طرف آخر. وهي لا تصر على التمسك بالحكومة، بل تعتبر ان عملية رحيلها أمر داخلي. وتعبر عن مخاوف من إقفال الباب أمام اي حوار سياسي للبحث في الوضع الحكومي. كما أنها تعبر عن مخاوفها من مشاركة "حزب الله" في القتال في سوريا وتشدد على أهمية الاستقرار وضرورة احترام "إعلان بعبدا" الذي وافقت عليه جميع القوى اللبنانية وتسهيل مهمة رئيس الجمهورية من اجل منع انزلاق البلد نحو المجهول، وانكشافه أمنياً، وتجنيبه العدوى السورية وما يخطط له النظام السوري له من مواجهات داخلية باءت بالفشل حتى اغتيال اللواء الحسن.
كما ان فرنسا في هذا السياق تسعى إلى دعم الجيش اللبناني الذي ما زال الضمان لوحدة لبنان واستقراره. وبعدما كانت تعتبر ان سقوط النظام السوري أمر ليس بالبعيد أعادت العواصم الغربية النظر في تقويمها للأوضاع الميدانية داخل سوريا إذ باتت تعتبر ان الاختراقات الميدانية لمصلحة المعارضة السورية هو الأمر الكفيل وحده بإحداث تعديل في المواقف والتوصل إلى حل سياسي، اي ان الحل لم يعد سياسياً أو ديبلوماسياً، بل بات عسكرياً. وهناك تفكير جدي في تقديم دعم عسكري للمعارضة السورية.
فهل يكون اللقاء بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الفرنسي لوران فابيوس الاربعاء المقبل في باريس في إطار اجتماع مجلس التعاون الفرنسي - الروسي فرصة جديدة لتذليل العقبات بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن للتوصل إلى حل سلمي في سوريا بعدما فشلت حتى الآن كل محاولات المجتمع الدولي حول تقويم الازمة؟
وأخيرا ستشكل زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الأحد المقبل للسعودية مناسبة أخرى أمام باريس والرياض لتقريب وجهات نظرهما من الازمة السورية ومن الوضع السياسي في لبنان.
|