|
عمان - تامر الصمادي
في محيط دوار الداخلية الذي يعتبر أكثر المناطق حساسية في العاصمة الأردنية عمان، قررت الناشطة علا صافي افتراش أرض الدوار محتجة على الغلاء والفساد والاستبداد. «لن نساوم على كرامة الأردنيين»، حرصت صافي على القول في تلك الليلة التي أعقبت قرار الحكومة رفع أسعار المحروقات، في بلد يعاني عجزاً مالياً يقارب 21 بليون دولار. ولم تقاوم هذه الناشطة المعتقلة إلى جانب 300 آخرين من الشباب المتهم بـ «تقويض نظام الحكم»، عندما فضت قوات الدرك احتجاجاً قادته مجموعات شبابية ولدت من رحم «الربيع العربي»، وأعلنت تدشينها في تلك الليلة ما أسمتها «هبة تشرين»، في ربط لما تعارف عليه الأردنيون بـ «هبة نيسان» التي اندلعت في مدينة معان جنوب البلاد عقب قرار الحكومة رفع أسعار المحروقات في نيسان (أبريل) 1989. اقتيدت علا إلى الاعتقال، وأورد تقرير أصدره المركز الوطني لحقوق الإنسان (تموله الحكومة) أن آثار الكدمات والتعذيب كانت ظاهرة على جسدها، وأنها تعرضت للضرب أثناء الاعتقال والتحقيق. كما سجل اعتقالها سابقة منذ بدء الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح في كانون الثاني (يناير) 2011. في حي معدم بمنطقة «المحطة» المحاذية لمخيم للاجئين الفلسطينيين يعاني الفقر والنسيان وســـط العاصمة، تقطن علا التي تشرف على رعاية والدتها بعد أن استوطنت الأمراض جسدها وأقعدتها عن الحركة. وفي منزل قديم يطل على منازل فقيرة مبنية من الطوب والإسمنت على شكل طبقات مكتظة، ترقد والدة علا على سرير خشبي رث تكسرت بعض مسانده، فيما حفرت التجاعيد وجهها الشاحب. بصوت تخنقه العبرات، تردد كلمات موجزة بلهجة محكية: «ما بعرف وين راحت علا، طول عمرها حنونة علي، تخدمني وتقوم بواجبي، والله ما اقدر اقعد بدونها يمه (أمي)، يا رب فرج كربها وفك أسرها». ولتقي الدين الرواشدة، اليافع الذي يبلغ من العمر (16 سنة) قصة أخرى، فقد ذاق مرارة السجن مبكراً، كما يقول. ويردد مراراً: «تعرضت للتعذيب والضرب والإهانة من جهة عناصر الأمن، عاملوني بمنتهى القسوة، تجاهلوا ضرورة أن أعامل بطريقة متوافقة مع قانون الأحداث الأردني». وبصوت أقرب إلى الحنق، يروي الرواشدة ما تعرض له أثناء الاحتجاز: «اعتقلت من الدرك، ضربوني ضرباً مبرحاً، وواحدة من الضربات كادت تكسر أنفي». ويتابع: «أخذوني عند منطقة المسؤولين عند دوار الداخلية، وهناك ضربوني وزجوا بي في حافلة ودخل علي ضابط درك وأخذ يسمعني عبارات مهينة وبصق بوجهي، وبعد لحظات دخل اثنان من الشرطة وبدأوا يضربونني لحد ما حكى (إلى أن قال) مسؤول الدورية: هذا حدث لا تضربوه». وفي مديرية شرطة وسط العاصمة، يروي الرواشدة، «عشت فصلا آخر من الضرب، تعرضت للمعاملة ذاتها، وجعلوني أدور حول أحد مباني المديرية بينما كان يضربني أحدهم بهراوة». وتتحدث والدة الشاب سهل المسالمة (23 سنة) من مدينة إربد شمال البلاد بدت لافتة عن اعتقال ابنها من أحد مطاعم المدينة بعد مشاركته في تظاهرة ضد رفع الأسعار: «سحبه رجال الأمن إلى سيارة الاعتقال، وهناك تصوير واضح لمشاهد الضرب الذي تعرض له خلال سحله في الشارع العام». وتؤكد أنها شاهدت آثار التعذيب على أذنه اليمنى «التي تعرضت للعض»، إضافة إلى آثار في الوجه والجهة اليمنى من الرأس. وكان صافي والراوشدة والمسالمة وبقية الشبان الـ300، صعّدوا من حراكهم ضد قرار الحكومة رفع الأسعار قبل أسبوعين تقريباً. في ذلك الوقت، خرج هؤلاء مرددين شعارات «ساخنة» طاولت القصر الملكي، ورأت السلطات أنها تخالف القانون. وكما وقف أبناؤهم في الشوارع للمطالبة بإصلاح النظام، وقف ذووهم بباب الحكومة خلال الأيام الماضية، مطالبين بالإفراج عن المعتقلين، والقصاص ممن عذبوهم. ووجه مركز حقوق الإنسان سهام نقده إلى الحكومة، قائلاً إنه قابل 89 من المعتقلين للوقوف على ما جرى معهم. وجاء في تقرير له أن 66 موقوفاً ذكروا أنهم تعرضوا للضرب والإهانة أو سوء المعاملة أثناء الاعتقال. وذكر أن 53 موقوفاً عذبوا داخل المراكز الأمنية قبيل نقلهم للسجون. وأضاف أن مندوبيه شاهدوا آثار الضرب والكدمات على أجساد 13 موقوفاً. وفي المقابل كشف أن نحو 50 إصابة وقعت بين أفراد الأمن، من دون أن يحدد هوية الفاعل. لكن الحكومة الأردنية نفت الاتهامات، وقال الناطق باسم مديرية الأمن العام المقدم محمد الخطيب لـ «الحياة» إن «الاتهامات التي وجهها نشطاء حقوقيون وعائلات مجرد فبركات إعلامية يقودها إعلاميون ومحامون لإثارة الرأي العام». لكنه اعتبر أن القانون «يمنح رجال الأمن إمكان اعتقال كل من يخل بالنظام، وكل من يقاوم الاعتقال لا بد أن يتعرض للضرب والإيذاء بغية استكمال عملية الاحتجاز».
|