|
في محاولة لاحداث ثغرة في جدار الازمة المصرية التي دخلت أسبوعها الثالث، أرجأ الرئيس المصري محمد مرسي الاستفتاء على مسودة الدستور في الخارج والذي كان مقررا اليوم الى الاربعاء، وأبدى استعداده لارجاء الاستفتاء المقرر في 15 كانون الاول، بشروط، بعد رفض جبهة الانقاذ الوطني دعوته اياها الى الحوار، واصرارها على الغاء الاعلان الدستوري وتأجيل الاستفتاء الى حين الاتفاق على دستور توافقي، قبل المشاركة في أي حوار. وفي خضم هذا المأزق السياسي، ازداد الغضب في الشارع، بعد يومين من مقتل سبعة أشخاص وجرح أكثر من 700 آخرين، في مواجها
ت بين مؤيدي مرسي والمناهضين له أمام قصر الاتحادية الرئاسي. وتدفقت الحشود بعشرات الالاف الى محيط القصر الرئاسي ، واخترق آلاف منهم حاجزا من الاسلاك الشائكة وتمكنوا من الوصول الى بوابات القصر وهم يهتفون "باطل باطل"، و"ارحل ارحل"، الا أنهم لم يحاولوا اقتحامها.
كذلك، خرج الآلاف في مدن مصرية أخرى في تظاهرات "جمعة الكارت الاحمر" للمطالبة برحيل مرسي، في اشارة الى البطاقة الحمراء التي يرفعها الحكام في مباريات كرة القدم. وروى شهود عيان ومصادر أمنية وطبية أن عشرات الأشخاص أصيبوا في اشتباكات بين مؤيدين ومعارضين للرئيس المصري في ثلاث مدن. وفي المقابل، تجمع آلاف المتظاهرين من التيار الإسلامي أمام مسجد رابعة العدوية في مدينة نصر تأييدا لقرارات مرسي. وأطلق المتظاهرون هتافات منها: "الشعب يؤيد قرار الرئيس " و"يالله يا مرسي قولها قوية... مصر هتفضل إسلامية"، و"إسلامية في كل مكان ضد الظلم والطغيان" و"إسلامية،إسلامية، لا مدنية ولا علمانية".
تأجيل مشروط
وفي محاولة للتراجع وفسح المجال للتفاوض مع المعارضة، ابدى نائب الرئيس المصري محمود مكي مساء استعداد مرسي لتاجيل الاستفتاء على مشروع الدستور في 15 كانون الاول بشروط، وأكد تأجيل تصويت المصريين في الخارج الذي كان مقررا أن يبدأ اليوم.
وقال ان الرئيس المصري "مستعد للموافقة على تأجيل الاستفتاء على الدستور شرط تحصين هذا التأجيل من الطعن امام القضاء"، ذلك "أننا محكومون بمادة (في الاعلان الدستوري) تلزم الرئيس عرض مشروع الدستور (بعد تسلمه إياه) على الاستفتاء في مدة لا تتجاوز 15 يوما... ويجب ان تقدم القوى السياسية التي ترغب في التأجيل ضمانة حتى لا يتم الطعن بعد ذلك في قرار الرئيس ولا يتهم بمخالفة الاعلان الدستوري". وأضاف ان عددا من الشخصيات السياسية "عرض علي مبادرة من بنود ، بما فيها تأجيل الاستفتاء.... الرئيس لن يرفض للقوى السياسية طلب التأجيل طالما انه لن يخالف الارادة الشعبية" التي أقرت من خلال استفتاء الاعلان الدستوري الصادر في اذار 2011، مشيرا الى "انه لا بد كذلك من البحث في ما سيحدث بعد تأجيل الاستفتاء".
