Date: Nov 28, 2012
Source: جريدة النهار اللبنانية
القوى المدنية تتحدى "الإخوان" وتستعيد الثورة
نادي قضاة مجلس الدولة وصف الإعلان الدستوري بأنه "عدم لا قيمة له"

أثبت المصريون أمس حقاً أن لثورتهم شعباً يحميها، من العسكر سابقاً ومن "الاخوان المسلمين" راهناً، ومن أي جهة تحاول اعادة الزمن بهم الى ما قبل "25 يناير" 2011، متجاوزين بنجاح عرضاً للقوة استعادت فيه المعارضة غير الاسلامية والقوى المدنية الثورة، مظهرة قدرتها على تعبئة الشارع خلفها في مواجهتها مع جماعة "الاخوان المسلمين" والرئيس محمد مرسي الذي أصدر اعلاناً دستورياً حصّن فيه قراراته ضد الرقابة القضائية والجمعية التأسيسية للدستور ومجلس الشورى، مكرساً نفسه حاكماً مطلقاً.


ومن شأن المشاركة الواسعة في التظاهرات والتي تجاوزت استناداً الى بعض التقديرات 200 ألف شخص في ميدان التحرير بوسط القاهرة، ان تزيد الازمة السياسية في مصر تفاقماً، وهي الاخطر يواجهه مرسي منذ تسلمه السلطة قبل خمسة اشهر.


وقد تجلت خصوصا أمس في الشعارات والهتافات التي أطلقها المتظاهرون ضد مرسي و"الاخوان" والتي أعادت الى الاذهان أجواء الثورة التي أطاحت نظام الرئيس السابق حسني مبارك، ومنها: "ارحل ارحل يا مرسي" و"الشعب يريد اسقاط النظام"، فيما ذهبت أخرى الى اتهام "الاخوان" بالكذب وسرقة الثورة.


ولم يظهر مرسي حتى الان اي نية للتراجع عن اعلانه الذي أعاد تنشيط المعارضة الليبرالية والمدنية بعد أشهر من الانقسامات والشكوك، بينما كان الاسلاميون يزيدون حضورهم في المشهد السياسي في البلاد. ولعل حجم الغضب من الاعلان الدستوري يعكس  الاستياء الواسع من سعي "الاخوان" الى احتكار السلطة بعد فوزهم في الانتخابات الرئاسية والنيابية.


وبعيد حلول الظلام، كان عدد المتظاهرين في ميدان التحرير يتجاوز 200 ألف، قبل وصول آلاف آخرين كانوا لا يزالون يتدفقون الى مهد الثورة المصرية. وخرجت تظاهرات أخرى في محافظات عدة تخللتها مواجهات بين محتجين ورجال الشرطة.
وبثت قنوات تلفزيون محلية أن اشتباكات تدور في مدينة المحلة بدلتا النيل بين مؤيدين ومعارضين للرئيس محمد مرسي.


وإذ تحدثت مصادر طبية عن سقوط 50 جريحا في المدينة، أحصت وزارة الصحة والسكان27 جريحاً ووفاة واحدة في البلاد كلها.
وقال رئيس هيئة اسعاف مصر محمد سلطان أن الوفاة حصلت في مستشفى الهلال التي نقلت اليها الضحية من ميدان التحرير اثر اصابتها بأزمة قلبية.


وفي انتقاد عنيف للاعلان الدستوري، وصف نادي قضاة مجلس الدولة (القضاء الاداري) الاعلان الدستوري بأنه "عدم". وقال مجلس ادارة النادي: "ان ما سمي الإعلان الدستوري هو عدم لا قيمة له تأكيدا للقواعد الفقهية المقررة"، مضيفاً انه سيعقد جمعية عمومية الجمعة المقبل لاعلان موقف من هذا الاعلان.
وعلى الاثر، أفاد مصدر في الرئاسة المصرية أن نائب الرئيس المستشار محمود مكِّي قدم استقالته من نادي القضاة لا من منصبه الرسمي.

 

واشنطن 

في واشنطن، صرحت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية فيكتوريا نيولاند إن واشنطن تحاول الحصول على مزيد من المعلومات من القاهرة لفهم ما يجري من أحداث في مصر. وقالت إن "الوضع في مصر غير واضح بالنسبة الى واشنطن التي لم تعرف بعد على وجه التحديد ما هو القرار الذي  تم التوصل إليه في شأن الاعلان الدستوري، وما أثر ذلك، وما إذا كانت كل الجهات قد عبرت عن آرائها وما إذا كان قد استمع إلى آرائها".


