Date: Nov 5, 2012
Source: جريدة النهار اللبنانية
تواضروس الثاني البابا الـ 118 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر
ملفات كبيرة في انتظاره و"الإخوان" يتطلعون إلى "تعاون مثمر" معه

وقعت القرعة على الأنبا تواضروس ليصير البابا الـ118 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر، في مراسم استغرقت ساعات في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في القاهرة وتوجها ولد معصوب العينين بسحب اسمه من إناء زجاجي.

 

في 18 تشرين الثاني، ينصب الانبا تواضروس الثاني بطريركاً للاقباط الارثوذكس والكرازة المرقسية في مصر خلفاً للانبا شنودة الثالث الذي توفي في آذار الماضي، زعيماً روحياً لطائفة تعد نحو عشرة في المئة من المصريين البالغ عددهم 83 مليوناً، وتتزايد مخاوفها من المستقبل وسط صعود قوي للتيار الاسلامي بعد "ثورة 25 يناير" التي أطاحت الرئيس السابق حسني مبارك. وبينما يتطلع كثير من الاقباط الى البابا الجديد ليملأ فراغ سلفه الذي رأس الكنيسة 40 سنة والذي عمقت وفاته شعوراً بعدم الامان لدى كثيرين لم يعرفوا بابا غيره في حياتهم، يأمل آخرون في أن يدشن مرحلة جديدة يكون فيها البطريرك رئيسا للكنيسة القبطية ولكن ليس بالضرورة زعيما سياسيا لها، بعدما اضطلع سلفه بدور وسيط للاقباط مع الدولة.


وبدأت مراسم اختيار البابا الجديد بقرعة أولى أجراها الانبا باخوميوس لاختيار ولد من اصل 12، يتولى سحب اسم البابا الجديد. ووقع الاختيار على الولد بيشوي مسعد جرجس الذي عصبت عيناه قبل أن يسحب واحدة من ثلاث كرات بلاستيكية شفافة تحوي كل منها اسم واحد من ثلاثة مرشحين.


ووسط تهليل الحضور وتصفيقهم، أعلن باخوميوس أن الأنبا تواضروس سمي البابا تواضروس الثاني. ويذكر ان البابا الـ45 حمل اسم الانبا تواضروس الاول. ويطلق على القرعة التي اختير بموجب البابا الجديد القرعة الهيكلية.


وبعدها، عرض باخوميوس الذي تولى منصب القائم مقام البابا منذ وفاة شنودة الثالث، الورقتين اللتين حملتا الاسمين الآخرين، وهما الانبا رافائيل والقمص رافائيل افامينا، تأكيدا للشفافية التي تضمن للكنيسة نفوذا على أتباعها عبر العالم الذين يقدرون
بالملايين.

 

تواضروس

وعقب اختياره، أبلغ البابا تواضروس التلفزيون المصري الرسمي أن "البابا انسان خادم في المجتمع المصري يحمل مسؤولية الحب والسلام لكل فرد على ارض مصر... مصر وارضها ارض مقدسة ... وزيارة العائلة المقدسة باركت ارض مصر". وأضاف: "أرجو صلواتكم وأن تسندنا صلواتكم في هذه المسؤولية الكبيرة... قلبي مفتوح لكل انسان على ارض مصر".
 واختير البابا الجديد وفقا للائحة 1957 التي لا تزال سارية والتي يطالب عدد كبير من الاقباط بتعديلها كي يجري اختيار البابا بالانتخاب ومن دون قرعة.
وكان المرشحون الثلاثة اختيروا الأسبوع الماضي في اقتراع للمجمع الانتخابي في الكنيسة التي تمثل غالبية مسيحيي مصر.


ويضم المجمع الانتخابي أكثر من 2400 من رجال الدين والشخصيات العامة، إلى خمسة يمثلون الكنيسة الإثيوبية التي تربطها صلات تاريخية بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية.
ويأمل أقباط كثر في أن يتمكن البابا الجديد الذي سينصب في 18 تشرين الثاني الجاري من قيادتهم بأمان، وسط قلاقل انتفاضات "الربيع العربي".ويشعر هؤلاء بالقلق بعد الصعود السياسي للإسلاميين وانتخاب محمد مرسي الذي ينتمي الى جماعة "الإخوان المسلمين" رئيسا لمصر.
وقال ميخائيل جورج قبل القداس: "المسيحيون يخافون حكم الإسلاميين ، خصوصاً أن وجودهم (في السلطة) يشجع المتشددين على العمل بحرية".


ولفت الناشط القبطي في المهجر مايكل منير الى أن "أمام البابا الجديد ملفات كثيرة تتطلب سرعة التعامل معها"، موضحا أن "ابرز القضايا هي الضغط لاصدار قانون موحد لبناء دور العبادة، والحد من خطف القاصرات المسيحيات، وتوفير تمثيل سياسي مناسب للاقباط، وضمان اصدار دستور لجميع المصريين".
وقال الباحث السياسي عماد جاد: "لدينا الان رئيس جديد وبابا جديد... ونريد من الرئيس ان يكون متعاونا مع الكنيسة".
واتخذت وزارة الداخلية المصرية اجراءات مشددة لتأمين الكاتدرائية وشوهدت اعداد كبيرة من سيارات الامن المركزي منتشرة حولها.