وفي تأكيد لهذا التوجه، اعلن مكي ان لجنة الانتخابات وافقت على تأجيل تصويت المصريين في الخارج على مشروع الدستور في الخارج. ونقلت وسائل الاعلام المصرية عن لجنة الانتخابات ان بداية تصويت المصريين في الخارج ارجئت من السبت الى الاربعاء. ولم يعرف على الفور ما اذا كان هذا التأجيل تنازلا وكيف سيؤثر على المواعيد الاخرى للاستفتاء . الا أن وزير الشؤون القانونية محمد محسوب أوضح أن الحكومة تدرس اقتراحات عدة، بما فيها ارجاء الاستفتاء واعادة المسودة الى الجمعية التأسيسية لادخال تعديلات عليها أو التخلي عن الجمعية التأسيسية كلها وتأليف أخرى جديدة، إما بالانتخاب وإما بالاتفاق بين القوى السياسية.
البرادعي
وفي ما يمكن اعتباره مبادرة مضادة، أعلن المنسق العام لجبهة الانقاذ الوطني محمد البرادعي في كلمة مسجلة بثتها قناة "اون تي في" المصرية الخاصة مساء ان الحوار مع الرئيس المصري لا يزال ممكناً ولكن شرط ان يلغي الاعلان الدستوري ويؤجل الاستفتاء على مشروع الدستور الخلافي. وقال: "لا بد ان نجد وسيلة أيا كانت من طريق التحاور للخروج من هذا المأزق، ارجو ان يكون الدكتور مرسي استمع الى صوت الشعب وأرجو ان يأخذ خطوات محددة لفك الاحتقان". وأضاف: "هناك خطوتان يستطيع ان يأخذهما فورا: اولا اسقاط الاعلان الدستوري الذي أعلنت مصر كلها عن غضبها منه، والخطوة الثانية ان يؤجل الاستفتاء على مشروع الدستور حتى نصل الى توافق وطني... واذا اتخذ هاتين الخطوتين انا على يقين اننا سنجد وسيلة من طريق الحوار". الى ذلك، حذر من اراقة الدم مرة اخرى في مصر، ودعا الى الحفاظ على سلمية التظاهر وسط استمرار تظاهرات "جمعة الكارت الاحمر".
جبهة الإنقاذ الوطني
وأصدرت جبهة الانقاذ الوطني بيانا ضمنته "رفض حضور الحوار الذي اقترحه رئيس الجمهورية غداً (اليوم) السبت وذلك نظرا الى افتقاره لابجديات التفاوض الحقيقي والجاد وتجاهله طرح المطالب الاساسية للجبهة المتمثلة بضرورة الغاء الاعلان الدستوري بكامله والغاء قرار الرئيس بالدعوة الى الاستفتاء على الدستور" في 15 كانون الاول". وقال رئيس حزب المصريين الأحرار أحمد سعيد، العضو في جبهة الإنقاذ الوطني إن الجبهة "لن تشارك في الحوار". واتهم الرئيس المصري بتجاهل مطالب المعارضة في كلمته "الصادمة"وتحديده مواضيع الحوار سلفاً.
وحض المنسق العام للجبهة محمد البرادعي"القوى الوطنية" على رفض العرض الذي وصفه بأنه "يقوم على سياسة لي الذراع وفرض الأمر الواقع".
ووصف الناطق باسم حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة "الإخوان المسلمين" مراد علي موقف المعارضين من الدعوة بأنه محزن، وتساءل: "ما المخرج الذي لديهم من الأزمة غير الحوار؟".
وصرح الناطق باسم "الإخوان" محمود غزلان لـ"رويترز": "إذا رفضت المعارضة أن تحضر ، سيتبين أن نيتهم هي إزاحة مرسي من الرئاسة لا إلغاء الإعلان الدستوري أو الدستور كما يدعون". وفجّر الإعلان الدستوري أسوأ أزمة سياسية منذ تنصيب مرسي في 30 حزيران، وجدد الاضطرابات التي تبدد آمال مصر في الاستقرار والانتعاش الاقتصادي بعد نحو سنتين من القلاقل التي أعقبت إسقاط الرئيس السابق حسني مبارك .