  وأضافت: "الوضع لا يزال غير واضح... إننا نريد أن نرى التوصل الى حل للمأزق الدستوري بشكل تشاوري وديموقراطي يحمي موازين القوى، ويحمي أصوات كل المصريين في هذه العملية. الوضع غير واضح بعض الشيء بالنسبة الينا.. وفي هذه اللحظة نسعى للحصول على مزيد من المعلومات".


وأشارت إلى أن واشنطن تواصل التشاور مع مختلف الأطراف وأن الوضع لايزال في حال تطور وتشكل، ولاحظت أنه "بشكل عام، تمر مصر بأزمة دستورية يجب أن تحل".
ولفتت الى أنها لم تطلع على بيان صحافي لصندوق النقد الدولي عن إجراءات لاستخدام قرضه بمبلغ 4,8 مليارات دولار لمصر لإقناع الرئيس مرسي بالعدول عن قراراته، وقالت: "عموماً، عندما يتوصل صندوق النقد الدولي إلى اتفاق مبدئي مع حكومة ما، مثل مصر في هذه الحال، فإن شروط الصندوق تتعلق أساسا بالجانب الاقتصادي وليس السياسي".

 

صندوق النقد الدولي

وفي واشنطن، حذر صندوق النقد الدولي من ان "تغييراً كبيراً" في السياسة الاقتصادية والسياسية لمصر يمكن ان يعيد النظر في الاتفاق التمهيدي على خطة مساعدة هذا البلد التي تنص على منحها قرضاً قيمته 4,8 مليارات دولار.
وقال في بيان له ان "دراسة مجلس ادارة صندوق النقد الدولي هذا الاتفاق تتطلب عدم حدوث تغيير كبير في الافاق الاقتصادية والسياسية المتوقعة" في مصر التي يواجه رئيسها محمد مرسي ازمة حادة منذ اصداره اعلاناً دستورياً يمنحه سلطات شبه مطلقة.

 

الميدان

تحدى أكثر من 200 الف شخص أمس الاعلان الدستوري الذي فوض الرئيس المصري محمد مرسي الى نفسه بموجبه صلاحيات مطلقة، في تعبئة هي الاوسع ضد الرئيس الاخواني منذ انتخابه في حزيران الماضي.

 

اكتظ ميدان التحرير بعد ظهر أمس بعشرات الآلاف من المتظاهرين الذين أطلقوا هتافات مناهضة لمرسي وجماعة "الاخوان المسلمين" التي ينتمي اليها، واستعادوا تحديدا شعاري "الشعب يريد اسقاط النظام" و"ارحل ارحل" اللذين أطلقا في الايام الـ17 لـ"ثورة 25 يناير" التي سبقت سقوط نظام الرئيس السابق حسني مبارك. ومع تغير الخصم، هتف المتظاهرون أيضاً: "بيع بيع... بيع الثورة يا بديع"، في اشارة الى محمد بديع المرشد العام لـ"لاخوان"، و"يسقط يسقط حكم المرشد".


 وكما في الهتافات، حملت اللافتات أيضاً شعارات تنتقد "الاخوان" ومرسي، منها "الاخوان كاذبون"، و"ممنوع دخول الاخوان المسلمين"، و"الاخوان سرقوا الثورة" و"يسقط الاعلان الدستوري" و"الرئيس يدفع الشعب الى عصيان مدني".
وبينما كانت الحشود تتدفق الى الميدان، دارت اشتباكات بين مئات من رجال الشرطة ومئات من الشبان الذين رشقوهم بالحجار في شارع قبالة الميدان.


والساعة الخامسة عصراً، انطلقت مسيرات حاشدة من ميادين عدة في القاهرة تحت شعار "للثورة شعب يحميها" يتقدمها رموز للمعارضة على رأسهم مؤسس حزب الدستور محمد البرادعي ومؤسس التيار الشعبي حمدين صباحي والمرشح الرئاسي السابق عمرو موسى.
كذلك، نظم آلاف المحامين والصحافيين مسيرتين من مقري نقابتيهما في وسط المدينة الى ميدان التحرير، وانضموا الى آلاف آخرين توافدوا اليه، كما نظم مئات من أعضاء النقابات الفنية مسيرة من أمام دار الاوبرا الى الميدان.
وفي مسيرة إلى الميدان من أمام مسجد مصطفى محمود في مدينة الجيزة على الضفة الأخرى لنهر النيل، هتف آلاف المعارضين: "يا إخواني يا إخواني انت الحزب الوطني التاني"، في إشارة إلى الحزب الوطني الديموقراطي الذي كان يحكم مصر، و"شلنا مبارك اب وابن باقي الشاطر والاستبن".