تهنئة مرسي و"الاخوان"

وبعث الرئيس محمد مرسي ببرقية تهنئة إلى البابا تواضروس الثاني أبرز فيها عراقة الكنيسة الارثوذكسية وكونها تعد معلماً بارزاً من معالم تاريخ مصر وتراثها. وقال إن شعب مصر شعب واحد، تسوده روح الاخوة والمحبة بين مسلميه وأقباطه.


كذلك، أصدر حزب الحرية والعدالة المنبثق من جماعة "الاخوان المسلمين" والذي كان مرسي رئيسه قبل انتخابه رئيسا للدولة، بياناً هنأ فيه "نيافة الانبا تواضروس".
وقال: "اننا متفائلون بالتعاون المثمر معه كزعيم روحي للاخوة الاقباط لنشر الاخلاق الحميدة وللتأكيد على قيم الحرية والعدل والمساواة".


وهنأ المرشد العام لجماعة "الإخوان المسلمين" محمد بديع البابا الجديد. وقال في رسالة وجهها اليه عبر الصفحة الرسمية لـ"الإخوان المسلمين: "أتقدم لكم بأسمى التهاني القلبية على انتخابكم الكريم، وأتمنى لكم التوفيق والسداد لما فيه صالح مصر الحبيبة وشعبها الكريم... وفقنا الله جميعاً لما يُحب ويرضى لخدمة وطننا وأهلنا ... مع خالص تقديري".


وتلقى البابا الجديد أيضا تهاني رجال دين مسلمين، بينهم شيخ الأزهر أحمد الطيب وسياسيون مسلمون بارزون، منهم المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى.  

 

 


صيدلي في الستين ترقّى تدريجاً ويؤيد عدم تدخل الكنيسة في السياسة


 الأنبا تواضروس اسقف محافظة الحيرة في شمال مصر، الذي صار البابا الـ 118 للاقباط، هو صيدلي في الستين من عمره ارتقى تدريجاً السلك الكنسي. وشاءت المصادفة أن يكون يوم القرعة الهيكلية هو يوم عيد ميلاده الستين، فهو من مواليد الرابع من تشرين الثاني 1952.
وكان الأنبا تواضروس حل ثانياً في الانتخابات التي أجريت الاثنين الماضي لاختيار ثلاثة مرشحين يشاركون في القرعة الهيكلية لاختيار البابا، اذ حصل على 1623 صوتاً.


ولد الأنبا تواضروس باسم وجيه صبحي باقي سليمان، وحصل على بكالوريوس الصيدلة من جامعة الإسكندرية عام 1975، وعلى بكالوريوس الكلية الإكليريكية وزمالة الصحة العالمية في إنكلترا عام 1985، وظل يعمل مديراً لمصنع أدوية تابع لوزارة الصحة بدمنهور، الى أن التحق في 20 آب 1986 بدير الأنبا بيشوي في وادي النطرون. وظل طالب رهبنة حتى ترهبن في 31 تموز 1988، ورسم قساً في 23 كانون الاول 1989، ثم انتقل للخدمة في محافظة البحيرة في 15 شباط 1990، ثم نال درجة الأسقف في 15 حزيران 1997.


وتمتع الأنبا تواضروس بتأييد الأنبا باخوميوس الذي تولى موقع القائم مقام البابا منذ وفاة بطريرك الاقباط الارثوذكس والكرازة المرقسية في مصر الانبا شنودة الثالث في آذار الماضي،  فهو تلميذه وعمل معه في أسقفية البحيرة فترة طويلة.


وقبل الانتخابات، حصل الأنبا تواضروس على تأييد من عدد من الأساقفة، بينهم الأنبا دميان أسقف المانيا والأنبا سوريال أسقف ملبورن والأنبا مكاريوس رئيس دير السريان والأنبا باخوم أسقف سوهاج.
وعن رؤيته لمستقبل الكنيسة، صرح الأنبا تواضروس أخيراً في مقابلة تلفزيونية: "يجب أن نهتم بفصول التربية الكنسية منذ الصغر، وأن نجعل فصول إعداد الخدام من أولوياتنا. فالخدمة هي التي سوف تصنع نهضة جديدة داخل الكنائس سواء في مصر أو ببلاد المهجر".


وهو يدعو الى انشاء معهد لإعداد خدام كنائس في المهجر لإطلاعهم على الثقافات المختلفة في الدول الأوروبية وأميركا وكندا، معتبراً أن إقامة قنوات للحوار مع الشباب أمر ضروري، فهو يشدد على وجوب لم الشمل بين الكنيسة وأقباط المهجر من جهة، والكنيسة والشباب المسيحي من جهة أخرى.


ويرى الأنبا تواضروس أن باب الكنيسة هو صمام الأمان للكنيسة وللدولة، مشدداً على ضرورة استمرار العلاقة الطيبة بين المسيحيين والمسلمين في مصر، وطالب وسائل الإعلام بالتركيز على القيم المشتركة بين الجانبين لنبذ التطرف ودعم الوحدة الوطنية. وهو يعد من انصار تركيز الكنيسة على الشؤون الدينية، وعدم تدخلها في السياسة إلا في حالات استثنائية.