وأظهرت الأزمة تناقضاً حاداً بين رؤيتين لمصر المستقبل، إحداهما رؤية الإسلاميين والأخرى رؤية منافسيهم الذين يخشون أن يسكت الإسلاميون أصواتهم، وأن يقيدوا الحريات العامة. وخرج أمس آلاف من معارضي مرسي في مسيرات من ميدان التحرير بوسط القاهرة ومن أماكن أخرى في العاصمة إلى قصر الاتحادية. وهناك اقتحم عدد منهم حواجز أمام القصر الرئاسي في شرق القاهرة، ووصلوا إلى بواباته وأسواره.
وروى شهود أن قوى الأمن وقوات الحرس الجمهوري تكتلت أمام البوابات لتأمينها، وسط هتافات المتظاهرين: "ارحل... ارحل" و"الشعب والجيش إيد واحدة"، فيما تسلق عشرات من المتظاهرين الدبابات وناقلات الجند المدرعة والتقطوا صوراً مع أفراد الحرس الجمهوري. ومع هبوط الليل، زاد عدد المتظاهرين امام القصر وراحوا يهتفون "لا اعلان لا دستور ، النظام كله يغور (يرحل)" و "يسقط يسقط حكم المرشد" في اشارة الى المرشد العام لجماعة "الاخوان المسلمين".
وقال أيمن محمد (29 سنة) قرب قصر الاتحادية إن على مرسي أن يلغي مشروع الدستور، وأن يلبي المطالب الشعبية. وأضاف: "هذا رئيس الجمهورية. لا يمكن أن يكون فقط للإخوان المسلمين". وخرج آلاف آخرون في تظاهرات في مدينة الإسكندرية الساحلية وبعض مدن الدلتا. وفي مدينة كفر الشيخ، شمال القاهرة، اشتبك المؤيدون والمعارضون قرب مقري حزب الحرية والعدالة وجماعة "الإخوان المسلمين" بالرصاص وطلقات الخرطوش والحجار.
ميدان التحرير
وكان مئات من المتظاهرين تجمعوا منذ الصباح في ميدان التحرير حيث خاطبهم بعد صلاة الجمعة القيادي في جبهة الانقاذ الوطني حمدين صباحي وسألهم عن رأيهم في دعوة مرسي الى الحوار فردوا: "الشعب يريد اسقاط النظام". وقال: "بدأت ثورتنا سلمية وستنتهي سلمية بانتصار الشعب المصري بإيمانه بالله وبوحدته وترابطه".
"مصر اسلامية"
وفي المقابل، شارك آلاف من "الإخوان" في جنازة القتلى الذين سقطوا في الاشتباكات عند القصر الر ئاسي الخميس،وهتفوا: "بالروح بالدم نفديك يا إسلام", و"مصر اسلامية ، لن تكون علمانية، لن تكون ليبرالية". وقال القيادي في "الاخوان" محمد البلتاجي:"سنمضي في معركتنا حتى الشهادة...سننتقم لمن ماتوا أو نموت مثلهم". وأبلغ الرئيس الأميركي باراك أوباما مرسي الخميس في اتصال هاتفي إنه "قلق للغاية" لسقوط ضحايا في الاشتباكات. وقال إن الحوار الوطني يجب أن يجري من دون شروط مسبقة. وتثير الاضطرابات في مصر قلق الولايات المتحدة التي تقدم لها 1٫3 مليار دولار مساعدات عسكرية، الى مساعدات أخرى منذ توقيع معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية عام 1979. وفي برلين، دعا وزير الخارجية الالماني غيدو فيسترفيله الى وقف العنف في القاهرة حيث يتواجه أنصار الرئيس محمد مرسي ومعارضوه، معتبرا ان "الثورة في مصر في خطر". ويبدأ اليوم اقتراع المصريين في الخارج على مسودة الدستور، استنادا الى وزارة الخارجية.
|