 

المحافظات

ودعا معارضو مرسي أيضاً الى تظاهرات في محافظات عدة.
وفعلا، تجمع الآلاف في مسيرة حاشدة امام مسجد القائد ابرهيم في قلب مدينة الاسكندرية، وهم يهتفون "يسقط يسقط حكم المرشد". ونظم عشرات من انصار "الاخوان" تظاهرة مضادة في مكان قريب منهم.
وخرجت تظاهرات في مدينتي المنيا والفيوم في جنوب مصر وفي السويس والاسماعيلية على قناة السويس وفي كفر الشيخ بدلتا النيل وشرم الشيخ في جنوب سيناء.
وروى شهود أن عشرات المصابين سقطوا في اشتباكات بين أعضاء في"الإخوان" ومعارضين في مدينة المحلة الكبرى المصرية.
وقالوا إن طلقات خرطوش وزجاجات حارقة وحجاراً استخدمت في الاشتباكات بميدان الشون الذي يطل عليه مكتب حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لـ"الإخوان" في المدينة الواقعة في دلتا النيل.


وأدت الاضطرابات التي تشهدها مصر منذ اسبوع الى مقتل شابين، احدهما من معارضي "الاخوان" والثاني من انصارها، الى متظاهر معارض ثالث اعلنت وفاته سريرياً، وجرح نحو 450 شخصا سواء في مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين او بين انصار "الاخوان" ومعارضيهم.
واعلن حزب التحالف الشعبي بعد ظهر أمس مقتل احد اعضائه فتحي غريب (26 سنة) اختناقاً من اثار اطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين.
وتعد هذه الازمة السياسية الاخطر يواجهها مرسي منذ توليه السلطة قبل قرابة خمسة اشهر.


القضاة

فالى احزاب وحركات معارضة ترفض الاعلان الدستوري، احتج القضاة بشدة على هذا الاعلان واعتبروه "اعتداء غير مسبوق" على السلطة القضائية.
وفشل اجتماع ضم مساء الاثنين مجلس القضاء الاعلى والرئيس المصري في نزع فتيل الازمة، اذ صرح الناطق باسم الرئاسة ياسر علي في ختامه بان "لا تغيير في الاعلان الدستوري". ويبدو أن التراجع التكتيكي الوحيد لمرسي والذي تمثل في اعلانه ان "تحصين قرارات الرئيس تقتصر على اعمال السيادة" لم يقنع المعارضة.


ويقضي الاعلان الدستوري الذي فجر الازمة بتحصين قرارات الرئيس المصري التي اصدرها منذ توليه منصبه وتلك التي سيصدرها الى حين انتخاب مجلس شعب جديد من اي رقابة قضائية، كما يحصن الجمعية التأسيسية لوضع الدستور ومجلس الشورى اللذين يهيمن عليهما الاسلاميون ضد اي قرار قضائي بحلهما.


وفي تحد ضمني لقرارات الرئيس المصري، اعلنت محكمة القضاء الاداري الاثنين انها حددت الرابع من كانون الثاني 2013 للنظر في الطعون في الاعلان الدستوري.


وأوصى نادي القضاة بتعليق العمل في المحاكم والنيابات في انحاء البلاد. وحتى الان، قررت 24 من 26 محكمة ابتدائية تعليق العمل تنفيذاً لقرار نادي القضاة، كما علقت ثلاث من ثماني محاكم استئناف اعمالها في مصر. ويستمر انعقاد الجمعيات العمومية للمحاكم الاخرى، بما فيها محكمة النقض، لاقرار توصية نادي القضاة أو رفضها.


واعلن نادي قضاة مجلس الدولة (القضاء الاداري) أمس انه سيعقد جمعية عمومية الجمعة المقبل لاعلان موقف من الاعلان الدستوري.
 وكانت جماعة "الاخوان المسلمين" قررت على نحو مفاجئ مساء الاثنين الغاء تظاهرة مؤيدة لمرسي كانت دعت اليها امام جامعة القاهرة، قائلة ان هذا الالغاء يستهدف حقن الدماء.